الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

19  آذار  2006

غريب على الطريق

 

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

دكتاتورية الفرجه

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

حينما يصل ((ول سترانت مل)) في تتبع قصة الحضارة يوقفه تصرف اهالي روما الذين اخترعوا اللاعاب الالومبية , حيث لم يكن شيء يسليهم مثل لعبة المنازلة واقتتال المصارعين بعضهم بعضاً فتنتهي اللعبة باشلاء بشرية وتطليخ دماء وهازيج وزغاريد من الجمهور تتصاعد كاشفة البهجة في النفوس

 

وحتى اليوم تحتل العاب المصارعة جمهوراً واسعاً وتكتل لشراء اللذة .. لذة الاستمتاع بمشاهدة تدمير الاخر .

المشكلة هنا ان العنف ليس وسيلة لتحقيق امر ما , وانما هو غاية في حد نفسه (=في لعبة الملاكمة مثلا ,يتم اعطاء مبلغ مالي لكلا اللاعبين الفائز والخاسر)

 

ومن الرياضة الى السينما والتلفزيون : فهناك اناس لاتروق لهم الا افلام ((الاكشن)) والعنف , بل هناك من لايستمتع الا بافلام الرعب والتفرج على تفسخ الجثث وصديد الموتى وتفجر ينابيع الدماء , فيبقى هذا النوع من المشاهدين مشودداً متحفزاً بلذة لضربة سكين ولصرخة مسكين , ومفاجأة ظهور وجه مقزز بمنتهى القبح

 

ومن السينما والتلفاز الى الرسم والتصوير : فهناك من لاتظهر موهبته ويتنامى ابداعه الا بتخطيط صور الرعب والمناظر المشوهة المقززه , او حمل الكامرة لالتوثيق جرائم الحروب , وانما هذا البعض من المصورين لايلتذ الا بالتقاط صور الجثث والاشلاء وعن قرب !

 

ومن الرسم والنحت والتصوير الى الكتابة : فهناك اقلام بطيئة الكتابة قليلة الانتاج حذرة التسطير , لكن ما ان يتعلق الامر بموت او فضيحة او بشاعة , حتى تجد هذه الاقلام تقذف بوجهك مئات السطور ان لم يكن عشرات الكتب والبحوث , كمتواليات لحجارة رجم لانفاذ لها .

 

وقد يغدو الامر بالعكس , اي لفرط التلذذ بمشاهد الموت والبشاعة والدمار , تاخذ صاحبنا النشوة فيتخدر سكران بلذة التفرج على المذبحة والمأساة

ولعل دكتاتورية الفرجة تطبق بصورة نموذجية على الحالة العراقية سواء قبل سقوط الصنم البعثي ام بعده : فهناك استمتاع ووفرة بلذة لامتناهية كان صدام حسين يجيد انتاجها عجائز وامهات يتراكضون في الشمال متحتضنين اطفالهم من غاز الخردل والكيماوي .. افمهات وعيون اطفال مدهوشة وطيور مفزوعة تتعثر بهم زوارق عطشى في الجنوب حيث الارض باجمعها مقبرة جماعية .. ابن السيد الرئيس عدي صدام حسين , متعته ان يربي نمراً متوحشاً ويتفرج على رعدة الناس خوفاً , فيما هو يطوف بالكاليات والجامعات ينتقي من يريد من اعراض الناس وبناتهم , ثم يرتكهن لرجاله يفعلون بهن مايشاؤون بينما هو يكتفي بالتفرج .

بل نظام صدام حسين ابدع بحق فن التفرج من كلاب تنهش وبيريات وزي عسكري لون قبعاته فقط يحقق اثارة الرعب .. حتى ظهور قائد القوات المسلحة مفترجاً بين آونة واخرى على جماهير تتكدس تصرخ باسمه صراخ الروح عند مشاهدة ملائكة الموت ( وفي ارشيف الاعلام العراقي نجد ان برنامج كان يبث ايام الحرب العراقية الايرانية , هو عبارة عن صور حية لجثث القتلى الايرانيين فكان المصور ينقل وجوههم واشلائهم بدقة متناهية !)

