|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
1 آيــار 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
سُبات الالم و سبي القلم
كتابات - عبداللطيف الحرز
حينما كنا طلاب في بداية الدرب لجحيم المعرفة والاختلاف , تلقيت بحساسية عالية البيت الشعري الذي يورده ملا صدرا الشيرازي في مفتتح الجزء الاول من كتابه الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة , ذلك البيت الذي يقول :
((كم عالم لم يلج بالقرع باب منى _ وجاهل قبل قرع الباب قد ولجا))
فهذا البيت الذي يرد خاطفاً في السطور الاولى فقط ثم يمضي المؤلف في تعاريج دروب استدلالية وذوقية لا علاقة لها بالشعر ان لم تكن تصرح بالعداء له بكونه يمثل مرحلة الخيال او الوهم ,في حين تبتغي الاسفار الاربعة الخلاص العقلي الكامل , مثلما يقول مجدد الدرس الفلسفي العلامة المغفور له محمد حسين الطباطبائي في مذكراته التي سجلها الطهراني بانه بات يدرك المفهوم الكلي من دون اي علائق جزئية وعلاقات وهمية للخيال والتصور.
في حين ان هذا البيت الشعري يكتنف خلاصة تناقض كل ماكتبه ملاصدرا والتي منها اليقين التنظيري مع الفلاسفة , وعلامات الكشف الصحيح مع العرفاء والمتصوفة, اذ حتى لو كان ملاصدرا عالم بلغ مالم يبلغه الفلاسفة والمتصوفة , فان هذا لايعدو ان يكون مجرد تنظير ذكي وبالتالي لايدلل على ان ذكي الكتابة استطاع ولوج عتبة الباب والدخول الى حديقة المعنى فعلا , كما هو حال ابن سينا الذي افرد فصلا خاصة بالتصوف في كتابه الاشارات والتنبيهات , مع ان الرجل مات وهو بين مزاولة الادارة السياسية نهاراً, والرفاهية النسائية ليلاً
وماذا يعني هذا سوى : ان العلم والتعلم لايوصل الى المعلوم , وبالتالي فان الاسفار الاربعة بعد عناء وجهد جهيد ليس من الضروري فعلا ان تكون قد اوصلت صاحبها الى المقصد فعلا , نعم قد تكون ولدت تذاكياً كتابياً ليس الا , في حين ان الحقيقة ليست وجود كتبي وانما هي وجود واقعي خارجي , لذا يمكن لفقير بائس لايجيد اي تنظير لكنه يحتضن المعنى , وهذا مايفسر لمَ كان السفراء الاربعة للامام الثاني عشر( حسب السرديات التراثية للمذهب الشيعي ) ليسوا من الطبقة المثقفة , فهولاء لم يكونوا فقهاء ولا مفسرين ولا فلاسفة ولا لغويين او شعراء, فالذين مسكوا تمثيل الامة لم يكنوا هم من طبقة النخبة والانتلجنسيا , اولئك الاربعة كانوا اصحاب كفاءات عملية وليس تنظيرية .
ولعل ذات الدرس نستفيده من قصة موسى النبي مع شخصية الخضر , فالقلب الاخضر المتفتح بربيع المعنى , هو شخص عادي خالي من اي ادعاء ولايجيد التنظير واقناع الطرف الاخر بكلام وكتابة حول صحة رأيه , بينما المحاجج صاحب التنظير والاستدلال (=موسى) كان قد قطع المسافات كي يستجدي المعنى من هذا المعلم الذي لايجيد اعطاء دروس التنظير .
كان هنالك عشرات المفكرين والرياضيين والمتأملين في زمن موسى , ومئات الفلاسفة والمفسرين والاطباء والشعراء , في زمن السفراء الاربعة , لكن اولئك كانوا علماء يطرقون باب المعنى عشرات القرعات كل يوم وكل لحظة , بينما هولاء قبل قرع باب العلم والثقافة , قد ولجوا الى باحة المعنى والحقيقة !
واليوم على ناطورة للمقصد ان يرحل او يجيء , استذكر الزمن الدراسي الموجع واسفار الالم والقلم الاربعة , اتامل مناصب سياسية وثقافية تمنح لاناس لاعلاقة لهم لا بالسياسة ولا الثقافة , لكنهم يلجون ابواب كل شيء بدون ان يقرعوا هم او تقرعهم , نوائب علم او دراية او تضحية حقيقة للعلم او للوطن , بينما الكوادر العراقية الحقة ينقرضون شيئاً فشيئاً ويمضون تباعاً ولايملك احد منا سوى كلمات تشيعهم صوب مدافن تقع عند ذلك الباب القديم الذي قضوا العمر يطرقونه ولايفتح لهم , فكأن على المثقف ان ينزوي في مغارة ((كهك)) تلك ويتسعيد ايقاظ الالم ذاته , لاهجاً بذلك النشيد ايضاَ:
((كم عالم لم يلج بالقرع باب منى _ وجاهل قبل قرع الباب قد ولجا))
وانا ناظرٌ الى رفقائي في الكتابة يستنفدهم الموت الماً بعد قلم , بين قتيل في الوطن وصريع في المنفى , لا امتلك سوى اهداء اغنية عراقية شعبية تقول :
(( طفينه العمر شمعه وره شمعه .. دمعنه اشجاب وشوده .. تعبنه والزمن عده ))
سدني - استراليا |