|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
9 أيـــلول 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
فاضل الخياط , اطياف النص وطواف الذات
كتابات - عبداللطيف الحرز
اولا : بطاقة تعريف مختصره : ينتمي الشاعر و المترجم العراقي فاضل الخياط لمواليد 1966 • نشر لاول مرة نصا شعريا في مجلة لوتس 1987 قبل ان ينهار الاتحاد السوفيتي السابق. • حصل على بكالوريوس اداب الغة العربية 1991 • عمل مصححا لغويا في مجلة "اقلام" في بغداد ومدير تحرير ملحق " نهار الكتب" في بيروت. • منح جائزة هيلمان هيميت للابداع وضحايا التعبير لعام 1998 • غادر بلاده 1993 • يقيم في سدني اوستراليا منذ 1998 • صدر ديوانه الشعري الاول عام 1993 عن دار الان • حصلت الموافقة على نشر ديوانه الثاني " اطياف السواد" من وزارة الثقافة السورية عام 1998 _ قام عام 2005 بترجمة سفر الخلق البرجونيزي ثانيا \ مفتتح تشفيري : قد تكون احد اهم خلاّقيات الكائن البشري وقدراته , هو القدرة على الانفصال من ميحطه .فكون الانسان حيوان اجتماعي او جماعي , ليست ميزة جوهرية لكون الكثير من المخلوقات الاخرى تعيش كمجاميع ,قطعان بعض الحيوانات البرية والبحرية مثل الحيتان , او كمجتمع , كما هو حال النحل والنمل كنموذج , بينما الانسان له قدرة التوحد والتغاير والخلوة عن باقي القطيع . وبهذا كان الانسان لديه قدرة وضع المسافة مابينه وبين الآنية وكراهية الزمان . وبهذا ايضا كان الزمان مشكلة بشرية ومحورية لدى هذا النوع من الوجود المسمى بـ الانسان . وطبيعي ان هذا الادراك للزمان كمشكلة هو في دخيلته وعي بالذات نفسها كأشكالية . اذ الانسان اللاهي ,والانسان السطحي المخدر بيوميات الحياة العادية , لايدخل الزمان ضمن حساباته الا من ناحية شكلية تسترعي الانتباه اذاما تعاكسة او اثرة على مصالحه المادية الملموسة وليس قيمته الانسانية المستنبطه . والزمان كبعد قيمي هو الذي يجعل هنالك بداية وحياة , وهنالك نهاية وموت ومابينهما يتحقق توتر ذات جرحية تعي هذا التشطر بين الابدي والاني , نسميها الوعي او المثقف والذي على اساسه لايكون نزوع صوب التحلص من قيد الزمان وانما النزوع نحو نزع عباءة المكان ايضاً فيغدو العقل الواعي روحاً مجردة .لكن الانسان كائن قائم على جملة احتياجات مادية حسية والزمان يترك بصمات تشكل ذكرى عصية على النسيان , وبذلك تعود الذات مكبلة بسناسل من القيود تحد من قدرتها على التحليق في عالم الحرية المطلق .الامر الذي يحقق تدويراً في النص ونكوصاً للروح وعودة تجرجر رثائيتها الخصيبة الالم لمضارب الفجعية والحرمان ومحدودية البقاء . وبهذا لايوجد حيوان آخر سوى الانسان يفكر بما ارتكبه من اخطاء في الماضي , او حيوان آخر سواه مثقل بهموم المستقبل , ومن هذا وذاك نستنتج بان الانسان وحده مثقل بحمل ثقيل نأت عن حمله كائنات الارض والسماء , الا وهو : الندم . واذا كان سقراط حدق في القديم فقرر بان ((المنفى اشد من الموت )) ففضل الانتحار , فانه لمن المقدور على هذا الاساس من الانجراح اعلاه ان نقول : ان البقاء خارج النص اقسى من المكوث فيه . وكلا المعادلتان توصل الى ان الذات يمكن ان تجد راحتها ومتنفسها بالتامل الخارج عنها , فيكون النص المتملص عنها اخف وطأة على القلم من ذلك النص الذي يخبر عنها . لكن ولكون لوح النص المتملص هو احد مظاهر الذات وتجلي طاقتها , لذا يتحتم السقوط في الذات نفسها ! وهكذا نعود الى الزمان باعتباره بيت المحنة والمأزق للشخصية الآدمية وعليه يتاح الانتقال من مقولة سقراطية الى اخرى هيدجرية , فهيدجر يقول بان ((اللغة بيت الوجود )) . واللغة هنا مصيبتها مصيبة الانسان مع الزمن , فهي حادث زماني لكنها دائم تأويلي . وعليه يكون تعريف الانسان بكونه انسان ناطق , يعني انسان يدخل في ممانعة النطق , باعتبار انه لانطق بلا زمن , في حين ان الناطقية تحاول الافلات من كل ماهو شأنه التقييد . فيكون بيت النطق هو بيت الحرية البتغاة , لكن النطق ذاته بيت الحرم الزماني الجاهظ والباغي في نفس الوقت , بهذا يتم الطواف كمحاولة للادراك الذات وحمايتها عبر تراسل اطياف النصف .وكلاهما طرف لانهائي من جهة ونهائي من جهات عندها يلتقي مأزق الذات والنص على صعيد واحد متنظر .
