|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
30 نيسان 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
آية العهد : ميثاق الغرض ونكث النص
كتابات - عبداللطيف الحرز
المقصود من اية الذر والتي قد تسمى آية العهد او آية الميثاق في طيات سرديات المفسرين , قوله القرآن الكريم , في سورة الاعراف:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ \ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ \ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
فهل آية الذر كل من الاية 172 والاية 173 ام الاولى فقط , وبذلك يكون اطلاق اسم الاية على كلا الايتين من باب تسمية الكل باسم الجزء او انه اسم عام لهما فيكون توسعة مثل قولنا آية الكرسي ؟!
وهذه الاية التي صرح صاحب تفسير الميزان المغفور له محمد حسين الطباطبائي :
{ و هي من أدق الآيات القرآنية معنى، و أعجبها نظما.}
تعد من الايات التي اكثر المسلمون الاستشهاد بها بكونها دليل كتابي على فطرية الدين اولا والاسلامي ثانيا .
هذا على الصعيد اللاهوتي , اما ابستملوجياً فهذه الاية عدها المسلمون ارشاد الى منهج استدلالي معرفي معين ,وعليه ففي الاية محوران لاهوتي وآخر علمي .
حيث تنبهت الانتلجنسيا الاسلامية منذ البداية بقصور حجج من امثال الكتب والرسل والمعجزات , فهناك شعوب لم يبلغهم الامر , ثم ان الاجيال الجديدة ستكون اعجمية عن كل هذا وهنا اتت فكرة الاعتماد على العقل بكونه حجة لا تختلف ولاتتخلف وهو امر اصرت عليه العقلية الاسلامية حتى قصة حي بن يقظان لابن طفيل ومابعد مدرسة صدرالمتالهين الشيرازي مثل الطوسي والعلامة الحلي ثم الشيخ المظفر ومحمد باقر الصدر .
وللاية تبعات كثيرة , فمثلا ,قد حكي ابو الهذيل في كتاب الحجة ان الحسن البصري واصحابه , كانوا يذهبون الى نعيم الاطفال في الجنة وذلك لكونهم قد آمنوا في عالم الذر , اي ان اية الذر قد تم توظيفها لحل اشكالية العلاقة مابين العمل والايمان والتي على اساسها ظهرت حركة المعتزلة كحركة تنظير , وعلى اساسها تفاقم المذهب الشيعي كتمرد عملي مع ثقافة السلطة بكون الخليفة لديه عمل يناقض القول .
بيد انه هنا مشكلة لم يتم التصريح عنها وهي مشكلة الغفلة وعدم الالتفات . وهذا الاضمار لهذا الاعتراض لايظهر الا في مثل مقامنا هذا , اي بحث آية الميثاق او الذر .حيث جاء الاعتماد عليها بمثابة القطعة الاخيرة لسد ثغور الاحتجاج الالحادي , ومن هنا تكاثرة البحوث والدراسات حول هذه الاية اكثر من غيرها .
والحق ان هذه الاية كيفما قلبتها لن تجد لها تفسيراً يرضيك فجميع مالدينا من مناهج تفسير يظهر قصورها صارخاً امام هذه الاية المعضلة فلا شرح المفردات لغوية بكاف ولا عرضها على الاية الاخرى من القرآن بشاف ولا الاستعانة بالمرويات بمعين في التوضيح , وهذه الاية وحدها كفيلة بالتدليل بخطأ فكرة البحث عن منهج تفسير واحد نفسر به القرآن من سورة الفاتحة وحتى سورة الناس , اذ : الا يحتمل ان لكل مجموعة من الايات منهج تفسير خاص بها ؟! والاية في بعض الوجوه تشبه معضلة آيات استجابة الدعاء ((ادعوني استجب لكم)) (( اين اجيب دعوة الداع اذا دعاني)) ..الخ فالنص يقول بالاجابة , بينما الواقع يقول بالممانعة فالانسان يدعو ولايستجاب له , وان تحققت الاستجابة فهي ليست سريعة. بالطبع هذا ابالاضافة الى محققه كبار العقول الاسلامية من ان تحقيق الوعد واجب على الله او منه , بخلاف الوعيد , والدعاء وعد فكيف لم يتحقق ؟!!
