الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

17  نيسان 2006

غريب على الطريق

 

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

الوعي المُتقسم والوطن المُنقسِم

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

كل شيء في راهن العراق الجديد , يعيدنا الى مقولة الملك فيصل القديمة , من كون العراق ليس ارض واحدة وليس امة (وبالتالي منطقياً : فليس هو دولة بالمعنى الحديث) , وانما هو مجموعة اراض وحشد من القبائل والعشائر المتعاركة .

 

الان وبعد مايقارب القرن من الزمان على تلك المقولة _التحديد , تعرقلنا هذه المقولة ذاتها في اي جهة نختار السير فيها في هذا الذي نريده وطناً , وكأن الزمن في الشرق يأبى الا ان يكون حلقة دائرية , وكأن على العراقي ان يمثل في مسرح السياسة دور سيزيف الذي يحمل صخرة الهم التي لاخلاص منها

 

فمنذ زوال الدولة العثمانية وحتى الان , لم يجري ان توحدت الارض العراقية شمالا وجنوباً  , بل كانت هنالك ثمة انقسامات متواصلة في الجهة الشمالية , وانقسامات متنامية في الجهة الجنوبية . وكان على الجيش النظامي الحكومي مهمة واحدة اساسية هي القضاء على تلك الامارات ,فكأن الجيش العراقي لم تكن له مهمة جوهرية سوى ضرب الجهات الشعبية هذه او تلك , فكانت حتى الحروب الخارجية التي خاضها الجيش النظامي العراقي هي في الاساس منع مساندة دول الجوار موآزرة الزعامات الانقسامية هذه . وهي مشكلة يبدو ان الجيش العراقي ليس بقادر الخلاص منها حتى الان , بدلالة ان من بيدهم الامر اليوم هم ذاتهم من يمتلكون المليشيات الاقوى , وهذا ما وعته كل من فلول حزب البعث والكوادر الطائفية المتشددة , فراحت بالتالي تعتمد القتل والتخريب وبناء القوات الارهابية المسلحة كوسيلة ضغط لهدم الدولة الجديدة او احتلال مقدار اكثر مساحة فيها , وعليه فالنتيجة  تكون هي: وعي متقسم ووطن منقسم .

 

وهذه النتيجة التي تبدو واضحة اليوم , ليست احدوثة جديدة حتى نصوغ خطاباً هجائيا للاحزاب السياسية الجديدة , وانما هي حقيقة بالغة القدم طال امر  تغطيتها بخطاب انشائي حماسي لم يستطع دحض مشكلة الواقع المحسوس اطلاقاً , لذا كان اول حدث في مرحلة انتقال العراق من الملكية الى الجمهورية هو قتال الزعيم عبدالكريم قاسم مع الاكراد , فيما تنامي صعود ايدلوجيا الدين السياسي في الجنوب , فيما ازداد التحسس المنطاقي في الوسط .

 

وذات الامر حذو النعل بالنعل نجده يتحقق بعد سقوط الصنم البعثي , لكن بتعميق اكثر حسية , حيث شمال مستقل حقيقة وجنوب يريد الاستقلال ووسط روعه كشف الغطاء بانه لايمتلك من الخير الكثير قياساً بالشمال والجنوب , لكنه كان اكثر الاطراف استفادة وهاهو اليوم مهدد بان يستورد حتى الهواء ممن كانوا عبيداً له بالامس , مالا وارواحاً واعراض  .

 

 وبما ان التغطية هي عملية قهرية اساساً لذا وعت اطراف عديدة بان السياسة في العراق ليست شيء آخر سوى القوة , لذا بقي التمني بصعود الشخصية الضاربة القوة التي تقهر الاطراف الاخرى للقبول بالاخيار الوحيد .,او حسبما خطه جمال الدين الافغاني رائد النهضة الجديدة : ((المستبد العادل))  فكأن العدل امر يستحيل تحققه على الارض الشرقية بدون العنف والاستبداد !

 

 وهو امر عبرت عنه اطراف عراقية كثر, حتى قبل تصريح  ممثلة السياسة الامريكية : كوندليزا رايز, بشأن تصاعد مشكلة رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري .

 

وبهذا تعود ارادة القوة ومنهجيتها مشكلة واشكالية في الراهن العراقي الذي يراد له ان يكون جديداً منهجياً وليس زمنياً محضاً , اذ ماهو بالقوة والعنف يسترد بالقوة والعنف , في حين اننا نريد اقفال تاريخ القمع وفتح اضبارة الديمقراطية .

 

بعد ثلاث سنوات من تخليص العراق من صنم حزب  البعث, الذي ظنه الراحل هادي العلوي , آخر السلاطين العثمانيين , ولم يدري فقيدنا العلوي بان بعض احزاب المعارضة العراقية هي في جوهرها امتداد للعقل العثماني باشد مماهو عليه الحال مع صنم حزب , صدام حسين.