ثالثا\ مقاربه قرائية موجزه : فاضل الخياط لايكون من النص جسرا بين اللغة والذات او جعل النص مرآة الواقع امام الوعي , انما يجعل النص آلة للانفصال .فالشعر لدى فاضل الخياط ليست عملية اتصالية ترقيعية يتم فيها تخييط الواقعي بالخيالي او المرتهن بالذات , الشعر هنا حاجز فاصل او هو محاولة العثور على هذا الفاصل بالذات (( ربما كنتُ لا احد)) وهذا النفي في قصيدة ((وهم او ظل وهم)) هو الذي يفضي الى (( لايصلح للحب ولايقدر على الحياة )) والترنم بـ((لم اكن حتى لاشيئا)) .هنا لاتوجد ذات اذن لايوجد نص , امر يفسر الاصرار على كتابة سطور رخوية مفزعه او متصادمة الاتصال.
لكن بما اننا عرفنا ان اللغة بيت الوجود فماعساه يكون بيت الذات؟! اقرب الاشياء هو المنزل الاول للطفولة وتكوين الشخصية , فلنتعرف على ماهية البيت لدى فاضل الخياط . يقول فاضل في نص مؤرخ في بغداد عام 1989 , تحت عنوان بيوت بلا اسوار: {البيوت التي خرجت من البيوت فخرجنا وراءها التي اتكأت علينا دهرا فسقطنا معا هنالك من اطلق عليها ظلامه دفعة واحدة من خبأها عن العيون فأضاءت واستدلوا عليها بالضياء
من البيوت ما يتساقط وقت الرحيل و من البيوت ما يقف من شدة الخوف
البيوت تماثيلنا الواقفات امهاتنا اللواتي اضعن مفاتيح الدار
البيوت لغة لا تنطق الا وقت الحرب سماء قديمة امتلأت بالعذارى الباكيات اتين من كل اطراف الارض واجتمعن على نهر حقيقي التففن عليه ودثرنه بالثياب الممزقة و الطين و الدموع
في هدأة القذائف التي طرزت اطياف المدينة نتهامس لئلا تسقط البيوت
البيت اجمل كائن في الارض البيت قلب الارض} وواضح ان ((بيوت بلا اسوار )) هي ارتجاف عاري مثل ذات بلا نص او نص يخلو من الذات , فاذ يكون ((البيت قلب الارض)) فالذات قلب النص , فالنص يتكأ على الذات بشكل متبادل يوازي تكاءنا البيوت علينا . البيوت هنا هي ذات مشروخة مهددة البقاء , فكانت الذات بيوت تنحو صوب حفل عزاء دائم ومفرط يطالب بالمزيد (( لو كنت ميتا اكثر مما لدي)) هكذا سوف يصرح فاضل الخياط في نص يحمل هذا العنوان الذي كتبه في بيروت عام 1998 :
لو كنت {ميتا هنا قربك او هناك في هذه الارض او سواها
لو كنت ميتا مثل شجرة متفحمة او جدار متهالك او كحجر في اي درب
لو كنت ميتا مثل ثور كهل او عظاية متحجرة او اي ذبابة وراء شباك مسدود
لو كنت ميتا من الوجع او الحب لكنت اقرب اليك مني من هذه العيون المتفسخة في صبيحتي
لو كنت ميتا لتذكرني اطفالي كأب طيب رحيم واستفاؤا بي كشجرة ظليلة لكان لي من حياة لا اتذكرها لهاث الغريق اوجمرة الافق في عين مترقرقة
ميتا لو كنت لعانقتك كثيرا اكثر مما تظنين ولقبلتك طويلا اطول مما لدي} هنا الحياة مفقودة الادراك للذات الجرحية المحرومة الى درجة ان الاتصال يمكن ان تعي الذات وسيلته بالموت ((لو كنت ميتا من الوجع لكنت اقرب اليك مني )) النص هنا يوهم انه يريد الاتصال لكنه مجرد شطحة لاغير فالنصوص تماثيلنا المنكسات ,بعدما كانت البيوت تماثيلنا الوقافات , ولم تعد حبيبة لدينا لذا فلا مفتاح للنص , تماما مثلما فقدنا امهاتنا فلم تعد ثمة مفاتيح للبيوت . علينا اذن ان نعي دائما وبشكل متكرر انه بما اننا امام ذات تريد الفرار