ومنها جاءت فكرة اضافة شروط للدعاء ومشابه ذلك من اجل انقاض النص امام مطارحة الواقع .
وآية الذر مثل هذه الحالة تماما لذا قال صاحب مجمع البيان :
{ وايضاً فإن هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم , لايخلو اما ان جعلهم الله عقلاء , او لم يجعلهم كذلك , فإن لم يجعلهم عقلاء فلايصح ان يعرفوا التوحيد , وان يفهموا خطاب الله تعالى .
وان جعلهم عقلاء واخذ عليهم الميثاق , فيجب ان يتذكروا ذلك ,ولاينسوه , لان اخذ الميثاق لايكون حجة على المأخوذ عليه , الا الجمع الكثير , والجم الغفير من العقلاء , شيئاً كانوا عرفوه وميزوه , حتى لايذكره واحد منهم وان طال العهد }
وبذكاء يضيف الطبرسي :
{ الا ترى ان اهل الاخرة يعرفون كثيراً من احوال الدنيا , حتى يقول اهل الجنة لاهل النار : ان قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} .
والمشكلة الحقيقة في الاية انها تقرر ان الجميع قال ((بلى )) وليس البعض , وعليه ماذا نفعل بالذي يقول لا حتى على رؤية من يقول باقرار الحالي وليس المقالي ؟! وماذا لو ادعى انه بوجدانه ينكر ولايقر فهل نصب عليه وجداننا الايماني ونعده الوجدان الصادق الوحيد ؟!
و اذا كان في الاية جانبان فان فيها ايضا مرتكزات ثلاث رئيسيه هي :
معنى الاخذ , ومعنى الاشهاد ومعنى الاقرار الذي ترتبط به فيما بعد الغفله
يقول صاحب الكشاف , الزمخشري في ج2ص129 :
{ من ظهورهم : بدل من بني آدم , بدل البعض من الكل , ومعنى اخذ ذرياتهم من ظهورهم : اخراجهم من اصلابهم نسلا واشاهدهم على انفسهم, وقوله ( الست بربكم؟) من باب التمثيل والتخييل , ومعنى ذلك انه نصب لهم الادلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجلعها مميزة بين الضلالة والهدى , فكأنه أشهدهم على انفسهم وقررهم وقال لهم : الست بربكم , وكأنهم قالوا : بلى شهدنا على انفسنا واقررنا بوحدانيتك }
ويبرمج البيان اللغوي صاحب مجمع البيان باقتضاب يضمر حيرة مسبقة:
{ قرأ ابن كثير واهل الكوفة : ( ذريتهم ) على التوحيد . والباقون : ( ذريتهم) على الجمع وقرأ ابو عمرو : ( ان يقولوا) , ( او يقولوا) بالياء ,والباقون بالتاء }
ثم يسرد صاحب مجمع البيان الطبرسي , الحجة في ذلك بالقول :
{ قال ابو علي : الذرية قد يكون جمعاً , وقد يكون واحداً , فمما جاء فيه جمعاً قوله : ( وكنا ذرية من بعدهم ) و ( ذرية من حملنا مع نوح) . فمن افرد جعله جمعاً فاستغنى عن جمعه لوقوعه على الجمع , ومما جاء فيه واحداً قوله : ( رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) ...}
بعدها يتمم الطبرسي : { واما قراءة ابي عمرو : ( ان يقولوا ) بالياء , فلأن الذي تقدم من كلام على الغيبة . ومن قرأ بالتاء فلانه جرى في الكلام خطاب ايضاً فقال : ( الست بربكم) . وكلا الوجهين حسن ,لان الغيب هم المخاطبون في المعنى . }
المشكلة ان تتبع الاثر اللغوي لفظاً لفظاً لايظيف الا ابهاما وتحيراً مع هذه الاية وبتعبير شيخ المتعصبين ابن تيمية في كتابه ((مقدمة في التفسير )) حيث يقول في واحدة من التفاتاته الذكيه :
{ ومن المعلوم ان كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد الفاظه}
وانتَ تلاحظ ان تتابع البحث اللغوي مع هذه الاية يجهد الالفاظ لكنه لايصيب المعاني .
