|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
9 حزيران 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
موبايل الحجي !
كتابات - عبداللطيف الحرز
حجي مزهر لم يكن يوم من الايام مهتماً لاي سلعة في المنزل سوى البراد وجهاز التكييف , ماعدا هذا فهو لم يكن مكترث لاي شيء آخر سوى وسادته الكبيرة وابريق الشاي الذي لم يعرف الفراغ ابداً .. ابريق الشاي هذا يحتل مكانة خاصة لدى حجي مزهر فهو ذاته ابريق الشاي الذي كان والده يسقي منه الضيوف في ديوان يطن به الحديث من رجال كبار السن لايملون تكرار مذكراتهم وكأنهم يلتقون لاول مرة !
حجي مزهر كان يبغض جهاز التلفزيون بغضه لحزب البعث ,وكان حجي مزهر لايسميه الا ((لسان الشيطان )) , فكان يصيح ان سمع صوت اغنيه او نغمة موسيقى .. اما في ايام عاشوراء فكان يقمط التلفزيون بقماش اسود .. لم يكن يقمطه بل كان يكفنه تكفين الميت الذي لارجاء من عودته ناطقاً
حجي مزهر لايكترث لرأي احد في هذا الامر خصوصاً , ولا حتى لكبرى بناته كاظميه , التي لاح فجر شيبها ولم يدن احد لخطبتها , بسبب كونها ابدن امرأة في الدنيا فهي ((توزن بقرتين معاً )) حسب تقديرات حجي مزهر نفسه حينما يهمس لزوجته ليلا
كاظميه كانت تتوسل بان يبقي الحجي على التلفزيون ايام عاشوراء واعدة انها لن تسمع اغنية واحدة , لكن الاب كان يحتد اكثر:
(( هذا مصاب الحسين .. الجرئه على ابي عبيدالله الحسين , تجلب الفقر))
فتلتهي كاظمية باعداد الطعام للعائلة الكبيرة ولضيوف الديوان , وهي وظيفة يحسدها نساء الحي عليها لكونها تجعلها مقربة من الحجي مزهر , بينما كاظمية في الحقيقة تحاول التعويض عن عنوستها واحساسها بالقهر كلما رأت اختيها وزوجاها واخونها الستة مع زوجاتهم يتضاحكون .
امر آخر كان يسلي كاظمية : رسائل الاخ السابع البعيد ((محمود)) هو الاخ الاوسط لكنه الاكثر قرباً لقلبها وقلب امها بل ولقلب حجي مزهر نفسه .
حجي مزهر لايقبل ان يناقشه احد بهذا التعلق الكبير لمحمود , يصيح دائما وبنفس الكلام , بوجه بناته واولاده : _ محمود ابني
فيصرخ الجميع وكأنه فرقة انشاد مدربه :
_ (( وحنه .. احنه اولادك بويه ليش اتفرق هيج .. ليش ؟!))
_ انتم اولاد الفلوس .. كلكم تنتظرون موتي على مود الورث
_ ((عسه عمرك طويل بويه ..ليش هيج اتفكر))
وبصوت ماكر يشبه فحيح الافعى ساعة انقضاضها على فراخ البط:
_ زين محمود متنازل عن حصته من الورث منو منكم مستعد يتنازل ؟!
هنا يعم صمت مهيب , فيصرخ الحجي:
_ ها .. شو سكتو ؟!! .. اولاد الكلب اتريدون اموت على مود اتورثوني ..والله لراح اسجل كلشي باسم محمود .. يا اولاد الجلب .. يا اولاد الكحبه.
فترتفع الاصوات بضرورة الخوف من الله , وحق الاطفال , ويعم لغط لامنتهى منه الا بان يرفع حجي مزهر عصاه ويطرد الجميع كل الى غرفته المخصصة في البيت الكبير
عندها يجلس حجي مزهر في الديوان وحيداً ولايقبل حتى لزوجته العجوز ان تدنو منه , فقط كاظمية تعد له ابريق شاي تدخله وهي تخطو برفق على سجادة الديوان الفارسية الحمراء , تسكب قدحين شاي تضعهما في صينية صغيرة وتمضي بدون كلام .
