الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

9  تشرين اول 2006

ابحث في كتابات

 

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

اديب كمال الدين ,طرق على باب القلب و اللغه

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

في ديوان تفاصيل تحت عنوان قصائد صغيرة , قال اديب كمال الدين :

 

{ وما نفع الاشعار

اذا لم تأخذ بيدي ؟}

 

فالى اين اخذ الشعر بيد هذا المثقف بعد مايقارب الالف صفحة من الكتابة وبعد مايناهز الثلاثين عاماً من مواصلة لم تنقطع في مسئلة الحرف ومساجلة النقطة ؟!

 

 الى اين وصل الشاعر الذي بدء بـ ((تفاصيل)) التي كتبها في الوطن عام 1976 , وانتهى بـ ((ماقبل الحرف , ما بعد النطقه )) التي كتبها في المنفى عام 2006 ؟!

 

اديب كمال الدين علامة مميزة في التجربة الكتابية لاجيال ما بعد السياب , حيث انها تجربة نأت عن كتابة النص المفتوح وطلاسمه , وتنحت عن هلاميات انشائية راحت تدافع عن فقرها بتنظير حول قصيدة النثر كقناع تستري , لكن من دون ان يعني ذلك التخلص التام من كل ذلك بكل تأكيد.

 

لكن من المؤكد ايضاً اننا مع اديب كمال الدين امام اسلوبية خاصة تصل الى حد الفرادة التعبيرية , رغم ان القصيدة لو اخذت كاجزاء متفككة مثل استخدام الاسطورة الشخصية  والومضات السريعة والجمل القصيرة , وادخال اسلوبية الحوار وتعدد الاصوات , لوجدناها عناصر سبق ان استخدمها ويستخدمها الكثير من الشعراء , بيد ان فرادة اديب كمال الدين هي في طريقة المزج من جهة وجعل هذه العناصر اصوات كاشفة عن خبيئات الحرف والنقطة  .

 

لكن اذا كان الشِعر هو في الاساس وبدءا وختاماً عبارة عن تفعيل لغوي , فاي معنى ياترى لترك الجملة والكلمات وترحيل القصيدة صوب الحرف والنقطة؟!

 

هنا نفهم بانه اذا كان للشعر عموما جمهوره الخاص , فان التجربة الخاصة شعرياً , تتطلب جمهورا اخص , فاذا كان الشعر مرده الى كونه نوع من انواع الخطاب , فهو بالتالي يتطلب نوعاً من انواع المتلقي , وهو امر بالتاكيد يحل الكثير من معضلة جدل الشِعر والجمهور , تجاذباً او بؤساً .

 

لكن ماهو الحرف , وما المقصود من النقطة ؟!

 

يطلق الحرف ويراد منه العبد , وقيل بان اصل الحرف هو العبد ثم استخم للاصوات ورموز الكلام والكتابة , لكونها تؤدي خدمة ايصال المعنى .وبهذا يتضح قول الخليفة الرابع علي بن ابي طالب :

 { من علمني حرفاً ملكني عبدا}

 

 وذلك بتشديد كلمة ((ملّكني)) اي اعطاني وليس المعنى بانه هو الذي ملكني انا واصبحتُ ملكاً له . طبعاً تصح قراءة التخفيف على ضوء مدرسة التفكيك الحديثة وتنظيرات الخطاب والصوت المعاصرة .

 

اما النقطة فيتوهم الكثير بان المقصود منها هي هذه القطرات الصغيرة فوق الحروف , في حين المقصود من النقطة هي نقطة الحبر في بداية كتابة اي حرف , وفي علم الخط نقول حرف الالف يتكون من سبعة نقاط (=للتوضيح راجع : قواعد الخط العربي لهاشم محمد الخطاط ) , وبهذا حينما نجد رواية تقول :

 

{ جمع القرآن في الحمد , وجمعت الحمد في البسملة , وجمعت البسلمة بالباء بالنقطة , وانا النقطة }

 

 لابد ان يكون المعنى غير متعلق بقطرة الحبر التي نضعها اليوم تحت حرف الباء , لكون هذا التنقيط وجد بعد فترة طويلة جدا من صاحب القول الذي ينسب اليه هذا الكلام وهو الخليفة الرابع , والا فالرواية ستكون مكذوبة يقيناً .