لكن مالذي يرتضيه الطبرسي من معنى هنا ياترى ؟!
{ المعنى : ثم ذكر سبحانه ما اخذ على الخلق من المواثيق بعقولهم , عقيب ما ذكره من المواثيق التي في الكتب , جمعاً بين دلائل السمع والعقل }
وانت كما ترى ان الطبرسي حاول هنا سبك معنى كلي محاولة منه للتشبث امام ما سيتوارد عليه من مرويات لايفهمها العقل ويسيخ عنها السمع , ومن اراء تمسك بناصية التفسير صوب المعنى المجازي حد جعل الاية من قبيل قولنا تشهد عليك جوارحك ونفسك انك فعلتَ كذا لكن قبل هذا وذاك من اين استفدنا معنى ((المواثيق بعقولهم)) ؟! .. ومن قال ان الاية تهدف الى ذلك البحث الذي سوف لاينتهي النظر فيه اي بحث جمع العقل والنقل (( مابين الشريعة والحقيقة من اتصال)) حسب معجم ابن رشد ؟! اليس هذا هو تملص يتكل على مقولات قبلية قبل النص وبعده , والا فلا التطلع في القواميس يوصل الى امر كهذا , ولا الاستناد الى المرويات يشير الى ذلك , كما هو كل مايمثل لدى الطبرسي من منهج . ..................................
واذا كان الطبرسي استفتح بمفردة ((الذر)) ودار ناعور التفكير حولها , فان العلامة الراحل محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان, قد اعتمد على نكتة الاخذ فيقول :
{أخذ الشيء من الشيء يوجب انفصال المأخوذ من المأخوذ منه و استقلاله دونه بنحو من الأنحاء، و هو يختلف باختلاف العنايات المتعلقة بها و الاعتبارات المأخوذة فيها كأخذ اللقمة من الطعام و أخذ الجرعة من ماء القدح و هو نوع من الأخذ، و أخذ المال و الأثاث من زيد الغاصب أو الجواد أو البائع أو المعير و هو نوع آخر، أو أنواع مختلفة أخرى، و كأخذ العلم من العالم و أخذ الأهبة من المجلس و أخذ الحظ من لقاء الصديق و هو نوع و أخذ الولد من والده للتربية و هو نوع إلى غير ذلك}
وللاسف فان هذا التحديد سيكون هو بداية الخلط والخطل لدى الطباطبائي , اذ تعريف الاخذ بكونه يقتضي فصل شيء من شيء_ لااقل _ ليس بمطرد فقولنا : ((اخذنا العلم من زيد)) او اخذنا هذا التفسير من كتاب الميزان , لايقتضي فصل العلم عن زيد ولا فصل معلومات الكتاب عنه , وعليه ففصل الشيء من شيء ليس نكتة جوهرية في البحث .
