|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
13 آيــار 2006 |
|
غريب على الطريق
شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
ظاهره وليست طبيعه
كتابات - عبداللطيف الحرز
معلوم وواضح انه انه لاتعميم في الظاهرة الاجتماعية , فلايوجد مجتمع جميل الوجه بالكامل مقابل مجتمع قبيح الوجه بالكامل .. مجتمع باكمله شهم كريم , ومجتمع بالكامل جبان بخيل .. مجتمع فاسق ,ومجتمع طاهر كالملاك او بتعبير علي الوردي : { فليس في الدنيا شعب كامل كما ليس فيها بشر معصوم\ص326 من الاحلام بين العلم والعقيده }
ومن المعلومات التي باتت اشبه بالبديهية في زمن لابديهية فيه : ان القضايا الاجتماعية واحكامها , هي قضايا استقرائية تجريبية في تشكيلها , لكنها قضايا تأملية استنباطية استنتاجية في بنيتها , لذا لايستطع احد ان يحكم في قضية اجتماعية وهو يضع قدم على قدم في مكتبه الوثير, الكتابة في رصد التحولات الاجتماعية ليس من قبيل مايسطره غالبية القلم العربي في قصيدة النثر هذا فضلا ان لاطبيعة اجتماعية ثابتة ابدا , وانما هناك في اشد الحلات نسق عام تنمو فيه التحولات والتقلبات , لذا نحن لانرتضي مصطلح طبيعة ,كما فعل علي الوردي مثلا وان كنت ارجح ان الرجل استخدم مفردة طبيعه بمعنى صفه , لكن الكثير من الذين اتوا بعده فهمو الامر على غير ذلك, بدليل ماقاله في كتاب الاحلام. لكن اصلا : من قال ان الطبيعة تعني الثبات فالطبيعة متحولة بدورها ؟!
اذن رفعاً لهذا اللبس نختار مفردة ((ظاهره)) , خصوصا اذا ماتنبهنا الى ان السيوسلوجيين لديهم شبه اجماع على ان لاصفة ازلية مع الانسان لافي ولادته ولا في موته ..فالغضب وحِدة المزاج(=مثل عموم مناطق الجنوب ) .. برود الاعصاب والتحدث بصوت منخفض (=لاحظ مثلا بعض مناطق بغداد وبعض مناطق الشمال ) .. هي صفات مكتسبه ..وعليه سوف يتفاقم مصطلح ((طبيعة)) باخطاء مضاعفه هذا بالاضافة الى كون مثل هذا المصطلح يقدم اختلافاً جوهرياً ثابتاً و حكماً ابديا يلغي امكانية اعادة التربية وبالتالي الغاء هذه الصفات والتعويض عنها بصفات ارفع واكثر ايجابية .
وفي مقاربة دراسة اهل العراق وتحويلهم الى موضوع , فان هناك مدرستان رصدتا المجتمع العراقي , احدهما اقتنعت بان هذا المجتمع قاس سفاح عاشق للدماء ..العنف جزء لايتجزء من خلايا دمه .. متناقض ازدواجي..الخ
بخلاصة : المجتمع العراقي مريض حد الازمة والانفجار منذ بداية التاريخ حيث جلجامش المعقد المزدوج العصابي (=نصفه بشر ونصفه الهه) , وحتى قتل الحسين بن علي ثم اللطم عليه , وحتى اسقاط صدام حسين ثم اشاعة بكون قسوة صدام وبطشه هما الحل الامثل لمجتمع مبوء مثل المجتمع العراقي الذي لاحل له سوى المستبد العادل .
ولعل علي الوردي اشهر من يلتبس اسمه بالانتماء لهذا الطرح , رغم ان الرجل لاينسى ذكر استثناءات كثيرة , بالاضافة الى ماكتبه آخرون مثل عبود ومكيه وادونيس وغيرهم كثير
المدرسة الثانية : هي مدرسة تطرح ماهو نقيض كل ماقله التشريح الاول فجلجاش كان فردا وليس هو الامه , الشعب العراقي كان يبغض جلجامش ويكرهه .. المجتمع العراقي لم يقتل الحسين بن علي ,بل هو صاحب العشائر التي ناصرته فلما لم تصل في الوقت المناسب اقتصت من المجرمين الاغراب الذين جاؤوا من خارج العراق .. حتى الحجاج لم يكن عراقي , وبقي الشعب العراقي يقاوم هذا الطاغية حتى بافرداه العميان الشيبة .. العراق لايمثله بن تيمية فهو ليس فقيههم , وانما هم ينتمون الى المعتزلة وعقلانيتهم ..واخوان الصفا وشفافيتهم .. وابن الهيثم وتسامحه وانفتاحه .. الى الشافعي وابو حنيفة , وعبدالقادر الكيلاني , وائمة الشيعة الاثني عشر ..وهي سلسلة روحانية انسانية عاقلة , تقع في النقيض تماما من نظرية العنف والقسوة وهو امر يدلل عليه تسامح ابناء العراق مع القتلة والمجرمين بعد سقوط الصنم البعثي.
