الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  آب 2006

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

من بوذا الى السياب ,هامش في الانانية المقدسه

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

كان بوذا يقول:

 (( العدالة هي تاج الحقيقة .والمحبة والبر والارادة الحسنة هي زينتها))

 

بينما سوف يتكلم بدرشاكر السياب ((مامر عام والعراق ليس فيه جوع)) وكيف اننا في كل عام نزرع وفي كل عام نجوع . ناقدا بذلك بؤس الواقع الطبقي في الثقافة والاقتصاد .

 

لكن بوذا بعد اقل من خمسمائة  عام تغير تحول من انسان يدعو للعدل الى صنم مزين بالذهب والفضة يركع حوله مليار من الفقراء .

 

والسياب الذي كان يعين بدموعه المطر بكاءا على واقع التفريق الطبقي بين محافظات العراق , فكان للبعض خبز العراق بينما للاكثرية اساطير التاريخ يتغنون بها تحت شرفة شناشيل بنت الجلبي .

تلك الشناشيل التي هي فوق عالية تبكيها جموع فقيرة تعيش في الدرك الاسفل من الحرمان .

هذا السياب بعد اقل من خمسين عام سوف ينسى فيتحول هو الاخر الى تمثال تحيط به تقاريض الشعر واحتفال سنوي كان طيلة الفترة السابقة اقرب الى نواح عراقي جماعي .

 

وبالتأكيد ان بوذا فتح عينيه دهشة غير مصدق , ان طبقة الفقراء تنهال عليه بالمدافع والهاونات , جات تحت راية الطالبان كي تقتص منه ذنبا لم يكن هو يوم من الايام له دخل به .

 

فبوذا كان حكيما (( ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)) حسب نظر القرآن . فكيف يتم نسف رمز الحكمة تحت طائلة الحكم الشرعي ؟!

ومثل تفاجأ بوذا  في الامس على الارض الافغانية , تفاجأ السياب اليوم على الارض العراقية .

فالسياب محاصر اليوم بطبقة فقيرة ,موهومة او مضحوك عليها ,  تريد القصاص من تمثال السياب وتحقيق تعزير سالف قضاء بمافي ضمة هولاء المكلفين , بان يعاقب السياب بكونه كان علمانيا او كونه  مدح بعض رموز السلطة فيما مضى .. او لكونه لم يشهد له احد انه زار الحسين يوما او نذر بذبح ديك للعباس , وهي جريمة في ذهنية الاحياء الشعبية لشخص دون الاساطير ومزاح الاطفال !

 

بعد سقوط صنم صدام حسين وانهيار جدارياته التي هي رمز انانيته ونرجسيته العصابية المتورمة , شهد العراق سلوك من التصفية السياسية والطائفية والثقافية , حيث تحطيم تماثيل البلد هي امتداد لتلكم المعارك او تكميل لها , فكان من ذلك تحطيم تمثال ابو جعفر المنصور باني مدينة بغداد, وعليه لن نتفاجأ بعد تهديد تمثال السياب ان يتم ازالة المتنبي والحبوبي بما ان القضية وصلت الى تفجير المساجد بل الى تخريب الاماميين العسكريين في سامراء .

 

طبعا هذا البعض من الاخوة الفقراء المساكين الذين يعانون من حمى تطهير المجتمع من كل ماهو غير اسلامي او كل من هو لديه رأي آخر , لايعلم بانه اذ يشرع لنفسه تصفية السياب تمثاليا , فانه يشرع للاخر تفجير وتخريب مراقد الائمة , بكون هذا الاخر ينظر الى هذه المراقد الشريفة بانها رمز للرجعية والاصولية الدينية , وبالتالي اعلان حرب لانهاية لها تبلغ من التكاثر الوصول الى المقابر . وهو ما لايرضا به عقل فضلا عن وجدان ديني ونص قرآني حظرنا ان نبلغ التكاثر حتى المقابر .

 

ماهو خطر في هذا السلوك ليس هو انفراط انانية في ازالة مثل هذه التماثيل, وكونها بالتالي انانية توازي انانية صدام حسين في بناء تماثيله الخاصة , حيث الانانية التي تدمر التمثال لا من باب ازالة رمز طاغوتي للجموع , وانما من باب القضاء على اي معلم للرأي الاخر , هي بالتاكيد انانية توازي اشادة تماثيل تُنصّب كرمز للقائد الواحد والحزب الواحد .