نعم يمكن القول بالتفرقة بين( الاخذ من) و (الاخذ عن) , فيقال بان الاول الفصل نكتة جوهرية ,بخلاف الثاني وماذكرتموه من امثلة هو من مصاديق الثاني لا الاول والذي ندعيه في الاية , لذا سيكمل الطباطبائي بالقول:
{فمجرد ذكر الأخذ من الشيء لا يوضح نوعه إلا ببيان زائد، و لذلك أضاف الله سبحانه إلى قوله: «و إذ أخذ ربك من بني آدم» الدال على تفريقهم و تفصيل بعضهم من بعض، قوله: «من ظهورهم» ليدل على نوع الفصل و الأخذ، و هو أخذ بعض المادة منها بحيث لا تنقص المادة المأخوذ منها بحسب صورتها و لا تنقلب عن تمامها و استقلالها ثم تكميل الجزء المأخوذ شيئا تاما مستقلا من نوع المأخوذ منه}
لكن المشكلة هنا ان ((من ))يمكن ان تكون بمعنى ((عن)) , وكلا هما يمكن ادعائه في هذه الامثلة بدون توقف او روية
اما معنى الاشهاد فيقرره الطباطبائي على مراحل فهو اولا يقول :
{ الإشهاد على الشيء هو إحضار الشاهد عنده و إراءته حقيقته ليتحمله علما تحملا شهوديا فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحملوا ما أريد تحملهم من أمرها ثم يؤدوا ما تحملوه إذا سئلوا.}
وحقيقة النفس هنا لاعلاقة لها باي ارتباط صوفي وانما محض مايعتمده المؤلف في كتبه الفلسفية (مثل اصول الفلسفه ونهاية الحكمة) في دفع دعوى السفسطة , اعني استحالة انكار الانسان لواقعية نفسه (( فلايزال الواحد منا وكذلك كل موجود يعيش بالعلم والشعور , يرى نفسه موجوداً واقعياً ذا آثارٍ واقعية)) حسب تعبيره ص8 من كتابه نهاية الحكمة والذي هو المقدمة المحذوفة في تعليقة الطباطبائيعلى كتاب الاسفار ص 52 من الجزء الاول . وهذا شهود تجريبي وجداني واضح وبهذا سيقرر الطباطبائي الشهود بهذا التقريب : { فالإنسان في أي منزل من منازل الإنسانية نزل يشاهد من نفسه أن له ربا يملكه و يدبر أمره، و كيف لا يشاهد ربه و هو يشاهد حاجته الذاتية؟ و كيف يتصور وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه؟ فقوله: «أ لست بربكم» بيان ما أشهد عليه، و قوله: «قالوا بلى شهدنا» اعتراف منهم بوقوع الشهادة و ما شهدوه، و لذا قيل: إن الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده و ما يتعلق به وجوده من اللوازم و الأحكام، و معنى الآية أنا خلقنا بني آدم في الأرض و فرقناهم و ميزنا بعضهم من بعض بالتناسل و التوالد، و أوفقناهم على احتياجهم و مربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنك ربنا. و على هذا يكون قولهم: «بلى شهدنا» من قبيل القول بلسان الحال أو إسناد اللازم القول إلى القائل بالملزوم حيث اعترفوا بحاجاتهم و لزمه الاعتراف بمن يحتاجون إليه، و الفرق بين لسان الحال، و القول بلازم القول: أن الأول انكشاف المعنى عن الشيء لدلالة صفة من صفاته و حال من أحواله عليه سواء شعر به أم لا كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها، و كيف لعب الدهر بهم؟ و عدت عادية الأيام عليهم؟ فأسكنت أجراسهم و أخمدت أنفاسهم، و كما يتكلم سيماء البائس المسكين عن فقره و مسكنته و سوء حاله. و الثاني انكشاف المعنى عن القائل لقوله بما يستلزمه أو تكلمه بما يدل عليه بالالتزام. فعلى أحد هذين النوعين من القول أعني القول بلسان الحال و القول بالاستلزام يحمل اعترافهم المحكي بقوله تعالى: «قالوا بلى شهدنا» و الأول أقرب و أنسب فإنه لا يكتفي في مقام الشهادة إلا بالصريح منها المدلول عليه بالمطابقة دون الالتزام.