|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
25 تموز 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
وجيه عباس ثنائية تعايش النقيض
كتابات - عبداللطيف الحرز
اولا \ نموذج شعري : {أطوارُ وجهُ البحر، تغتسلُ الرياحُ بمائِها، فتجودُ بالشطآنِ مرجٌ من البحرينِ، يفتّران عن عَسَلٍ، ليبتعدا، فيلتقيانِ حتى من الغنجِ العناقيدُ إنثنتْ فتساقطتْ بَرَداً على الأغصانِ خرزٌ من المقلِ الظوامي ينتظمنَ قلائداً من لؤلؤٍ وجمانِ غسقٌ بألفِ يدٍ تمـدُّ لتمنحَ الفرشاةَ لونَ الفجرَ في الألوانِ من حمرةِ الخدّينِ يا أطوارُ، أملأُ سلّتي بالأحمرِ الريّـانِ بمدامع الكاسات تمطرُ بالشقائق خلسةً ، لتفيضَ بالنعمانِ وبما تكوّرَ او تقوّسَ فوق عودِِك، حاملاً وطناً من التيجانِ من غابةِ الأهدابِ يبزغٌ ضوءُ وجهِك قطرةً لتذوبَ في الأجفانِ للصبح ألفُ فمٍ ، ونافذةٌ لعطرِ الوقتِ بين أضالعِ الجدرانِ أتسقّطُ الألوانَ، أركضُ خلف ظلك تاركا جسدي على البيبان أطوارٌ يا وطنَ العصافير التي حملتْ ترابَ النأي في الأوطانِ يا ألف فيروزٍ تؤذّنُ بالمسيحِ، ليورقَ المسمارٌ في الصلبانِ ************** هزّي بجذعِ الحزنِ يا أطوارُ يسقطُ معطفي عن موطنٍ بردانِ وتلمّسي روحي، تجئْكِ حزينةً تسعى الثيابُ بها الى حزنانِ واستمطريني غيمةً بأصابعٍ عمياء ترسمني بها عينانِ سترين كيف تفيضُ بالكلماتِ روحي فوق مائدةٍ من الأشجانِ او حين تشتبكُ الأصابعُ بالأكفَِّ فتمسحُ الدمعاتِ بالأردانِ مقلُ الحكايا تستفيقُ وكلما حملتْكِ عادتْ من هنا..... للآن جاءتْ بصوتِك في المكانِ، وكنتِ آيةَ صمته، فجهرتِ بالآذانِ وجعُ الثلاثين التي مرّتْ بنا وقفتْ بغربتها على الأزمانِ هتفتْ بوجهِ الذكريات فأورقتْ عينان فرط البوح مطفأتانِ هي وحشةُ المعنى يسافرُ فوقَ غافيةٍ على جبلٍ من الخفقانِ حلمٌ تقطّرَ بين هدبِكِ فإستفاضَ الأخضرُالعلويُّ في إيوانِ يا نون كلِّ حروفِها، تتقاطرينَ سنابلَ التنوين في النسوانِ سربُ القطا، والقبّراتُ، حملنَ خبزَكِ، فاطعميها لذّةَ النسيانِ لحمائم الموتى أصابِعُك الجناحُ، وكلما أيقظتِها عادتْ الى الطيرانِ وحمامةٌ روحي، تجيئ ترابَ قبرِك ركعتين على فمِ التربانِ دمعي وضوءُ جناحِها إذْ كلَّما انتفضتْ أجزتُ سقايةَ الأبدانِ لصلاةِ ليلي سجدتانِ من البياضِ،فهلْ لقبرِكِ من صباحٍ ثانِ؟ أم ليلُكِ المحزونُ يقطرُ بالسوادِ ويصبغُ الصلبانَ بالرهبانِ الليلُ ظلُّكِ كيفَ يا أطوارُ تُـختصرُ الجهاتُ بغربةِ العنوانِ كيفَ إستباحَ الحزنُ أرديةَ المكانِ بمقلتيكِ على ثرى الأزمانِ مطرُ الكلامِ بوردتيكِ، وكلَّما أمْطرْتِ، أورقتا من الكتمانِ عيناكِ شاهدتان، ترسمُ دمعتينَ من الرحيلَ هنا على غفرانِ ما بين ثغرِكِ تستفيقُ بنا البلادُ فتغرق الأوطانَ في الأكفانِ حتى العصافير التي بِكِ آمنت عادت بما كفرت الى الأوثانِ ********************* وطنٌ من الأحزانِ يا أطوارُ أحملُهُ إلى وطنٍ من الأحزانِ بيني وبينك غربتان هي العراقُ وليس لي وطنٌ سوى أكفاني وطني الذي أبكى وأضحكَ والذي آخيتُ فيه الثلجَ بالنيرانِ وطنُ الشعاراتِ الذي لم يبتكرْ معنى سوى قومية العربانِ نفسُ الثياب السود تورقُ في جبينكِ سعفةً من نخلة الجيرانِ شفتان واحدة تضرج في العراقِ وأختها تدمى على لبنانِ لا لون غير دم تنـزُّ به الثنايا كلما هتفتْ بكل لسانِ الساعة العشرون والخمسُ إبتدتْ من يوقفْ الساعاتِ بالهذيانِ؟ يتثاءب الرقّـاصُ بين دقائقٍ مأجورةٍ تسعى بغير ثوانِ السجنُ مزرعةُ الرؤوسِ، وكلما نضجتْ ستقطفُها يدُ السجّانِ ومسلّة الأفكار مشنقةٌ ستحملُ فوق جذعِك غربةَ الإنسانِ هل يخرس الحطّابُ صوتَ الفأس لو حملتْ أصابعه يدَ الفنّانِ؟ مقلُ النوافذِ مطفآتٌ، كلٌّ غيمٍ عاقرٌ، كالصمتِ في الحملانِ الحدقاتٌ موتٌ أخضرٌ، وأنا هنا والحائرٌ الملتفُّ في الدورانِ لعباءةٍ، وخيوطِ شبّاكٍ، هديلِ حمائمٍ، فـزّتْ بغير أذانِ والليلُ موتٌ أحمرٌ تلتفُّ ساقيةٌ على وطنٍ من السيقانِ ما بيننا سكبَ الرصاصُ جراحَهُ فإحمـرَّ سيدتي دمُ الرمّانِ من علّمَ الأزهارَ تسكبُ غربتين إذا تحنّتْ فيكِ بالنسيانِ ياكلَّ موتٍ تستفيقُ به الحياةُ فترسم الدنيا على الحيطانِ في زحمة التأويلِ أوقفي كتابُكِ سائلا عـنّي وعن عنواني ما أنتَ؟ قلتُ تلفّتٌ في غربةٍ وغريبُ أرضِكِ ما له شفتانِ رجل بلا وطنٍ يسير بظلِّه ومواطنون هنا بلا أوطان } ............................................................... ثانيا\ قراءة تطبيقيه : هذه قصيدة معنونه بـ((رسائل حزن متأخره)) كتبها الشاعر البغدادي المعاصر وجيه عباس . ومنذ اطلالة الابيات الاولى للقصيدة هنا نجد الاستفاده من القاموس الدلالي الديني واضحه اذ يأخذ الشاعر بعض مفردات سورة الرحمن من القرآن : {أطوارُ وجهُ البحر، تغتسلُ الرياحُ بمائِها، فتجودُ بالشطآنِ مرجٌ من البحرينِ، يفتّران عن عَسَلٍ، ليبتعدا، فيلتقيانِ} واستخدام النص القرآني اداة لايكف عن استخدامها وجيه عباس في اغلب منجزه الشعري . يقول في قصيدة له تحت عنوان جنوبا الى القلب : {ورأيت ثـــــــم رأيت ماأنا رائي ووجدت فـــــــــــي برديّ فضل رداء } او قوله في ذات تلكم القصيده {تتلو على يعقوب ســـورة يوسف وعلـــــــــــــــــى محّمد سورة الاسراء؟} وهذا الاستناد ليس هو محض اغتراف ادبي , كما يوحي النظر البدوي البسيط. وانما يكتنف هذا الاستناد, اختلاف في الرؤية والانتماء الى الفرقة المغضوب عليها من قبل عقيدة السلطة واقلام التبريك للحاكمين . وعليه يكون هذا التمحور حول القاموس الديني للمفردات ذي خصيصه مزدوجه : استنجاد بلاغي , واتكاء معرفي في الاختلاف والتغاير المذهبي والفكري .قد يكون نصه المفتوح المعنون ((حمامات جسر الكاظم)) , اكثر النصوص قدرة على جمع مرادات وانتماءات وايحالات وجيه عباس على الاطلاق . واذا كان عنوان الرحمة سواء بايحائية ((الجود)) الذي يصرح به نص وجيه عباس في رثائه لاخته , او ايحائية النص المستند اليه في الاثارة التخيلية, والذي هو النص القرآني حيث اسم السورة ((الرحمن)) . لكن قليل من التوجس يأخذنا الى كثير من الحيطة . القرآن هكذا يقول {مرج البحرين يلتقيان \بينهما برزخ لايبغيان \فبأي ءالاء ربكما تكذبان\ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} البحران لايكونان بحر واحد ويخرج منهما لؤلؤ ومرجان , هذا في النص المستند اليه (=طين القصيدة الاول الذي سوف يعاود الشاعر عجنه في قصائد كثرى) فهل البحران في نص الشاعر على ذات المنوال ؟! نلاحظ اولا ان البحرين ((يفتران عن عسل)) وليس احدهما مالح اجاج والثاني عذب فرات وثانيا انهما اذ يبتعدا فانهما يلتقيان وطبيعي اذ يكون الشاعر وجيه عباس هنا يقف موقف استذكاري فانه يكون منتصب في مقبرة غاب اشخاص نعرفهم وهاهي الذكرى تحاصرنا في ساعة للغروب .فيتم استحضار الاطياف ويختلط عالم الواقع (= افق الغروب ) وعالم الخيال وهو ملامح الفقيد : {غسقٌ بألفِ يدٍ تمـدُّ لتمنحَ الفرشاةَ لونَ الفجرَ في الألوانِ من حمرةِ الخدّينِ يا أطوارُ، أملأُ سلّتي بالأحمرِ الريّـانِ} او قوله : {من غابةِ الأهدابِ يبزغٌ ضوءُ وجهِك قطرةً لتذوبَ في الأجفانِ} او قوله : {نفسُ الثياب السود تورقُ في جبينكِ سعفةً من نخلة الجيرانِ} ولكونه رثاء متأخر , فان النص يكتسي بمرارة التخوين للذات منذ مطلع الاهداء : { الى اطويرة , اختي الصغيرة ..وانا ارتكب خيانة الرثاء بصمت} وحتى في السير في طيات النص الاستيهامي بوحشة الاحساس بالفقد , ليصل التوتر النفسي الى احد اجمل التعابير القولية لوجيه عباس , واورعها : {يا ألف فيروزٍ تؤذّنُ بالمسيحِ، ليورقَ المسمارٌ في الصلبانِ} ومابين مرين : مرارة الفقد ومرارة الاحساس بخيانة الرثاء المتأخر , يتفصى لنا عسلية النص وتضميد الذات من خلال ممارسة الكتابة والتعبير اللغوي افصاحا عن الم الاشتياق لمن مضى عنا , والم التاخر النص الذي لم يقطع سفره وغيابه الا بمضي مسافة تعتبر بحق الفقيد وقربه منا (=اخت الشاعر) بمستوى الاحساس بالخيانه .هكذا اذن يلتقي البحران : بحر الاحساس بالفجيعة وبحر الشِعر , وتكون الروح المفجوعة هي ملتقى كلا التيارين فيكون بدل ابلغ الشعر اكذبه , هو: الذ الشِعر افجعه ! ولكون محورية المخيلة لدى وجيه عباس هو النص القرآني نجده يبتدئ المقطع الثاني من ذات القصيدة بالقول : {هزّي بجذعِ الحزنِ يا أطوارُ يسقطُ معطفي عن موطنٍ بردانِ} وهنا علينا ان لاننس بان القرآن كان يحكي عن مريم ام المسيح وهي كانت فرد غريب في وسط اهله ومصيبتها حمل النص الفاضح للمجتمع وعقيدة هيمنتها السلطوية (=الله يعبر عن المسيح بكونه كلمة منه ) . بينما الذي يرثيه الشاعر هو انثى , وهذا يعني ان التذكير والتأنيث كلاهما التقيا في الشاعر ليخرج الينا مفهوم الانفصام والروح المشروخة بالحزن , بشكل جلي وواضح . بل و يتضح ايضا المعنى الجماعي وليس الفردي للاحساس الباهض بتلقي تهمة التخوين , واكراهية التحول الى مخلوق هجين يحمل صليب التغاير : {وطنٌ من الأحزانِ يا أطوارُ أحملُهُ إلى وطنٍ من الأحزانِ بيني وبينك غربتان هي العراقُ وليس لي وطنٌ سوى أكفاني وطني الذي أبكى وأضحكَ والذي آخيتُ فيه الثلجَ بالنيرانِ وطنُ الشعاراتِ الذي لم يبتكرْ معنى سوى قومية العربانِ} والذي هو وتر يطيب لوجيه عباس ان