 فكان العراق الجديد بالتالي متذبذ بين عقلية  تريد العراق احد الدول الليبرالية الحرة المتقدمة , بين عشية وضحاها .

وبين عقلية لاتعي العراق الا بكونه دولة دينية  لمذهب يظن نفسه انه الممثل الوحيد للدين او دولة قومية  لقوم يحسبون انهم الاحق في مساحة من الارض لكونهم الاكثر اظطهاداً في السابق او القدم استطيناناً ,  او يكون العراق  ساحة لحرب اهلية مفتوحة تتابع سعير نارها تحت لافتات شتى .

 

واذ لايمكن طرح وطن واحد وارض مشتركة من دون توحيد للوعي الجماهيري والنخبوي , بكون الامن والاستقرار وبالتالي الوقوف بثقة امام الضغوط الدولية والتدخلات الاقليمية , الا من خلال احتضان الارض العراقية كعنوان اكيد للثقافة والتمثيل للمواطنة المشتركة , وذلك لكون الاستقار الامني هو خياري ارادي للوعي الجماعي بكون هولاء يعون انفسهم بان كل ضرر يصيب طرف فان الاطراف الاخرى تتأثر به بالسهر والحمى . وهذا يعني يجب الانخراط بصناعة خطاب عراقي ثقافي سياسي واحد لاتقترب منه القومية والدين , الابمقدار التأثير الاجابي فقط , لكون الدين والقومية عنصر اختلاف وليس توحد , في حين تسود الخطاب العراقي صعود للثقافة الدينية والعاطفة القومية , كامتداد لمأزقية عراقية للكره والعداوة والبغض , متوترة  بلغة حد العصاب النفسي .

 

واذ لايمكن طرح وطن واحد من دون وعي متوحد , فان  البدء ببناء منهج سياسي جديد ليس امراً اعتباطياً يمكن ان تحققه جيوش عربية او حكومة انقاذ باملاءات دولية . وانما هو في الاساس عمق وعي الناس بان حياتهم في خطر او ان مشكلتهم الاقتصادية ستبقى بدون حل خارج التعاقد الاجتماعي والحلف الاخوي العملي الذي يحتم احترم كل طرف للاطراف الاخرى  مهما كان مختلفاً عنا في الرأي والسلوك والعقيدة  مادام الامر لايتصادم مع حريتنا الثقافية والدينية كذلك .

 

الاستقرار السياسي والرفاهية الامنية , ليسا فرماناً من الاستانة ولا قرار من مجلس الامن الدولي , وليس تعميم فتوى لزعيم ديني , ولا تصريح لمسؤول سياسي , على العكس كل امور من هذا النوع مهما كان مدى اجيابيتها والنوايا الحسنة فيها في العاجل , ستكون جزء لايتجزء من المشكلة في الآجل.

 

الاستقرار السياسي والرفاهية الامنية ,هما في بادء البدء ارض واحدة ووعي متوحد ,والا فان انقاسم الوعي حول هذه القضية لاينتج سوى تزايد القسمة للوطن . وبالتالي اذ لاتكون هناك اطراف راضية بنصيبها فان هذا يعني جعل فوهة الحرب الداخلية والتدخل الخارجي , قرار دائم التنفيذ , وفي نهاية المطاف لايتحقق شيء سوى العودة الى بدء بان تبقى الاحزاب السياسية والطوائف الدينية والقومية عبارة عن عشائر قبلية متقاتلة تنظر الى خيرات الارض بانها نوع من انواع الغنيمة , وبكل تاكيد انه وفي مثل هذه الحالة فانه حتى الطرف المنتصر اذ هو يحتكر غالبية السلطة والتسلط على من هم في الداخل , فان عليه هو اكثر من اي احد سواه , ان يعطي الجزية للقوى الخارجية او ان يمضي بطريقة عراقية وراثية مفادها تسخير  للقوات العراقية المسلحة , بان تخوض حرب دائميه ضد الاخرين ثانياً , وضد نفسها اولا .وهو امر يجدد التطلع صوب حركات انقلابية عسكرية او بناء احزاب معارضة اخرى , او التفكر في احتلال مغاير يطيح بالتشكيلة السياسية القائمة ولو كان احتلال عربي هذه المره .

 

ونحن بدورنا ,ازاء حالة هكذا لايتاح لنا نقدياً الا نقول بان وضع شعب  دائم التكرار لذات تجاربه الُمرة , هو ليس شعب يزاول صراعاً سياسياً  لم يتمخض له حل قضائي  لطواغيته وجلاديه  وممارستهم المتشابه  , ولزعامته الجماهيرية ورؤاهم المتغايرة  ,  وانما هو في حقيقة الامر عبارة عن :

 

شعب يخوض انتحاراً جماعياً باسم السياسه !

 

........................................................................

 

سدني - استراليا