 

الخطر ايضا بكون هذه التصرفات التي يمارسها البعض من باب قلة الاطلاع المعرفي , ورحابة الصدر الاخلاقية , تتم باسم هذا الحزب او باسم هذا الزعيم لهذا التيار او ذاك . وبالتاكيد ان قادة الاحزاب وتيارتها في شغل اكبر من هكذا مسائل لكن هذا البعض الفقير البائس يعطي لتصرفاته اسم الزعماء والاحزاب لكونه يتعاطف مع هذا او ذاك , وبالتالي يسوق تصرفاته بلافتة كونها تعبير عن هذا الزعيم او ذاك التيار .

 

ما هو فادح ايضا ان يقوم بعض الكتاب والمثقفين باستغلال مثل هذه الظواهر  , وعدها بالتالي دليلا على هزال هذه الاحزاب الاسلامية او عد تصرف هذه الشريحة الفقيرة  المنتمية للمذهب الفلاني (=من الطريف انه في احد اطروحات الدكتوراه في السعويدة الصادرة بثلاث مجلدات , يتم التعرض الى صلب السياب لكون شعره محمل بحمولات شيعية رافضية, بينما الذين يريدون هد تمثاله اليوم ينتمون لذات المذهب! ) , بانه علامة على باطن المشروع السياسي  المستقبلي , لهذه الدولة الجديدة بالكامل

فاذا بعمل كهذا يخلق دعاية تشويه تقوي اطراف الشر , التي تتحمس في رصد اخطاء كهذه .

 

المعضلة الحقيقية ان اقوال كهذا سوف يكون لها اثر واقعي , عند سكوت زعماء وتيارات واحزاب , يصل الى سمعها هذه العمليات التخريبية الحاملة لاسمها الهاتفة باسم اشخاص قياداتها , وبالتالي يتم حسبان ذلك بانه علامة رضا وقبول .

 

لقد عشنا في هذا البلد , قوميات وعقائد مختلفة , وكل سلوك باسم عقيدة ما لايكون كذلك الا باجازة من مجتهد او مطران او متصدي مشهود له بالخبرة من ذوي اهل الاختصاص . خصوصا لرموز مجسدة لاتمثل اشخاصا وانما تاريخا او هوية , او احتجاج اخلاقي واجتماعي لشاعر عاش ومات فقيرا , لم ينل من الاحزاب العلمانية التي يراد اسقاط تمثاله باسمها , سوى بعض الصفعات التي نالها السياب وهو في بيروت .

 

لقد كان الاحرى رعاية تمثال السياب لا بكونه معلم لاحد اكبر محافظات العراق واعرقها , وهي مدينة البصرة , وانما من باب كون السياب احد رموز الشراكة العراقية وعنصرها المشترك . فقصائده هي لم تتحدث عن شخص ما , ولم تمدح قائدا , ولم تذكر اسم تيارا ما , رغم ان السياب عاش في فترة هي احد اشد بروز تنامي الحركات في العراق .

وقصائد السياب هي التي دخل تأثيرها في الشعر الكوردي والتركماني والاشوري (=خذ شعر شيركو بيسه كمثال ) , وبالتالي لابد ان تعد اليوم لبنة من بناء وطن جديد , قائم على التسامح والشراكة وليس وطن طوائف تصطرع بها عقد الانانية وجنونها وامراضها العصبية

 

نعم ان املنا لكبير بان تحول هذه المجاميع الفقيرة , تمردها من التماثيل الميتة , الى تلكم الاصنام المتحكمة فوقنا .. بل يجب ان نتمرد على تلك الاصنام المنتصبة داخل نفوسنا , فعند ذاك فقط سنكون احراراً بالفعل.

 

عند ذاك فقط نستطيع ان نقوم بزيارة لتمثال السياب , ونقول له :

انظر ايها الشاعر الذي كان يخاطب الموت دائما , ها نحن اصبحنا قادرين على صنع الحياة   .

 

سدني - استراليا