|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
29 كانون الثاني 2006 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
زوارق النبذ .. صمدية المعنى داخل الشتات - 1
كتابات - عبداللطيف الحرز
بدءاً لنلقي نظرة انطباعية على هذه الزاوية في معرض الفوتغرافي العراقي احسان الجيزاني .
اعني تلك
الزاوية الموظفة والمرهونة لحظتها الفنية بـ العاديه , حيث ان ماهو مأخوذ
كنموذج هنا (=في هذا القسم من المعرض فقط , اما في غيره فالجيزاني ينحى طرق
مختلفه) , لايتعدى لقطات زورق مقلوب .. زروق مرمى خارج النهر .. قطع بدائية
يصعد عليها بعض الفقراء كي يصطادوا في مياه
وهي لقطات جد مألوفه بامكان الكثيرين التقاطها , خصوصاً وان احسان الجيزاني , لايتدخل اي تدخل في هذا الصور , حالها حال قسم كبير من معرضه ومنجزه الفوتغرافي , الشبيه بهذه الحالات المماثله .
فاذا كانت العادية ,هي السمة العامة والجلية في هذا القسم من الصور والنماذج , فاين الفنية والبعد الاستاتيكي الذي يفترض ان الفنان ملزم بتقديمه بعتباره يقدم احترافاً وليس هواية ؟!
هو سؤال ينسحب على اعمال فنانين كثر بلا شك , وهو سؤال يعد احد مشكلات تعاطي الفوتغرافي كقسم من اقسام الفن بنظر الناس والمتلقيين
من اجل مقاربة القول الاكثر حظاً في الاجابة , علينا ان نعاود الى ذات المسائله واعتراضية المنع ومن ذات خبئية المسائلة اعلاه , من :
1_ ان هذا القسم من معرض الجيزاني , هو مجموعة صور كان بالامكان للشخص العادي التقاطها وجلب الانتباه لها
2_ انه لاتوجد للجيزاني , اي تدخل صناعي في الصورة , حيث النموذج باق على ماهو عليه خارجاً , وبكامل تحققه الفعلي الاول .
واذ ذاك فلنمط بالسؤال ذاته الى منتاهه :
لِمَ لايلتقط الانسان العادي مثل هذه النماذج ويقدمها كسجالية ما , مادمت هي متاحة وسهلة كما هو مدعى ؟!
اذن فهذه النماذج هي بحاجة الى نوع حساسية خاصة تُثار في تخوم الشعور , كي تكون من ثم عنصراً مهماً يستحق عناية الرصد
عليه فالنموذج الفني مُعطى يتحقق على صليب اخشابه الثلاث :
الحدث الذي يشع اشتراطاً نفسياً , والحساسية الخاصة التي تتعاطى بهرمونية (اوهريونية) , والمعنى الذي هو وليد هذه المعالجة. ومقدار هذا الوليد مرهون بعمق الحدث وكثافة اشعاعيته التأثيرية , وبعمق العقل والروح (=الفنان) الذي يتلقاه , ومن ثم ان يخلق منه معنى مجسداً , ولهذا قال مايكل انجلو : { المصور يصور بعقله لا بيده}
في حين ماهو عادي محض خال من الرؤية الاستيتكية هي لقطة تصورها اليد والاصابع فقط ,اذ هناك فارق كبير بين الصورة باعتبارها تنظيم معين للافكار , وبين الصورة باعتبارها مجموع اختيارات لونية وشكليه.
اذن فليس هناك ثمة قاعدة بان ماهو عادي غير متاح له ان يكون فني . لذا في اغلب الاوقات يخرج الفنان عن خطوط اي قاعدة مسبقه , او بحسب تعبير غوته في كتابه آلام فرتر : { فإن القواعد تجني على الطبيعه}
الامر الذي يفسر لنا لماذا نحن نعود دوماً الى المنهاج الاستنباطية وترك المناهج الوضعية والتجريبية , كلما وقفنا امام منجز الفن, بهذا لن يكون تنظير ((كرتشفيلد)) دقيقا , رغم ماسعى اليه شاكر عبدالحميد في بحثه المعنون : ((في فن التصوير))
لكن هل الامر عادي هنا فعلاً ؟!