يتكيء حجي مزهر على وسادته الكبيرة , يلاعب مسبحته الغالية الثمن .. يحك لحيته التي اخذ هذه الايام يزيد من طولها اكثر مما تعود عليه في سنواته الماضية:
_ محمود كان زلمه .. ابد ما اخذ مني افلوس ابد , آاه اخذني الكبر والشيب ومحمود باستراليا , ايكولون صارت عنده اكثر من ابنيه اينام وياها .. لا ويكلون اينام وياهن مره وحده
يبتسم حجي مزهر .. ثم يفلت صوته منه فيقهقه لوحده وهو يتخيل ابنه عاري مع اربع شقراوات
_ اي .. اي ابن البط عوام .. اي يامحمود كلشي بيك حلو بس اسوالفك ويه النسوان .. انت وين والشرده الى رفحا والسعوديه وين .. انت ماتكدر تذبح دجاجه لمك هسه صرت معارضه .. زمن !!
بعد سقوط حكومة العفالقة , كان فرح الحجي اقل مما توقع اهل الحي . حيث لم يذبح الحجي مزهر الذبائح ولم يقم الولائم .
حجي مزهر بات اقل عصبية ورائق المزاج بشكل عجيب , حتى انه جلب تلفاز جديد لايشبه اجهزة التلفاز في المنطقة . كان جهاز يشبه لوحة رسم لاسماكة فيه , بشاشة عرض كبيرة جداً ومسطحه كما المرآة . اخيرا بات الحجي يتابع المسلسات والاغاني . بعض الاحيان يصلي الحجي قبالة التلفاز وهو يعرض مسلسل سوري يعشقه الحجي مزهر كثيراً يسميه ((مسلسل ام الشفايف )) حيث هنالك فنانة سورية لديها شفاه جميلة جداً وعيون لافتة الحجم
حتى احاديث الديوان تبدلت, فكأن مرحلة السجال السياسي والاستفتاءات الدينية التي جلبتها احزاب المعارضة العراقية , اشبه بفقاعة انفجرت بدون صوت ..الان اصبح كل واحد من شيوخ المنطقة يحدث صاحبه عن فلانة ام الشفايف والثاني في المسلسل الخليجي الي مشيته اترجع الشباب , والمغنية اللبنانية الجديدة الي ((طلعت ازرورها في آخر فيدو كليب ))
امر واحد اخذ ينافس حديث المسلسلات والاغاني , انه الهاتف الجوال .ونتيجة التخلف العقلي ومافعله الحصار الاقتصادي والنفسي على العراق سنوات متمادية , فان منطقتنا تبعاً لمناطق عديدة تلقت التكنلوجيا محرفة بالكامل بدءا من الاسم وانتهاءا بالتوظيف .. فهذا الموبايل اسمه ((دبدوب)) لكونه سمين الشكل والثاني اسمه اغراب , لكونه اسود .. وهذا اسمه دمعه وذاك اسمه لمعه .. وهكذا والحجي كل اسبوع يتصل بمحمود ويقول له ان الموبايل قد خرب او سقط منه وضاع وعليه بارسال جهاز آخر اكثر حداثه
_ شوف محمود , اريد موبايل بيه كامره زينه وشاشه جبيره واضحه
محمود لم يكن يفهم طلبات ابيه الالحوحة التي لاتنتهي في جلب موبايل جديد كل شهر وآخر:
_ ماذا عساه يفعل الحجي بالموبايل, جميع الاصدقاء والاهل قريب بعضهم على البعض الاخر ؟!!
في آخر اتصال كان الحجي مزهر متوتر الاعصاب جداً :
_ (( ابن الكحبه كتلك وديلي موبايل حديث شصخم ابهل الموبايل القديم الي وديته الي , موضحكت الواد عليه ,هم حاسبين عندي ولد بلخارج ))
ولما تلكأ محمود في ارسال جهاز جديد , اتصلت اخته كاظمية وهي تبكي:
_(( خويه ابوك مريض كلش ايريد موبايل حديث ))
محمود لم يعلم اهله بمرض السكري وانه بات غير قادر على العمل الطويل والانفعال , كانت ساعات عمله تتقلص وهي يريد توفير مبلغ يذهب به الى العراق .. لا اقل يموت هناك , ومن اين يأتي التوفير وهذا الاخ يريد سيارة جديدة .. والاخت تريد قلاده .. وتلك تريد ماكنة خياطة متطورة .. والان الحجي ايريد موبايل جديد كل شهر !