 

كل ذلك وكان المغني يغني و المصور يصور والرسام يرسم والممثل يمثل والكاتب يكتب , مدشنين باجمعهم عرضاً ساحر اللذة دائم الفرجه

وبعد سقوط الصنم البعثي بدأ القسم الثاني من عرض المسرحية العراقية : عشرات يتساقطون من نساء واطفال وشيوخ وشباب , وقنوات العرب والعالم تعمل بجهد جهيد لتوفير المشهد الاكثر صخباً ولذه , تماماً كما كان يفعل الامريكان ابان حربهم الاولى على العراق : الم يكن حكم صدام حسين حكم فرجه , او لم تكن الحرب الامريكية على العراق حرب فرجة وتفرج ؟!

 

ولاحظوا معي كل عناصر العرض المسرحي للراهن العراقي سواء من محكمة صدام حسين والتي سوف يصاب كثيرين بالاحباط فيما لو انتهت ,بغظ النظر عن نوع الحكم, فهي بالتالي توفر مقداراً من لذة التفرج ..((تفرج)) يوازي لذة صدام حسين بالعرض , عرض خطبه وحماسياته التي هي امتداد لمشهد فرجة سالف .

 

لاحظوا معي محنة العراقي مع الارهاب : الارهاب يحقق نصراً تلو آخر وكل الذي نخرج منه في كل مرة , هو مجموعة من لقطات ومشاهد تثير لذة الثأر او لذة اليأس والشتيمة او الشماتة

 

حتى الكثير من المواطنين الذين يأنون بشكاويهم , تجدهم بدل معاونة الدولة  الجديدة في مقاومة الارهاب وعودة حزب البعث , فانهم يكتفون بموقف المتفرج , اما موقف شعوب دول الجوار فحدث ولاحرج فنحن لازلنا نمد قنواتهم الاخبارية بمشاهد دم طازج مئة بالمئة , وهم بدورهم مكتفون بدور المتفرج . هذا التفرج الذي وصل حتى بمستوى عدم المساعدة بمنح بعض الكتب للجامعة العراقية آبان افتتاحها الجديد , بينما كان الفرنسي يعبر عشرات الكيلومترات بزورق صغير ليصل الى المكتب المختص في فرنسا لمساعدة الجامعة العراقية , بينما شقيقنا العربي والايراني ان لم يكتف بالفرجه فهو يمنحك القنابل والمفترجات باعتبار ان وزنها اخف بكثير من الكتب حسب ميزان العقل الشرقي !

 

بل لاحظوا معي هذه الصحف والمواقع التي لاتنشط الا برصد الفاضائح صدقا او كذباً وتحت اسماء مكناة او رمزية ..مأجورة او متطوعه : اين ذلك الشغل المهني في تفكيك جديد العقد الاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية فضلا عن السياسية ..لاشيء هناك , فحتى المثقف يفكر بجمع مقدار اكبر من كتب تثري اسمه وتجعله صالحاً لان يكون اسم يثير الرعب والحذر لدى المتلقي , لذا فهو يتعلى ان ينخرط في مشاكل يومية , اي انه مكتف ذاتياً بلذة التفرج .وهكذا حينما نأتي الى الصحف والمواقع الالكترونية والتفلزيونية , وبعد التأكد من مدى دقة عرض المذابح والكارثة ,فان كل واحد منا سيقول لصاحبه:

 

(( اتمنى انك قد قضيت وقتاً ممتعاً )).. ((هذا الموقع مسلي )) ... ((انا استمتع بقراءة كتابات فلان )) ...الخ 

 

اي ان التسلية لدينا هي احد انواع الكارثة و الكارثة باتت لدينا نوع من انواع  التسلية !

..........................................................................

سدني - استراليا

http://www.kitabat.com/alherz_lateef.htm