من نفسها , فاننا اذن امام نص يحاول التنكر لنصوصيته . من هنا تجد مغزى الدلالة المتكررة لبيوت تتكأ علينا ونسقط واناء سقط فانكسر , ومرة يسقط فانكسرنا { ايتها الارض ياالهي الصغير يا ربا لا يريد ان يكون ابا او اما لاحد ما يا رحما رائعا كليلة عرس } هذا التمجيد للارض المسجل ضمن نص ((ثياب الموتى)) هو نحيب يجعل الذات التي هي رحم النص تنشج بكاءا لفقد الرب والاب والام والعرس , فثوب الارض الخضرة , اما كفن النص فهو ثياب الموتى , ولنقرأ هذا النص الطويل معا لهذه الثياب : { حين جفت المياه في عيونهم البسناهم ثيابا بلا ازرار واغلقنا عليهم الباب كله
ثيابهم ترفرف على الجدار يرفرفها الهواء، لا شيئ سوى الهواء واكمامهم فارغة
منازلهم مرصوصة ومتشابهة كأطرافهم وبلا شبابيك كانها كلاب محنطة والسماء التي ركضوا اليها لم تكن سماءً لا تملك حتى زرقة السماء
حكمتك ايها الغريب تعانقنا بعنف فتطفئنا وايدينا لا تجرؤ في عناقك
يا شقيقي يا اخي يا من لا يملك حيرة السؤال رفقا بنا اننا من طين وماء انك تطفئ كل من تمسه يداك ايها الرحم الكبير، يا بيتا يتسع كل يوم كلما حدقت في المرآة رأيتكك رأيت قبرا عامرا وطلقة تائهة ليس من يدلها علي
كلماتنا ربما لا تقود الينا ايها الاخوة ، لنتفقد اعضاءنا ونغادر المكان
منذ دهر ونحن نمضي مسرعين كي نصل منذ دهر ونحن نمضي مسرعين ولا نصل
كانوا واقفين على بركة اورقت منذ حين كانوا واقفين على بركة جفت منذ حين ينظرون في ظلال وجوههم لكنه مر من فوقهم القى حجرا فاختفت الوجوه
ايتها الارض ياالهي الصغير يا ربا لا يريد ان يكون ابا او اما لاحد ما يا رحما رائعا كليلة عرس
احزانه ليست كثيرة احزانه تملؤه فقط
خفق الصمت في الثياب فارتعدنا تسللت الينا تقدم الشاي كل ليلة ،تقاسمنا المائدة والخبز تتراكض قبلنا الى السرير تتراكض ايها يفتح الباب ايها يطفئ المذياع قبل النوم تدخل بيين اصابعنا والهواء كلما اخذناها لنرمي بها بعيدا وجدناها قبلنا معلقة على الجدار يخفق الصمت فيها فنرتعد حاضرة في بكاء الماذن في ارتجاف الباب في اصبع جندي ضيعه في الظلام
احيانا توقفنا المرايا فيتبعنا احيانا لا توقفنا المرايا فيتبعنا عيني التي ترضع الوحشة هناك على الجبل وقدماي مثقلتان بالارض الارض التي ليست لي لكن لماذا اقول بين حين واخر انا انا حين اتحدث عن ثياب تسكن الدار ترتجف كلما لامسها الصمت
لم اكن حجرا ليصدعه السيل ولا كافورا لأرى سواحل الموتى
الاني ومضة بين صخرتين انهيار تعاويذ المرضعات الوثبة الاخيرة للموج لاني ربما كنت الوحيد على عربة الموتى وكانت رقصة الشلال لي او ربما لاني فقط احاول الحضور في وقت لا يليق بي
بين ثيابهم والجدار عيونة كثيرة تساقط يساقط الخشب صليبا صليبا يساقط الضوء حجرا حجرا
ووهي في كل يوم ماتزال معنا منا فينا الينا وبيننا تزحف الثياب على ثيابنا تدس اكمامها في خزاناتنا تستيقظ قبلنا ، تقدم الشاي ،تتسابق ايها يفتح الباب اول اليوم ايها يطفئ المذياع اخر الليل} ليس هناك من يدل الطلقة التائهة على الذات , اي لايوجد مؤشر يجعل نصل النص ينغمس بعيدا في الذات ويكون معرفا للمضمر فيها , الذات تريد اصابة مدوية كي تعترف بنفسها !