ما ان دخل شيوخ المنطقة على الشيخ مزهر , حتى ابرز لهم الموبايل الجديد , فصاحوا جميعاً بصوت واحد كما الاطفال امام حلوة العيد . اخذ حجي مزهر يستفسر عن آخر المسجات والرسائل الهاتفية:
_ ايكلون عندك حجي طالب مسجات اطير العقل ؟!
ضحك حجي طالب:
_ (( اطير العقل لو اطير الشيب ... هههه ها ))
تقاربت الرؤوس , وتبادلت الانوف والافواه رائحة السجائر , وكل منهم يده على جهاز موبايله الخاص ويده الاخر تعدل العقال والجماغ , كانوا يتضاحكون وكأنهم اقرب مايكونوا الى البكاء .
انزعج حجي مزهر لكونه لم يجد نغمة مناسبة للهاتف الجديد:
_ (( كله قديمه .. ماكو شي جديد ))
ثم اخذ حجي مزهر يتصل بهاتف حجي طالب ثم يغلق الجهاز , فيصح الباقي : (( ها حجي طالب شنو عندك صيد أجديد ؟!))
يتلخبط حجي طالب وهو يبحث عن رقم الذي اتصل به فلا يجد رقماً . يضحك حجي مزهر ضحكة المنتصر في معركة كبيرة :
_ بعدك غشيم حجي طالب , هذا انا ولك .. شنو حسبالك بياعة الخضرة التي ابصف دكانك الي كله كركم وابهارات
وهنا يبدو صوت حجي طالب اقرب الى صوت طفل يتيم :
_(( لا والله حجي مزهر .. هي تتحرش بيه هل العجيزه .. كلت لها: لايصلح العطار ما افسده الدهر , جوابتني : مافسد الدهر شي مثل العطاره .. آااه من العطاره جربها ومابيها خساره ))
يضحك حجي مزهر ويسقط عقاله من رأسه :
_ وديه ألي وأنا آخاذ ابثارك
يصيح حجي طالب:
_(( وبعد بيك حيل يالشياب ..انت مابقه منك شي بس اظراط وصلاة ))
_ لا راح اراويها اموبايلي فلم سكسي ايخبل خليه تمشي وتخرخر
تتصايح الضحكات واللعنات , والتي تنقطع ما ان يقترب احد من الديوان
..........................................
لا تتذكر كاظيمة كيف وقع الامر .. نهضت كاظمية متأخرة من الفراش على غير عادتها .. سمعت طرقاً على الباب يصحبه صراخ اطفال وزغاريد نسوة .. فتحت الباب فتسمرت هي مكانه .. انه محمود بلحمه ودمه .. تعلقت به .. صرخت .. بكت .. جاءت امها التي ما ان شاهدت محمود حتى اغمي عليها , فانكب محمود عليها باكياً , اخذها بين يديه وجسمه باكمله يتراعش مثل شجرة تقتلعها العاصفة . فتحت الام عيونها قبلته .. تصفح الوجوه .. رأى الكبر والصبر قد ختم على صفحات الوجوه ..كان صغار اخواته واخوته يتلطعون الى حقائبه الكثيرة .. تلفت محمود _ وين ابوي ؟!
فجأة انقطع الصوت وكأنه تيار كهربائي قد توقف .. اعاد محمود السؤال _ وين ابوي
وبصمت وبحركة مرتعشه اشاروا بان اباه يمكث في غرفة الضيافة .. هرع محمود اليها فتحها فاذا بحجي مزهر مستلقي على وسادته الكبيرة وقربه ابريق الشاي وبيده الموبايل يدوس بازراره بسرعة وهو يضحك صاح محمود _ بويه انا محمود ارجعت ..
رفع حجي زهر عينيه .. نهض متعثراً بعبائته .. احتضن محمود ثم اجلسه بقربه:
_ وين الجنط والحقائب .. ها جبت وياك نوعية جديدة من الموبايل ؟!
...........................................................
سدني - استراليا |