الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

25  أيـــلول 2006

ابحث في كتابات

 

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

متى يكون غونتر غراس عراقياً ؟!!

 

كتابات - عبد اللطيف الحرز

 

الاعتراف المتأخر الذي نشره صاحب رواية ((سنوات الكلاب)) الروائي الالماني غونتر غراس , حول انتماء للحزب النازي ومشاركته في اقبح مؤسسات التصفية فيه , اثارت حشدا من الجدل بقسمين :

قسم حول ماهية الادب كأدب وهل القيمة الادبية مرتبطة بالقيم الاخلاقية او الضوابط السياسية للرأي العام , اي كون الجدل مصوب نحو نص الاعتراف ذاته الذي اختار له غونتر غراس اسم (( تقشير البصل)) رمزا للمعاناة النفسية في الكتابة

 

وقسم آخر من هذا الجدل تمثل حول شخصية الُمعترف نفسه . فهذا الشخص كان معروف بين الاوساط بدفاعاته الاخلاقية حول امور كثيرة تخص الشأن الالماني , الان كيف نقرأ تلك الحمية الاخلاقية لدى غراس , وهل ستكون مجدية وذات نفع فيما لو كررها , اذ يحتمل ان الامر ردة فعل نفسية من غراس ازاء ماض بشع , الان يتوب عنه بمرافعات الاخلاقية ؟

 

لكن رغم كل هذا الصخب حول هذا الاعتراف , فان هنالك تفهم للنص ففي الغرب يوجد وسط نقدي مثقف حقيقي , لذا يتم عزل نص عن الشؤون الشخصية للكاتب , بخلاف ما لدينا في الشرق حيث نفتش في احشاء الكاتب ونتصيد عثراته  وتقلباته في شؤونه الشخصية بل قد نتحرى عن شؤونه العائلية من اجل اظهار تناقضاته وتسقيطه وبالتالي تصفيته كتابياً والتخلص منه .

 

اما البعد الشخصي , فقد جرى التعاطف بكون الرجل على اية حال اعترف بجريرته , ومنح الاجيال فرصة الاطلاع على اخطاء الماضين منهم .

 

وما يستحق التوقف عربياً , هو ان حشود بمستوى المرثون الكتابي من المثقفين العرب , سارعوا بكتابة مقالات وبيانات تدعم غونتر غراس فهو على اية حال قد اعترف بالخطأ وكفى بهذه فضيلة .

 

وجه الغرابة لي انا لعراقي هو انني اقارن مابين اعتراف غونتر غراس صاحب رائعة سنوات الكلاب , ومابين تشبث صدام حسين بعنجهيته وعصابيته الفاشية , فلا يريد الخروج من كهف روحه القاسية المتخشبة , وهو صاحب شخبطة ((اخرج منها ياملعون ))

الاغرب هو ان هذا المرثون الكتابي للعرب , لم يزل يتغاضى عن تمسك صدام حسين بأخطائه .. تلك الاخطاء التي هي بمستوى انشاء جهاز التصفية ((حنين)) واقامة اكبر توسعة لنظام قمع حتى بات جهاز القمع يشمل جميع زوايا ومرافق الدولة والحياة الاجتماعية , واهدار المال والاوراح بحروب بلهاء متعاقبة , ودفن جيل بكامله تحت التراب حياً .

 

واذا كان هذا الاستغراب العراقي مثقل بعتب على الاشقاء العرب الذين لم نعرف منهم سوى الشقاء , فان الكاهل العراقي ينوء بحمل حسرة اخرى لاتقل حجماً وخطورة , هي لاتربط بالعرب ولا باعلامهم الاصم الاعور ,وانما يتعلق الامر بنا نحن ابناء هذا الوطن المنكوب الملتف بثوب السواد والحداد منذ ان تم خلق الدنيا :

فنحن كنا ولازلنا نأمل بان يقوم هولاء الذين طبلوا للدكتاتور ودولة الشيطان , من شعراء وقصاصين ونقاد ومؤرخين زور , من عرب وعراقيين  ..

 

كنا ولازلنا نأمل من هولاء القادة العسكريون , وكتاب التقارير الحزبية , وموظفي الصناعة العسكرية وتجارها , ان يقدموا لنا اعتراف يوازي اعتراف غونتر غراس , لكن ليس تموهيات وتأويلات كاذبة توازي دموع تقشير بصل تستغفل الجماهير , وانما تقشير للقلب ولركامات من الملفات المسكوت عنها والمتستر عليها .

