الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

3  آيــار 2006

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

عضة القلم و واعضية الموت

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

لعل من اكثر النصوص قساوة في عرض فكرة الموت هو نص مسيح الاسلام الامام علي بن الحسين , المعروف بدعاء ابي حمزة الثمالي والذي منه :

{ وارحمني صريعاً على الفراش تقلبني ايدي احبتي, وتفضل عليّ ممدوداً على المغتسل يقلبني صالح جيرتي , وتحنن عليّ محمولاً قد تناول الاقرباء اطراف جنازتي , وجد عليّ منقولاً قد نزلتُ بك وحيداً في حفرتي , وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي }

 

وهنا تنفتح لدينا معضلتان : الاولى لماذا كان ملوك بمستوى هارون الرشيد يخاطبون السحاب ((اينما تهطلين سيأتيني خراجكِ)) , ديدنهم مطاردة شخصيات زاهدة عزلاء مثل علي بن الحسين وجعفر الصادق وموسى الكاظم .. اي خطر في هولاء حتى يشغلون بال مثل هولاء السلاطين والملوك؟!

 

المأزق ان الملوك مهما استعرضوا قوتهم ونفوذهم وغرائاتهم من منح ومخصصات ومرتبات جديدة وكابونات نفطية ورشاوة لعصابات ارهابية وملشيات عسكرية , هم اصحاب نفوذ محدد بمايمتلكه الانسان من عمر وحياة , فالذي يموت لاسلطان لاحد عليه , الا  من قبل شخص واحد هو الرمز الديني( =الدين بعتباره مجسد خارجي لواعز ضمير داخلي, وليس محض طقس والا فهو سلطة ايضاً) لذا تحول الحلاج الى مادة ثقافية خالدة والحسين ثورات سياسية توابية متتابعة , لذا كان لمثل هذه الادعية ابلاغ بانك ايها السلطان صاحب مملكة محدودة بخلاف الرمز الديني وهذا ماعبرت عنه صريحاً عقيلة الهاشميين السيدة زينب بنت علي ليزيد ((ووالله لاتمحي ذكرنا)) , وماسيقوله بعد ذلك  قتيل صلاح الدين الايوبي , السهروردي :(( سوف املك الارض))

 

المعضلة الثانية : هي ان الكتابة  كنشاط اول هي عبارة عن رغبة , رغبة في الحياة او رغبة لحياة ما ,واقعية او متخيلة , فالمثقف يعض على الحياة بالقلم , لكن الحياة  تعض القلم بالموت , فكيف اهتم المثقف بالموت فهل الكتابة نوع من البقاء ام من الفناء ؟!

 

وحسب استقرائي البسيط فاني لم اجد شعب كثر حديث الانتلجنسيا التابعة له حول الموت مثل الشعب العراقي , فالموت احد المواضيع الاساسية وليس العابرة , وهو من المواضيع المشتركة بين الاجيال حتى التي منها لم يخض حروباً او يتورط بها , فكأن الحديث عن الموت هو ضرب من ضروب  القناعة والتسليم الكتابي والثقافي  بان هذه هي حياتنا فعلا وان الامر هكذا سيبقى ماض وحاضر ومستقبل  , في حينان الذي ينكر الموت اما عقل طفل غير راشد او عقل يهرب بلذاته وشهواته الانية فيحول كل شيء الى ضرب من ضروب التناسي والحجاب والتحايل لتبرير حالة ماثلة .

 

وهذا مايفسر لنا ان احد ابعاد المشهد الثقافي العراقي على الرغم من كثرة الاغاني والرسوم والفكاهة والشعر الملحمي والصخب الاعلامي واللهاث خلف البهرجة في المكياج والاثاث وطريقة التنافس الاجتماعي  في المأكل والملبس , فان المشهد الثقافي يحمل في احد ابعاده انه يمثل : مناحة حقيقة تعد هي الاطول في تاريخ الشعوب (=الى درجة اننا نعثر في الالواح السومرية القديمة ان النساء العراقيات كانن يتراكضن الى باب اهل الميت و يولون بذات الطريقة التي نشاهدها اليوم!)

وهذا التنافر مابين بعد دنيوي طماع وجشع, وبين بكاء مستمر , هو توتر الجوانب النفسية للانسان وليس حالة شاذة , فالانسان تحركه رغباته العاجلة وتشككه تأملاته الاجلة , فالانسان ونفسه مثل مروض النمر في السرك اما ان يروضه واما ان يفترسه

 

وقديما كان  ارباب المفسرين يقررون  بان حكاية اهل الكهف تحققت من اجل  فترة من الزمن شكك الفكر البشري مابعد المسيح بفكرة العودة الى الحياة والقيام من الموت . ونحن نلاحظ ان السرد القرآني مثل بقية السرديات الدينية الكبرى, اقام فكرة القيامة على فكرة الموت { ضرب لنا مثلا ونسي خلقه ,قال من يحي العظام وهي رميم \قل يحيها الذي أنشأها أول مرةٍ وهو بكل خلق عليم}

 

واذا كان اصحاب الكهف خرجوا من كهف الموت الى الحياة بلا اختيار , فان جلجامش خرج من كهف الحياة الى الموت , لكنه لم يعد كما عادت عشتار في رحلتها لاستنقاذ تموز , وانما عاد يحمل حسرة تحقق نبوءة الداعرة التي اوضحت له بان الذي يريده لايتحقق .