لندقق قليلا في نص ((وهم او ظل وهم )) المكتوب في استراليا عام 2006 : {ربـّـما كـُـنت ُ... لا أ حَــد َ.. كــما تـقول إميلي ديكــنسون أو لا شيءَ ... كــما يـقول مالارميــه ربــّـما كــنتُ وهـــْماً أ و ظـلّ وهــْـم وربــّـما.. لــهذا.. تــمرّ بــي حــروب ٌ ومــوت كــثـير دون َ أنْ تــقد رَ على شيءٍ منــي أو أ قـدرَ على شيءٍ منها ربما كنت ُ غابة ً موحشة ً أو ماء ً يـَـنسدل ُ على شــَـعــر ِ امــرأة ٍ مـات َ زوجــُها قبلَ أيام وربـّـما كـُـنت ُ... شعرَ ها الذي ينسدل ُ عليه الماء أ و المرأ ة َ ذاتــَها... أ وْ.. ربـــّما... زوجــَها الذي مات َ قبلَ أيام ربما كــنت ُ... ملاكا ً يـُـلقي كـَــلماتـِـه فــي فـَـم ِ الشيــطان وربـــّما... كنتُُ الشيطانَ ذاتـــَـه يـعبــرُ أزمنـــة ً بعــيـدة ً... ويـُغــوي انبــياء وقديسيـن َ بالصلاة ِ تحـتَ ظـلّ رمـْح ربـــّما كــنت ُ أشتــد ّ في الريح ِ حــين َ تــشــتــد ّ وأنـهـمر ُ فــي ا لـمـطر حين َ يـَــنهـمـرَ وأتـفجــّــرُ في عـُـيـون ِ الارض ِ وأتــَــمايــل ُ في ا لســفــينة... حتىّ لا تــَـمـيل َ.. فتــَـهوي َ ربــّــما كـُـنت ُ شـجرة ً... أ و غــُــباراً على شـجرة أو باباً موصداً بــَعــد َ أن تــَــهاوَت ْ مـِـنْ حولــِه الدار ُ ربــّـما كـُـنـتُ الشمسَ... أ و ا لقــَمَـرَ... أو النـجوم كلــّها ربــّــما كـُــنت ُ الارضَ... أو حركــة َ الارض.. الهواء َ... أ و ا لريح َ التي تــــُربـك َ الهواء َ أو ربـّــما.. كــِـسرة َ خــُــبــز ٍ يـــتر ّبصُ بها فــأرٌمذعور أو.. ربـّــما كـــُــنت ُ ذ لـك الفــأر ربما كــنت ُ هذا... أو ذا كَ... أو أي ّ شــيء ٍ آخــرَ.. ولكــنْ .. لـَـيسَ مـَــن ْ يــُــدوّن ُ هــذه ِ السطور} تكديس هذه المتناقضات لايصنع ذات متناقضه او ايجاد محاولة ربط بين هذه المتنافرات , وانما هذا التكديس للمتناقضات هو تعبير عن محاولة الفرار عن الذات نفسها , تعبير عن عدم الايمان بها نهائيا وان لاجدوى لا من محاولة فدي الذات ولا الصلب .وبالتاكيد خيار عاثر محاولة التخلص من الذات , هنا سوف يكتب الشاعر ((وصايا العاثر)) ولنقرأها معا لنجد كيف تتعثر الذات بنفسها كلما حاولت التملص من ربقة الانوية : {" لم اكن حتى لا شيئا لاني لم اكن انكارا لشيء ما" لوكليزيو
هذا قدرنا ايها الاخوة قدر من يلتقي بالفجيعة هربا منها
|