 

وعلى اية وان كان توجد نصوص ممكن ان تدل على انسياق الشاعر بالفهم الشائع , الا ان نصوص اخرى ممكن ان تثبت عكس ذلك كما هو حال نص ((صيحات النقطة)) في مجموعة ماقبل الحرف , حيث يقول اديب كمال الدين :

 

{قال الحرف :

لم اعد من نفسي بعد

ضعت في نقطتها القاسية

وتضاريسها الملئية بصور الموت.

لم اعد من نفسي بعد

فلمَ كل هذه القصائد الوحشية بانتظاري ؟}

 

او قوله ص 31 من ذات المجموعة :

 

{مع انني اطلقت عليكِ اسم الباء

ثم اطلقتُ عليكِ اسم النقطة

بعد ان قيل لي أن كل الباء في النقطة}

 

ان نص اديب كمال الدين هو عبارة عن بذل الشعر تحرياً لصطياد المعنى, لكن بما ان ((المعنى )) بمطلقيته وعموميته لايكتنف الا ضمن احجية الوجود , فسيكون كل ممارسة شعرية في التحري من هذا القبيل هو مسعى نحو الحكمة والاستكشاف لما هو صالح كموقف في الحياة لها او بالضد منها . بيد ان ذلك الى ينتهي بالشعر الى ان يكون فلسفة خالصة او اشرات حكمية فالوجود بهذا الشكل هو في النهاية نشاط لغوي , اذ اساساً:

 

{الوجود الذي يمكن ان يُفهم هو لغه}

 

 حسب تعبير ((غادمير)) , فنحن اذ نستوعب موقفاً للوجود او الحياة , فاننا في واقع الامر نكون قد اتخذنا موقعاً ما , داخل هوية اللغة واجراءات التعبير.

 

وهذا ما سوف يسعفنا في مقاربة تجربة الوعي الشعري لدى اديب كمال الدين , بكونها نصوص يقظة عقلياً للوجود والموت والحياة والطبيعة وكل ماهو عام , وليس محض قول شعري يبتهل به الكاتب بان يكون ترويحاً للذات او تعبير فردي لها عساه يكون خلاصاً .

في ص22 من مجموعة ماقبل الحرف , يقول اديب كمال الدين :

 

{قالت النقطة :

انظروا الى هذا الارعن الذي ملأ

عليّ الشارع

ضجيجاً وصراخاً.

وقال الحرف:

انظروا الى هذه الخائنة التي سرقت

قلبي وفلذة كبدي

وتركتني انام على الرصيف

صمت الناس

اعني الكلمات

صمتت الكلمات

اعني الناس}

 

فاذن ماعساه يكون الا هروب من نوع هروب بومة مريفا رمز الوعي الحكمي , ذاك الذي يترك الكلمات ويتشبث بالحروف , وينكأ بالحروف بحثاً عن معنى النقطة ؟!

فاذ لا كلمات لاناس هناك وبالعكس

 

 بيد ان الكلمات لاتمثل الجسور الرابطة مابين الناس والناس فمن يتركها يقع في الاغتراب والهجرة والاعتزال , بل الكلمات هي ايضاً حمولات المقولات العقلية , من يتركها لابد ان يختار احد السبيلين :

 

الاول : الانتماء الى مدرسة تقول بان الفهم ليس احتكاراً عقلياً , بل العقل هو احد وسائل المعرفة , والا فان المعرفة اوسع من ذلك بكثير .او بتعبير الفيلسوف الالماني هيدجر :

 

{ان التفكير لايبدأ بذلك الا متى جربنا ان العقل الممجد منذ قرون هو الخصم الاكثر عناداً للفكر }

 

الثاني : الانتماء الى كون العقل محبساً انسانياً , وان الخلاص يقع في نقيضه الهذيان والجنون ولذة التلاشي .