 

جلجامش نصف البشر ونصف الاله هو نصف محدود يسير نحو التفسخ والشيخوخة والفناء , ونصف نرجسي يتطلع صوب الخلود . ما هو واقعي عقلي هو وجود ملموس محدود من كل الجهات , وماهو عاطفي هو احساس بذات عاشقة لنفسها لاتعي الا كونها تريد الارتقاء في سلم الجمال والرفاهية والتعالي , ومن هنا ادرك فلاسفة الحداثة خطل فلسفة التنوير الاولى فالعقل اذ يصل بالانسان الى التقدم كخطوة اولى , الا ان تصييره رباً يفضي الى التدهور والارتكاس

 

فهل الموت مقولة عقلية ام عاطفية ياترى ؟!

 

وحينما يقول استاذ الدهر الخليفة الرابع (( كفى بالموت واعاضاً)) , هل هذا الاتعاض عقلي ام عاطفي ؟!

 

العقل يتلقى الموت بكونه تجربة متكررة لذا فمن اليقين ان الانسان يموت مافي ذلك من شك , بيد ان العاطفة تتلقى الموت وكأنه يحدث لاول مرة وكانه لم يمت انسان من قبل  . وهذا مايفسر فشل جميع حركات النقد والتحليل والتفكيك المعرفي العقلي للظاهرة الدينية ومحاولة التخلص منها والوصول الى مجتمع عقلي خالص , اذ في كل مرة يعود فيها الدين الى ركب صهوة المجتمع بل وعودة حركات سحرية وخرافية حتى في اكثر المجتمعات تطوراً , فكانت حركات السريانية والمدارس الفوضوية في الشعر والرسم والفن وسينما الشهوات والاثارة , ردة فعل ضد مدرسة التنوير التي ارادت اختزال الانسان في العلم والعقلي , وعليه فما دام هنالك موت اذن هنالك دين ,  الدين الذي مهما تفاقمت هشاشته التنظيرية ازاء مشكلات الواقع الدنيوية وتبان عويبه في تاطير المجتمع والدولة والفن , الا ان صوته الاخروي يبقى صاخباً مرعبا : يوم تعودن فراداً كما خلقناكم اول مرة , وعد علينا انا كنا فاعلين .... والتفت الساق بالساق الى ربك يومئذ المساق فلا صام ولاصلى .. ولا كتب ولابحث ولا ارتقى منصب وتقاضى شهرة ومرتب .

 

ومن الطريف ان هنالك تيارات دينية تقول بان المرحلة الدينية الاخيرة على يد الامام المهدي سيكون المجتمع الديني اكثر المجتمعات تمتعاً بالعقل الكامل , الامر الذي يسجل حالة استباقية في ميدان السجال العلماني والديني. 

 

وها نحن اهل العراق نتطلع من داخل كهف السياسة هل من حياة جديدة ستأتي يتاح فيها استعادة احياء رموزنا الثقافية والانسانية الحقيقية , ام ان مافات فات وكل ماهو آت آت ؟!

 

فالجميع اليوم مرتكس في السياسة حتى الشاعر والرسام نصفه محلل سياسي ونصفه فنان , لكنه  في السياسة  خاب, وفي الفن ما اصاب! .

 

واني هنا لااملك في غربة المنفى وغربة الكتابة , سوى ان اصرخ من عضة الموت ووجع القلم بكلمات عمر الخيام :

 

كل ذرات هذه الارض كانت _ اوجهاً كالشمس ذات بهاءِ

أجلُ عن وجهك الغبار برفقٍ_      فهو خد لكاعب حسناءِ

 

وهي حقاً لمفارقة غريبة ان يبقى رجال السياسة والعسكر, الذين يتصارعون على الثروات والمناصب , سالمين غانمين بينما رفاقي في القلم الذين لايريدون شيئاً بالمرة , يرحلون واحد فواحد  فسنتجدي لهم حتى النعش والقبور . و ها اني النائح بين نعي  لنفسي لمامضى, وبين ترقب لخاتمة عمر لااعرف على ماذا ستكون .. بين جفاء الوطن , وجفاف المنفى بين عضة لقلم وواعضية لموت , فلا امتلك ثمن ضماد لنفسي  ولا ثمن نعش لغيري, سوى التطلع بنوارس البحر الغريب و اللهج بزامير النبي دواود في التوراة :

 

اللهم {لاتجمع مع الخطاة نفسي ولامع رجال الدماء حياتي }

 

سدني - استراليا