} وهنا لاحاجة لتميم القول بانه على وفق هذا البيان سيكون معنى الغفلة هنا هو عدم الالتفات الى هذا الاحتياج الدائم من قبل الانسان لموجود ارفع منه منزلة .وايضا وفق هذا البيان لاتكون الاية قادرة على تحميلها بانها تطرح منهج معرفي ما اين كان لونه مادام الامر مجرد الفات للقضايا اليومية , بكلمة اخرى سيكون المتبقي هنا هو الجانب اللاهوتي فقط ليس الا, وعليه تأتي احد اهم النتائج وهي ان الحبكة السردية في هذه الاية هي عرض ومشهد مجازي, الامر الذي يستدعي ان يتطابق هذا القول مع مدرسة تفسيرية يناقضها الطباطبائي بالكامل حيث(( يذهب بعض المفسرين الى التفرقة بين الحكاية اي جسم القصة او هيكلها وبين مافيها من توجيهات دينية او اجتماعية .ويذهب هولاء الى ان الجسم او الهيكل غير مقصود وان المقصود من عملية القص القرآنية ليس الا هذه التوجيهات )) حسب توجه صاحب اطروحة ((الفن القصصي في القرآن الكريم )) محمد احمد خلف الله ص27 , وهو توجه يختلف معه الطباطبائي حد التحارب على مايصرح به في موسوعة تفسيره الميزان مراراً , وهذه الشطحة هنا من لدن صاحب الميزان ضد احد اهم ركائن منظومته الفكرية لم تتحقق الا لصعوبة الحبكة السردية في هذه الاية القرآنية وصريح مخالفة الوجدان لها , وان كان الطباطبائي سيقول بغير هذا القول ختاماً لكن يكفي انه اجاز هذا الوجه من التفسير ووجده مقبولا لامندوحة في الاخذ به . وهذا التوجيه هو على خلاف التنظير الاخر الذي يقول بان الامر برمته عرض حقيقي ,ونترك تقرير الامر لعبدالله جوادي آملي والذي يقول هو تقرير يحاكي مجاميع من فلاسفة ومتصوفة ماضيين بلا اية نكتة مستجدة. فالاملي في ص276 من كتابه ((العقيده من خلال الفطره في القران)) يقول: { تعتبر هاتان الايتان من جملة الايات الدالة على فطرية الاصول الكلية للدين , ومفاد هذه الاية ان الله عرض على الانسان حقيقة الانسان في موطن ما وفي تلك الحالة التي شاهد فيها الانسان حقيقته , شاهد ايضاً ربوبية الباري تعالى وعبوديته للباري . وقد اخذ الله ميثاقاً من البشر في ذلك الموطن الشهودي واخذ منهم اعترافاً بأن : الست خالقكم ؟ فاجابه الجميع: بلى انت ربنا . في لك الموطن العلمي قبل جميع البشر ربوبية الله (..) والشاهد على هذا الميثاق هو الانسان نفسه (..) اي ان مشاهدة حقيقة النفس , هو شهود الارتباط الوجودي}
ومنعا من اي اشتباه ان يكون معنى حقيقة النفس هو المعنى الذي اراده الطباطبائي , اي القول الحالي والالتزام , فان الاملي يضيف ص277 : { ومن الواضح ان مشاهدة حقيقة العبد غير ممكنة من دون مشاهدة الله.