 

ونحن عند تتبع نصوص كمال اديب الدين نجد كلا الاتجهان لهما حضور وافر في هذه التجربة الكتابية , يقول ص 54 من مجموعة ماقبل الحرف :

 

{حبيبتي المغربية

لها باء غير باء البسلمة

ولها حلم من جنون مؤكد

احتاجه مثلما احتاج الى حبة من هواء

(..)

احتاج هنا , الى ابجدية من معاول

ابجدية من سكاكين

الى ابجدية من هذيان مركز

ونزيف مؤكد }

 

وص 55 , يتمنى العروج صوب مدن اللامعقول من بابرة وسحر , فيقول:

 

{يا الهي

احتاج ان اطير بجناحي نسر وعينيّ صقر

من قارة الكنغر الوحشي

الى قارة البرابرة الناعمين

من قارة دخول المعنى في اللامعنى

الى قارة السحر الاسود

(..)

اعني الهي

فقصيدتي المغربية تومض لي

انا نقطة المعنى

انا نقطة الغرباء المحرومين

انا نقطة الشاعر وهذيانه المر

(..)

انا نقطة الجنون الابهى }

 

نعم بعض الاحيان يرفدنا اديب كمال الدين بتعليل ابسط ليس فلسفي ورؤية وجودية في الاختلاف مابين الشاعر وسواه , وانما هذه العزلة والافتراق هو عزاء الواقع الاجتماعي الفاسد ومعضلة المحنة السياسية المستمرة ,مثلما يقول بوضوح ص 73 من مجموعة ماقبل الحرف , في قول يسقط في تقريرية مفرطة  :

 

{لم يعد الشعر قادراً

على مجاراة مايجري

فالواقع تحول الى مزحة سوداء

يرددها كل دقيقة عقربا الساعة

دون ان ينظر الى الخلف

او الجمهور }

 

ولكي يترك الجمهور لابد ان يترك الكلمات ويكتب عن الحرف والنقطة , لكون الكلمات هي الناس .

 

بيد ان اديب كمال الدين , له صداقات واسعة وعلاقات ممتدة مع محيطه الاجتماعي , وبالتالي فليس هو بمدقع في الاعتزال , لذا فهجران الكثرة قد يكون معلول للسبب الثاني , الاجتماعي والسياسي , وليس رؤية فلسفية , هذا ماتبوح به حالات الاسف والاحساس بوحشة الوحدة , كحال نصه المعنون اغاني رأس السنه في مجموعة ديوان عربي :

 

{" لم يحضر أحد للحفلة "

فاجأني الخادم

في قمة حلمي ،

فزجرته .

" لم يحضر أحد للحفلة "

فاجأني الشمع

في قمة فرحي

فنهرته .

" لم يحضر 

أحد ....."

فاجأني الكأس

فرميته

"لم يحضر .... "

فاجأني حزني فصمتُ ، نظرتُ :

لم أجد الخادمْ

" من أين يجيءُ الخادمْ ؟! "

لم أجد الشمع

" من أين يجيء الشمع ؟! "

وانكسر الحزنُ . نظرتُ الحزن أمامي

يتضاحكُ ، يفتتح الحفلة !  }

 

والشاعر المكثار من ذكر البحر يخاف ان يكون الختام عزلة مطبقة كحوت ميت على شاطئ , لا اقل هذه صورة البدايات التي بقيت راسخة لدى كمال اديب الدين في مجموعات نصوص عديدة , تلت تصويره هذا الوارد تحت عنوان قصائد صغيرة في مجموعته الاولى تفاصيل :

 

{ أخشى أن تسرقني أقمارى السوداء

أخشى أن تتركني كالحوتِ الميّتِ عند الشاطىء

                      أقماري السوداء}

 