ينكأ وجعه فيه , مثل قوله في قصيدة ياسومري الطين : {ان جئت في الوطن العراق خطيئة وخطيئة لو كنت في الشرفاء} واذا كان هنا الشاعر يذكر بعض المناطق التي فيها توجد عقيدة الاعتراض السياسي : {نفسُ الثياب السود تورقُ في جبينكِ سعفةً من نخلة الجيرانِ شفتان واحدة تضرج في العراقِ وأختها تدمى على لبنانِ} فانه قصيدة ياسومري الطين سيكمل الشاعر بعض لائحة القائمة السوداء حزنا واقصاءا : {ونأى القطيف بنخلة الاحساء قمم اذل الظالمون سفوحها وعلى الصرائف ذلة الغبراء } وهو مقطع ماكان له ان يكتب لولا التطور الاخير في الوضع العراقي والذي كشف سجالية مسكوت عنها منذ سنين . وهي احد السجاليات التي تبين وحدة العقل المتسلط وتراثه ضد عقل مجتهض مغلوب حتى لكأن الحراك الحضاري في شرقنا هو حرب داخلية بين نصفي الذات الواحدة . وبالجملة فان الشاعر يرثي هنا الجنوب , وهو انتماء فكري اكثر منه تحديد جغرافي , لذا سيقول وجيه عباس في قصيدة تحت عنوان جنوبا ايها القلب ,سيفتتح القول : {خذ مـــــــــن رحـيلك حفنة لدمائي وأعر خطاك لغــــربتي وندائــــــي} وسجن الحزن الفردي على موت الاخت , وسجن الاسى الجماعي بموت الوطن سوف يلتقيان في بوتقة النص : {السجنُ مزرعةُ الرؤوسِ، وكلما نضجتْ ستقطفُها يدُ السجّانِ ومسلّة الأفكار مشنقةٌ ستحملُ فوق جذعِك غربةَ الإنسانِ} ولايستطيع النص اخفاء خلجات الروح للشاعر المقهور تحت وطأة الاتهام بالتخوين لكونه ينتمي لعقيدة المعارضة , وبالتالي الاستشعار بكونه منفي داخل وطنه .وعند ذاك يختلط بكاء الصدر والمطر ومثل تشابه ماء المطر والدموع , تتشابه الخطى واذ يكون تكرر المطر لايعني سوى سرقة النعمة وتجدد الفاجعه ,مثلما تخبرنا قصيدة السياب القديمة , فانه تتشابه خطوات الوحيد ويتكرر تيهه الذي لايوصل الى شيء مثلما تخبرنا قصيدة وجيه عباس التي عنونها بكلمة واحدة هي المطر , والتي يقول فيها : {مـطــرٌ، والـريــحُ تغـتـسـلُ والنواقـيـس البـكـتْ مُـقَــلُ رئــة تسـعـى ودون فـمــي شـفــة فـــي بـوحـهـا بـلــلُ حــجــر يـمـشــي فـأتـبـعــه والخُطـى خلفـي فـلا أَصِــلُ}
وهو امر آخر يوضح لنا ان كثافة الحنين هنا للاخت هو للطين والنخلة والماء (=انظر قصيدته الطويله مثلا عرش على الماء) وبالتالي لهذا الجنوب ذاته(=وجيه لايعيش في الجنوب وهذا تناقض ايضا! ), لذا لاتطول قصيدة مطر بان تفصح : {ياجـنـوبـيَّ الـهــوى عِـلــلا يــتــقّــراهـــا ويــنــتــحـــلُ وجنـوبـيََّ الـهــوى قـصـبـا عطشـتْ فـي بوحِـه المقـلُ يـاابــن حـــزن الله مـئـذنـة وسـبـايـاهـا بــــه رحــلــوا ياحسـيـنـا كـلـمـا هـجـعــتْ كــربــلاء خـلــتَــه يــصـــلُ كـل الـفٍ مـن دمـاه صـدى ويــدٌ فــي الـحـزن تغتـسـلُ كـلـمـا اكــبــرتَ يـوسـفَـهـا جـــدَّ فـــي يعقـوبـهـا أمـــلُ وتـعــلاّتٍ كـمــا انـتـفـضـت شــفـــة، إذْ بــوحُــهــا أزلُ مـذْ أعـارتْ بردَهـا الحَُـلـلُ وتغـشّـى الـسـدرةَ الـطََـفَـلُ كنـت تسقـي الشعـرَ ليلـتـه فــــــــإذا اورادُه عَِــــلـــــلُ كـلّــمــا أطــفـــأت نــافـــذة لاح فـيـهـا طـائــفٌ عـجــلُ من تُرى أغوى التقيَّ بها؟ فصـحـا مــن كـأسـه ثَـمِــلُ} وهو تفجع سوف يكمل نشيد التحسر فيه عند وصول الشاعر الى تدوين قصيدته التي لايرضى الا بان يعنونها ومنذ البداية بـ:جنوبا الى القلب , وهناك عند ذلك الشاطئ القولي سوف يصدح : {كان الجنوب على قفاك وكنت فــــــــــــــي لغة الحنين كلثغة فــــــــي راء} والذي سوف يكمله بالقول في ذات تلكم القصيده: {من يشتري كفني ليــــــمنح قربتي وجـــــــــــع المخاض لعاقر خرساء وطن لدمعك راحتاي فــأيـــــــــنا سيخضّب الاكفــــــــــــــان بالحنّاء ؟} ومفردة الحناء ذات الايحاء التأنيثي قد توضح لنا الا في طيات هذه القصيدة التي بين ايدينا الان وكيف ان الشاعر اسند مفردة مريم ام المسيح , الى نفسه كما ذكرنا . ولاننس بان الجنوب هو بذاته تناقض : تعبير مذكر في اللغة يتعرض لاستلاب وخنوع واكراه في الاقصاء حد النظر اليه من قبل السلطات والثقافة والاقلام المأجورة التابعة لها , بكونه محض تسلية وقبائل سبي ومتعة وادواة تحقيق خدمة .
اكثر من هذا يمنحنا اذن النص بترابطه التناقضي هذا بان يكون الاقصاء السياسي والفكري يبلغ درجة يقلب الوطن على بطانته فاذا هو منفى .حتى لكأنه على الاخت (التي يفترض بها انها ميته) ان تقوم برثاء الاخ الشاعر فهو المحتضر المعذب الميت في مقبرة اسمها الوطن , فيكون استذكارها هو القيام مقامها برثاء نفسه الوحيدة والغريبة المعذبة , التي تأخر اقرب الناس في ان يستذكره ويرثيه ومافجعه من احساس مرير بكون الميت لم يرثنا ويبكي علينا وارتكب خيانة النسيان ! هكذا يلتقي الموت والحياة في نص رثائي متأخر ,كنوع آخر لحشد التناقضات المفجعه , وهو تعبير سنجده جرح مفصح عنه بكثرة ,مثل قول وجيه عباس في قصيدة ياسومري الطين (والتي هي رثاء ايضا لكن لفقيد ذكر وليس انثى , وهو صديق وليس قريب , حيث يعني الشاعر رثاء الفنان مؤيد نعمه ) {كنا نلوذ من القبور بصمتنا ونقاد بالموتى الى الاحياء}. وهكذا تنقلب الموازين كاملة في القصيدة التي كنا نتلقى دلالاتها بعفوية منحتنا معنى مغاير في البدايه , ليكون الامر معكوسا في نهاية المطاف تماما كختلاف رؤية في مرآة . والا فبدون ذلك ستكون هذه الرسائل الحزينة , قصيدة مفككة وان كان يشي بها ترابط ما للمتلقي الساذج البسيط , والذي كان يخمن ان عمدة الامر هو تخليط مابين الاخت والوطن . بيد ان الامر معنا بدا في غاية البون والمغايرة وهو وحده , في نظرنا, يمنح منطقية اقفال القصيدة بهذا الشكل : {ياكلَّ موتٍ تستفيقُ به الحياةُ فترسم الدنيا على الحيطانِ في زحمة التأويلِ أوقفي كتابُكِ سائلا عـنّي وعن عنواني ما أنتَ؟ قلتُ تلفّتٌ في غربةٍ وغريبُ أرضِكِ ما له شفتانِ رجل بلا وطنٍ يسير بظلِّه ومواطنون هنا بلا أوطان} ولعل اكثر قول جامع لكل هذه الملاحظات من اتكاء للقاموس الديني والوحشة الفردية والحزن الجماعي , واستشعار الاقصاء وتوترية الوطن المنفى , وجمالية الانفراد التعبيري بنجاح , هو قول وجيه عباس في قصيدة عزيز سيد جاسم , حيث يقول :
|