لان الانسان اذا كان عبداً فليس له حقيقة الا الربط بالله والحاجة اليه, اذا كانت حقيقة الانسان في وجوده الخارجي مرتبط بالله , فان الذي يشاهد هذه الحقيقة بالعلم الحضوري (..) سيرى الله بعين فؤاده قطعاً } ومن الواضح كجميع ماخطه الاملي فان الرجل يردد كلمات ملاصدرا بلا اي اضافة نافعه , لذا ربط عبدالله الاية بكونها لاتدل على ان الانسان وجود رابطي بالله (= هو وجود محتاج) وكما هو مقتضى التفسير السابق , وانما الانسان هوجود رابط (=لاوجود له سوى كونه عين الفقر والاحتياج) , والتي هي احدى اشهر تحقيقات ملاصدرا التي افتخر بها حتى ان ملاصدرا في ص320 من الجزء الاول في الاسفار قال : { واما نحن فبفضل من الله تعالى وبرحمته اقمنا البرهان (..) ان الممكن لايمكن تحليل وجوده الى وجود ونسبة الى الباري , بل هو منتسب بنفسه لابنسبة زائدة , متربط بذاته لابربط زائد , فيكون وجود الممكن رابطياً عندهم [= لدى الفلاسفة السابقين] ورابطياً عندنا} وهو التنظير الذي سوف يشنع عليه السيد المعلم محمد باقر الصدر ويسخفه اشد التسخيف وذلك بعدما ارتقى هذا الاستاذ من طور مرحلة ((فلسفتنا)) الى طور ((الاسس المنطقية للاستقراء)) والاطلاع على مستجدات الفلسفة العالمية . وهنا نعرف انه لم يكن معقولا ان يرتضي الطباطبائي ذلك التفسير حقيقة لكونه هو الاخر يعتقد بمدرسة ملا صدرا الشيرازي القائلة بان الوجود , وضمنه الانسان, وجود رابط وليس رابطي , لذا قلنا بان ذلك التفسير منه هو مرحلة اولى وتوطئة ليس الا . ورغم اختلاف البيان الا ان الطباطبائي يعتقد هو كبقية المفسرين , بان مركزية المعنى في هذه الاية هو الفطرة , اي ان المعتقد الديني بالاله , قضية غنية عن تجشم الاستدلال , فالدين قبل الدليل وليس بعده , لذا تراه يقول : { و أما حديث تكامل الإنسان في العلم و الحضارة تدريجا فإنما هو في العلوم النظرية الاكتسابية التي هي نتائج و فروع تحصل للإنسان شيئا فشيئا، و أما شهود الإنسان نفسه و أنه محتاج إلى رب يربه فهو من مواد العلم التي إنما تحصل قبل النتائج، و هو من العلوم الفطرية التي تنطبع في النفس انطباعا أوليا ثم يتفرع عليها الفروع، و ما هذا شأنه لا يتأخر عن غيره حصولا، و كيف لا، و نوع الإنسان إنما يتدرج إلى معارفه و علومه عن الحس الباطني بالحاجة كما قرر في محله } يجمل محمد حسين الطباطبائي اعتراضات بعض المفسرين على المعنى المستبنط من الاحاديث والروايات الواردة في هذا الموضع , بست اعتراضات, هي كالتالي: { 1 - أنه لا يخلو إما أن جعل الله هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم عقلاء أو لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد، و أن يفهموا خطاب الله تعالى، و إن جعلهم عقلاء و أخذ منهم الميثاق و بنى صحة التكليف على ذلك وجب أن يذكروا ذلك و لا ينسوه لأن أخذ الميثاق إنما تتم الحجة به على المأخوذ منه إذا كان على ذكر منه من غير نسيان كما ينص عليه قوله تعالى: «أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» و نحن لا نذكر وراء ما نحن عليه من الخلقة الدنيوية الحاضرة شيئا فليس المراد بالآية إلا موقف الإنسان في الدنيا، و ما يشاهده فيه من حاجته إلى رب يملكه و يدبر أمره، و هو رب كل شيء. 2 - أنه لا يجوز أن ينسى الجمع الكثير و الجم الغفير من العقلاء أمرا قد كانوا عرفوه و ميزوه حتى لا يذكره و لا واحد منهم، و ليس العهد به بأطول من عهد أهل الجنة بحوادث مضت عليهم في الدنيا و هم يذكرون ما وقع عليهم في الدنيا كما يحكيه تعالى في موا |