|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 حزيران 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
فقه القلوب والوطن المقلوب
كتابات - عبداللطيف الحرز
في احدى ابيات عشقه يقول جلال الدين الرومي :
{ الخمر ما خمرته والعيش ما باشرته , وانا عنب ناضج فلماذا اعصر الحصرم؟!}
واذا كان شخص وفى في قتاله في الاهوار او في الجبال .. في معارضة الجنوب او في ((بيشمركة)) الشمال .. اذا كان شخص قضى عمره يشرب الوطن خمرةً وحبه له حبر الكتابة , كيف ينتهي متفرجاً على ضباع تعتصر الوطن وتشرب دمه بجثث اطفال ونساء ليل نهار .. يشاهد بطون كفوفها ناعمات قد تضخمت وانتفخت برواتب ومنح ما انزل الله بها من سلطان (=يكفي ان منها ملياران ونصف المليار لحرس البرلمان العراقي فقط ومبلغ فلكي من الملايين لوزارة الثقافة التي حتى الان لم تستطع طباعة منشور يليق ببدء مرحلة جديدة وخطاب جديد !) فلماذا لايتسائل : لمَ اعصر العنب الناضج مع الجميع , لكن وحدي من يلتهمه حصرما؟!
لم يعرف هذا البلد معنى للاستقرار يوماً , بينما الوطن كما هو مفترض : رديف الاستقرار , يقال وطّن نفسه على كذا , اي جعل نفسه مستقرة قارة عليه , فلكي يصبح الامر ثابت فينا او نحن ثابتون عليه , يتطلب ذلك ارض ثابته اذن فالتزلزل يأتي مرة بسبب الارض بكونها غير قارة , ومرة بسبب الذات , وذلك عندما تكون النفس قلقلة ..متذبذبة .. هشة رخوة تنفعل باي تغيير كان ويؤثر عليها كل من هب ودب
في كلمة شهيرة لاستاذ الدهر والمعلم الابدي , يقول فيها (( الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن)) , الوطن هنا يتحول الى غربة لكونه لايحقق الاستقرار ,فالفقر والعوز المادي قد يحيل الى حالين كلاهما مُرّ:
التملق لشرار الناس وانذالهم, او العزلة والفرار بالم البرد والجوع . بينما الغنى في البلد الغريب يحقق استقراراً بل قد يحقق قوة ونفوذاً ومن ثم قدرة على التغيير . لكن ماهو اكثر اهمية في هذه النص هو ان الفقر لايعني شرعية الخيانة وان الغنى يصلح ان يكون وطن لكنه غير قادر ان يكون هو: ((الـ وطن)) . فالوطن يخرج لك نسل من الاقارب والاصدقاء وخُلص المعارف والمعشر , بينما المال والغنى نسله مقطوع ووريثه أبتر
بينما الفقه فهو ادراك الشيء والوعي به , والوعي وعاء للفكرة والاحساس, لذا كان هنالك بالتبع وعي العقل ووعي القلب .ومن هنا قال فردريك نيتشه : (( الا انهم ابتكروا فقه تنكره القلوب )) واعتقد ان هذا هو الذي جعل نيتشه جرافاً هداماً للفلسفة لكنه شديد التواضع مع الشِعر , فكان نيشته يرى انه كلما وصل الى بقعة معرفية جديدة وجد ان الشعراء قد سبقوه اليها (= طبعاً هو يقصد الشعراء الحقيقين وليس كل اصحاب شخبطة الانشاء والخواطر مثل عادة هذه الايام )
بيد ان نيشته بقي قليل الخبرة بتراث القلب قياساً بخبرته الفلسفية رغم التصاقه بالموسيقى والادب ( لذا فضلت تلكم الجميلة الموسيقي عليه فجن نيتشة ثم مات , فالمرأة ارادة الاقرب الى القلب ) , بقي الامر منتهياً كعادة الجدل الغربي بالشك والسفسطة , بخلاف الجدل الشرقي الذي يختم اموره دوماً باليقين بل بحق اليقين وعين اليقين وبرد اليقين . لكن مهلا , هل اليقين مهنة العقل , او بصورة ادق : هل العقل قادر على بلوغ اليقين؟!
العقل لايقتنع الا بظوابط محددة بدقة صارمة والا تبقى النتيجة ظنية , واذ يكون منهج القياس منهج تآكل وتم اخراجه من حضيرة الاحترام العلمي ,فانه لم يتبقى سوى الاستقراء وسيلة للعقل , وبما ان الاستقراء يبقى ناقصاً مهما بذلنا من جهد (حتى لو استقرينا جميع النماذج تبقى مسالة التعميم للنماذج المستقبيلة) فانه يرتهن الامر بالاحتمال , واذ لاتسعفنا الرياضيات بالحل ويكون الحال هو حال باقر الصدر وثلة قبله وكثيرون بعده , يحيلون الامر الى المدرسة النفسية والسايكلوجيا , فنعود الى الاستشعار والتحسس والالفة ..الخ , اي اننا دخلنا الى مملكة القلب وما اغربها من مملكة يكون باب الخروج منها هو باب الدخول اليها ووالعكس بالعكس !