وقد تكون هذه نوبة من نوبات التعب , حيث معنى الحرف غابات من الوحشة والانفراد , كما هو حال الابانة الموجودة في ديوان النقطة تحت عنوان محاولة في الموسيقى :

 

{ حتى الحروف صارت تتعبني

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دون أن تحمل في يدها باقة شمس

أو حفنة قمر

أو قبلات ريش.}

فليس هنالك موقف قبلي وانما محنة خارجية , كما يوضح ديوان النقطة اكثر تحت عنوان محاولة في العزلة :

 

{ بعد أن سقط الأصدقاء والأشقاء

في بحر الكراهية

ركبتُ زورقي متجها ً الى بحيرة دمي

مجاذيفي الحروف

و وجهتي النقاط

يتبعني جمع من النونات }

 

 لكننا سنوضح في الفصل الالحق انه لابد الى حد الضرورة من وجدان موقف قبلي , مسانخة مع مغايرة النقطة وانفصالية الحرف , والتي تقتضي الخروج بنمط مغاير للجموع سواء في رؤية النص او التعامل مع الحياة .

 

بهذا بات لدينا حسب النص التعبيري لاديب كمال الدين , منجزان :

 

منجز يتمثل بالنقطة بكونها نوع من المقذوفية بوجه لغة الكلمات .

ومنجز يتمثل بشخص الشاعر بكونه نوع من المقذوفية بوجه حشد الجماعات .

لذا تراه قد قال في مجموعة ديوان عربي الصادر ببغداد عام 1981, تحت عنوان مقابله ثانيه :

 

{ في الليل الأسود

يتحدث هذا القلب الغامض

عن حرف

استلقى فوق فراش الأرض وغطّى

عينيه بقبعة الحلم البيضاء

عن حرف ممتلىْ بأنين الأشياء

عن حرف محترق مجنون. }

 

فهناك احتراق لقلب فردي يتحدث عن حرف يتلمس به معنى الاشياء عامة  ووكلل .

 

ومن كلا المنجزين ينزاح وعي فردي واقعي وكتابي (=الشاعر ونصه) بكونه محاولة في دمج ماهو لغوي عام  بماهو واقعي فردي , فكانت النقطة مرآة تمثيل لمعاناة الشاعر وقص حياته ويومياته . في ص 155 من مجموعة ماقبل الحرف , يوثق الشاعر حواراً تم اجراءه معه , فيرد ضمن الحوار التصريح :

 

{لقد عمدتُ في قصائد مجاميعي الشعرية : (جيم )  , (نون ) , (اخبار المعنى) , (حاء ) , (النقطة ) , وكذلك في قصائدي الجديدة الى اجراء حواريات بين هذه المستويات التي يمتلكها الحرف , وخلطها احياناً لاستخراج تركيبات جديدة من المستويات او استخراج مستويات جديدة في الصور الشعرية او معناها الملغز . ان هذا الحوار او هذا الخلط او التركيب سيؤدي الى كشف مستويات ابداع شعري تندمج فيها طفولة الحرف بطفولتي , وطلاسم الحرف بطلاسمي , ورموزه برموزي (..) وقناعه بنقاعي وايقاعه بايقاعي , واساطيره باساطيري , وهذا برأيي أقصى عناوين الشعر }

 

هنا يجري استبدال طريف , فبدل ان يكون الشِعر هو قناع للشاعر كما هو الدأب المعروف ,يكون الشاعر قناع للشِعر , حيث يتم جريان لقاء تبادلي بين الضفتين يتلابسان ويتمازجان .فيكرس المخيال الشعري لبناء عوالمه الفنية في مساحات ماقبل العقل ومابعد الجنون , وماقبل الحرف ومابعد النقطة .

 

وهكذا يكون اديب كمال الدين قد حقق نوعاً من انواع المكر الكتابي , الذي هو باب اساسي من ابواب التعبير الفني والجمالي ليس في الشعر وانما في المشغل الفني ككل .

.....................................................

سدني - استراليا