بالطبع هناك مدرسة ثالثة هي المدرسة القومية التي تطرح العراق مجتمع مافوق طبيعي , فهو المجتمع السوبرمان (من القوة العسكرية وحتى الطاقة الشعرية والابداعية ), والمدرسة القومية لاتقصد العراق فقط وانما تعممه لماتسميه هي بالوطن العربي(=او العالم العربي , حسب الاختلافات الفرعية للمدرسة القومية) , وتستطيع تصفح ذلك فيما كتبه ساطع الحصري وزكي الارسوزي , والبيطار ومشيل عفلق..الخ
ويلتحق بهذه المدرسة مدرسة تقول بنظرية ((الامة العراقية)) وهذه المقولة كل الذي تريد قوله هو وجود صفات تاريخية مستمرة التعاقب تشترك فيها جميع اطياف المجتمع العراقي ومن ثمة تكون العنصر المشترك لامة مختلفة ومتميزة . وهذا طرح برز في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم ثم عاد بعد زوال الصنم البعثي , وهو يحتاج الى وقفة طويلة ليس محلها الان ترصد سر عودة مثل هذه الافكار عند تغير النظام السياسي القائم وعلته الاجتماعية المستترة خلف ستارة الثقافة والسياسة .
والملاحظ ان الطرح الاول والثالث يشترك كلاهما بنصب مقالتهم على بنية تحتية مسكوت عنها تتمثل بوجود طبيعة بشرية حجرية كونكريتية غير قابلة التغير والتأثر آلاف السنين , رغم ان كلا المدرستين تؤمنان بعامل الزمان وتحولات المكان!
هذا بالاضافة الى كونهما يختزلان التاريخ ومظاهره الاجتماعية بامثلة محسومة سلفا مع شطب الوجه الاخر للتاريخ .لذا يصعب على القوميين مثلا ذكر ان الاكراد شاركوا بدمهم في تصديهم للحملات الصليبية على الشرق قديما , كمشاركتهم في حروب تشرين حديثاً , مثل قتالهم المتسميت في قلعة ((الشقيف)) التي ظلت تشهد على كون الاكراد ابناء هذه الارض مثل العرب بلا فرق .
امر كهذا يدخل في دائرة التفكير المستحيل ومحالية التأمل , تماما كستحالة ان يعترف الفكر الوهابي بان نصيب الشيعة لايقل عن نصيب السنه في تصديه للحملات الاستعمارية , وان الشيعة قد سفك المغول والتتار دمهم وتساقطت جثثهم جنبا الى جنب اشقائهم السنه .. هذه امور مستحيلة الوقوع في نظر العقل القومي والفكر الوهابي , نظير صعوبة دخول التنظير الوهابي في دائرة التفكير الشيعي فهولاء ايضاً يعتبرون اولئك نواصب مهدوري الدم .
وهذا النقد هو امر بالتأكيد ينطبق على الاطروحة الثانية , فهي ايضا ترسم مجتمع خالد الصفات من جهة , وتختار نماذجها وامثلتها بشكل متحيز , لكن ميزة هذه المدرسة انها تذكر شواهد ليست قليلة , وانها غيرمتناسية النماذج التي تطرحها المدارس الاخرى , اذن فهذه المدرسة لاتشطب رغم انها منحازة المثال , وهذه الامثلة والنماذج تحتاج الى رصد استقرائي ومسح احصائي وليست قضية استنباطية الحكم والتقرير .نعم مشكلة هذه النقطة انها تحيلنا الى عصابات كتبة التاريخ وحروبهم القومية والطائفية والتي هي حروب لاتريد ان تسدل الستارة على مسرحيتها المجترة التكرار والبؤس , والتي تهدد الامن الاجتماعي والتجاور السكاني , بحرب طائفية مستمرة .
مايهمني تسائله هنا : العراق قد تغير سياسيا هكذا يفترض , لكن سجية الناس لازالت تنتمي للمرحلة السابقه فهل هنالك صفات ثابته فعلا يصح ان تكون هي التي تمثل الهوية والامتياز شعب عن شعب , وهناك صفات متغيره ..ماهي المشارط التشريحية والادوات التفسيرية التي تفكك وتميز بين هذه الصفات وتلك , فنكرس تقوية الاولى وانهاء والغاء الصفات السلبية الثانية؟!
اذ على مقولة المدرسة التي تؤمن بـ((الطبيعة)) تغدو جملة امور غير قابلة التغيير بل مستحيلة , وهذا تنظير متشائم يعضد احباط عملي لشريحة واسعة من النخبة العراقية والعربية, بيد ان التفاؤل ليس قصيدة حماسية وانما هو اعمال للعقل والنقد لتشريح الجسد الاجتماعي كي نعالج الاعضاء المريضة او التخلص منها كي لايطال المرض الجسد باكمله او حماية الجيل الاتي من امراضنا المتوارثة , واعتقد ان رهانية العراق الجديد واعادة اعمار الانسان فيه , تبدأ من هنا وليس من السياسه
سدني - استراليا |