وهنا تجد من يؤمن بالوطن عقلا وآخر قلباً . فالذي يؤمن بالوطن عقلا يقول: (( الوطن حدوده لاغية .. واسواقه قليلة الخبرة , ومناصبه عاطلة , فلنتاجر بالطيب والخبيث , بالجيد والرديء , وان لم نصل نحن او اقاربنا الى مناصب جيدة فلننتخب من يدفع اكثر او تكون تجارتنا وفسادنا فيها اسهل .. هكذا والحياة فرص))
بينما من ينصت للقلب سيجد ان القلب يعرف الرقة ويكره الخشونة والعنف, يتعلق بالجمال ولو بعشب اكثر ووردة حمرا ..بتطريزة في ثوب فتاة .. فيشتري الانسان صاحب القلب الكتب ذات الحروف الدافئة واللوحات الفنية والتحفيات المنزلية بمالغ باهضة , ويجافي اناس في مقربهم المال والجاه وفرص النجاح .. انه القلب الذي يسير وفق الجمال ضد القبح والبراءة ضد الجريمة . ومن الاعاجيب ان القلب الذي يجعلك تعشق الجمال فيجعلك ترضخ له حد العبادة يفتح لك ابواب الانطلاق فاذا بالمحبين يطيرون في هواء الفضاء الروحي الواسع ويمشون على ماء الاحساس المرهف ويستلذون بدنيا الشعور الداخلي لغنى النفس ودغدة الحب لها , فتنتهي عبودية القلب الى : الحرية بينما العقل الذي لاتهمه سوى المصالح والمفاسد وكمية المنفعة وحجمها يؤمن لك بداية طريق حر فتصبح ذات نفوذ يتوسع شيئاً فشيئاً فما ان تسرق اوتقطع طريق او تشغل منصباً بهذه الطريقة او تلك او تبني شركة مال باستغالال هذا وذاك , حتى ترى الناس افواجاً افواجاً تتملق اليك وتحترمك وتخشى منك وتصبح لك قدرة السفر والنوم مع قبائل كاملة من النساء بشتى الاصناف والانواع , بيد ان طريق العقل والمنفعة والمصالح الذي يتجاهل احساس الضمير وشفقة القلب , يضيق في النهاية شيئاً فشيئاً , فتجد انك بلا صديق حقيقي او قريب محب , بعيداً عن مالك ونفوذك .. انت مع كل هذه الافخاذ العارية بالمال لكنك تنام مع الجسد باكمله لكن بدون القلب , بينما صاحبنا الفقير ذاك تتعلق به قلوب عشرات النساء فهو لايمتلك مال يدخل الجيب, لكنه يمتلك حروفاً تخرج من القلب , هكذا يكون الشخص الاول ينتظره الاقارب ان يموت كي يرثوه بينما الثاني يدعون له بطول العمر كي يبقى قلب الحب يفيض حروف دفء وحنان ومشاعر طيب وخير .
وصاحب القلب هذا هو وحده اليوم المعتكف بصومعة المبادئ التي هجرها الجميع , هو لايدفع رشوة كي يتم توظيفه .. هو الوحيد الذي لايشارك بمساجد وحسينيات باتت تؤذن وتصلي بالصراعات السياسية وجيفها .. صاحب شريعة الروح والقلب , هو الوحيد الذي لايخترع لك قصص بطولية سواء في مقاومة حكومة صدام حسين او في مقاومة الجيوش الاجنبية .. صاحب القلب هذا همه نفسه وتنمية مشاعره , لذا فهو يخاف على روحه من التلوث , فان يتلوث بدنك تستطيع الاستحمام بسهولة , لكن كيف بروحك اذا تلوثت فاذا بك تسرق خلسة من اموال الدولة او اموال المسعادات او تجعل من نفسك بوقاً لهذا او ذاك , بعد عمر قضيته في العبادة او الكتابة او البحث عن غنى الروح بماذا سوف تستحم ساعة اذ ؟!!
يقول القرآن { بل على قلوب اقفالها} بعد ان يوضح { بل ران على قلوبهم} فهنا القلوب والارواح تتسخ فتسد المنافذ فلا يمر المعنى ولايصل الى الوجدان , فيسهل على المعتقل السياسي صاحب العقيدة في زمن الطاغية الفرد , ان تجده ليوم سارقاً كذاباً في زمن الطاغية الجماعة ,فهنا الارواح قد تم احتلالها وتكبيلها وقلبها ومسخها اكثر من احتلال الارض والوطن : اي قيمة في تحرير التراب اذا مات الانسان ؟! .. اي قيمة ان تدخل الادوات العصرية المتطورة من الباب لكن انسانية الانسان يتم طردها من الشباك؟!.. اليس مسجد قديم يصلي فيه اثنان يأتيان للصلاة في زمن صدام حسين , خير من جموع متدافعة تحضر في مساجد جديدة العمران , اجتمعت لتكثير سواد هذه الجماعة السياسية او تلك ..هل نبني حجارة ونقتل الضمير ؟!
لكن ماقولك بان ليس هنالك قلوب مثقلة بالاقفال فقط , وانما هنالك اوطان مثقلة بالقلوب فاذا بنا بين قلب مقفل ووطن مثقوب ؟!
هنا تكون قلوب المساكين ناضجة بالحب لكن لايوجد شيء في الوطن يقطفها سوى الاهمال والنبذ والفقر او التشهير والتسقيط والتسفيه او تصفية السلاح .. هنا بالذات سوف تفلح الارض عمراً باكمله قتالا ومالا واعتقالا وكتابة فيحصد غيرك رؤوس الوطن التي اينعت وحان قطافها , وتبقى انت على قارعة الغربة والطريق يأكلك الوجع والنحيب مقتات على ذكرياتك وذاك ((الحصرم)) القديم ..................................................................................
سدني - استراليا
|