 

بل ليس هولاء فقط :

فنحن بحاجة حقيقية لفتح دفاترنا القديمة باجمعها من معارضة سابقة وسلطة

 

هولاء الذين يريدون فدرالية ما , من هم ؟! ولِمَ لايجبون على صراخ امهات لم تزل تلطم على اولادها الاسرى الذين عذبوا في معسكرات ايران؟!

 

هولاء الذين ضد الفدرالية , من هم ؟! ,  ولمَ لايعترفون بافعالهم الدنيئة ضد الاعراض والممتلكات , يوم كانت اكتافهم وصدورهم مزينة بنياشين القائد الضرورة

 

هذه الهيئة العلمية للمسلمين , التي لاهم لها سوى صنع العثرات , اين اعترافها برواتب كانت تخص مساجد معينة فقط , يوم كانوا موظفين في ماكنة الشر الكبيرة

 

هذا الحزب الوطني او الديقراطي المدعى , الذي لايزال يذكر مشيل عفلق بخير , اين اعترافه بالاخطاء التي جنتها يداه , يوم كان يؤازر مشروعاً قومياً مدعى سحل العراق باكمله نحو الهواية .

 

هذه المرجعية التي تم تثبيتها بمسمار الدستور الجديد , اين اعتذارها عن ذلك الصمت والهوان المخزي ؟!

 

هولاء الممثلون والفنانون , الذين كانوا جزء لايتجزء من ابواق الطاغية وحفلاته , الان يطلون علينا بذات الوجوه , اين اعتذارهم ؟!

 

ليس من الصحيح القفز على المراحل في السياسة , ان هذا القفز في الميدان السياسي والثقافي اليوم , هو احد اهم معضلات مسيرتنا , لكون امر كهذا لم يزل يعمق هوة انعدام الثقة

 

((انعدام الثقة )) هو العصب المشترك للمأساة العراقية . فالاكراد ليس ديهم ثقة بالطرف العربي , والطرف العربي السني لاثقة له بالطرف العربي الشيعي وبالعكس , والطرف التركماني والمسيحي , له ريبة في الجميع .

 

بالطبع نحن لانريد محاكم تفتيش , ولا اعتراف يعقبه الدم والتشفي . وانما اعتراف يكون بداية خيط فجر للروح بانها تشعر بوخز الضمير , وخزي الموقف السابق .

نحن لانريد اعترافاً يقطع علاقتنا مع اخوتنا واشقائنا في الدول الاخرى , وانما اعتراف يوقض هذه الجماهير المغلوبة على امرها , باننا لسنا العدو, وان عدونا ورطة مشتركة

 

نحن لانريد اعتراف يعقبه قطع اللسان , وحرمان المعاش , وانما اعتراف يكون بداية لأحياء ارض الوجدان بان الروح باتت تعي فضيحة النفاق الشعري والعسكري والسياسي والديني , من اجل الحفاظ على وريقات مال او منصب دين او الدنيا .

 

اعتراف نستشعر به , بان هولاء باتت لهم ضمائر حقاً , وان بامكانهم ان يمثلوننا فعلا فيما لو انتخبناهم واعطينا لهم اصواتنا , لا ان يتربعوا هم واولادهم واقاربهم على صدورنا وجروحنا , ويتكرشوا ويسافروا , وتكون لهم مشاريع اقتصادية واعلامية على حساب جروحنا .

 

اذا كان العراقي سابقاً طوباوياً يبحث عن نموذج مثالي يشابه عدل وزهد عمر بن الخطاب  وعلي بن ابي طالب والمسيح , فان العراقي اليوم بعدما شبع واتخم شعارات ولوك كلام , لديه القدرة ان يتقبل لص يسرق القليل ويعطي الكثير , خير من معمم اية الله , او افندي استاذ الارض ودكتاتوراه , يسرق الاخضر واليابس .

 

العراقي اليوم ذهب مقدار كبير من سذاجته التي كان يُقبل بيها يد المعمم , ويمنح دمه لشعار قومي او علماني , العراق الان عينه صوب احتياجاته التي لم تتحقق .. عن طعامه وامنه وحرية المشي والكلام في المسجد والشارع , اذ نحن اليوم استبدلنا الرفيق الحزبي كاتب التقارير , بصاحب اللحية معطي فتاوى الموت .

 

ان بداية امن الدولة لايتحقق بدون الشرعية , والشرعية لن تتحقق بدون الثقة , والثقة لن تُمنح  من دون الاعتراف , فاذا كانت الدولة المستقرة هي الغاية , فان الاعتراف المحقق للثقة هو البداية .

.......................................................

سدني - استراليا