بشيء من الدقة يستوقفنا امر هذه الزوارق التي يعرضها الجيزاني هنا , اذ جميع الزوارق تقريباً موضوعة بشكل غير طبيعي , حيث يندر ان تجد زورق يؤدي وظيفته المفترضه : زورق خارج الماء .. زورق مقلوب .. زورق مفكك بدائي .. زورق جامد وقت الزوال ..الخ
فاذا كانت وظيفة الزورق انه اداة وصول وايصال , فان زوارق الجيزاني بعيدة كل البعد عن مثل هذه الممارسة , انها ليست زوارق وصول وانما هي زوارق هجر ونبذ .. هي زوارق تشارك فئة انسانية مكشوط جلد انتمائها عن عظم ارضها واهلها , اذ غنى الزورق وفاعليته او بؤسه وعطالته , مقترن بصاحبه وبما به من خطب جليل اوجلل في الربح او الخسران
فهذه المنطقة التي تحتل قسم كبير من معرض الجيزاني , اعني منطقة الجنوب العراقي , يتلازم فيها الانسان والزوارق , في مظهر تعبيري موجع عما حدث هنا من فاجعة شمل خرابها كل شيء .
فاذا كان التصوير {هو الاسلوب الذي يعوض الانسان عن قصور ادواته وحواسه عن التذكير المستمر , والابقاء على الحدث او الغرض مدوناً بطريقة صادقة لاكذب فيها او التواء } , كما يجتهد محمد نبهان سويلم ص13 من بحثه التصوير والحياة (=وان كنا نتحفظ على مقولة الصدق والكذب بهذا التفسير السطحي) فان الجيزاني هنا لاشك يبتغي تخليد مشهد الفقد وماحققه الخراب , وكيف يمكن للانسان ان يهدم مقولة الانسان حتى لكان النسيان موضوع مرضي غير طبيعي , حيث تكون مقولة الشر الباترة لكل شيء مربض النية لكل فعل, وهذا يفسر لنا هذا الحضور الدائمي لعنصر الارض في جميع الصور التي يلتقطها الجيزاني , فلا يكاد مشهد يخلو منها
وهذا بالذات مايفسر:
1_ ان معرض الجيزاني قائم على نقيض تنظير مدرسة الزن (=راجع :الصورة_الزمن ص23\جيل دولوز) , حيث ان الجيزاني لايؤمن بان ثمة شيء مالوف ومبتذل وعادي , كل شيء فيه كمون ان يتم عرضه كنموذج استيتكي
2_ ان هذا يفسرعنصر امكانية التداخل في مشغل الجيزاني ووظائفية عدسته ,معاً , والابتعاد المرصود عن منهج العرض الارتقائي , نهائيا ودائماً.
بذلك لم تكن ثنائية الجيزاني هي النور والظلام , او النور والنور ..وانما : الضوء والارض , تحديداً . وعليه كانت كاميرا الجيزاني ثابتة الجهة وان بدت في بعض الاحيان متحركه.
واذا كان اي فن هو في اساسه عملية تواصل (=مهما كان وان حاول الفنان الانفلات الى داخل نفسه والى اللاوعي ) , وكما تبنى ذلك ((غومبريتش)) و ((حوليان ليفي )) و ((كلكهون)) وقسم مشابه من نقاد آخرين غير مرة , فان هذا يعني ثمة قراءة معينة للزمن , قهراً , وحينئذ نلج كيف ان الصورة الثابتة هنا زمانها ليس واقف ايضاً , فهذا التنوع والتأشكل والتداخل , وتنوع الحلات البشرية وابراز اكبر قدر ممكن بما حل بالموجودات الاخرى المصاحبة للانسان ( امر يفسر لنا توأمة الجيزاني للاشياء مع الانسان مثل تسميته لزورق بـ الغريب , وآخر بـ اليتيم ..الخ ), من تغير وعذاب , مكّن الجيزاني من يخلص صوره من براثن الازمنة الميته (بخلاف لو جعل الجيزاني معرضه ارتقائيا كما هو دأب غالبية الفنانين , حيث يكون كل قسم ارقى من القسم الاخر في المعرض ), انطلاقا من تعبيرية اختصر كيرجور, اجتهادها من :
كل قطعة من الجمال ينبغي ان تقاس في انسجامها (=انظرص333 ج2 من موسوعة الفلسفه \بدوي)
فبرغم كل هذا الخليط في لوحات الجيزاني , لانشعر ثمة بينونة بين اللوحات والصور الملتقطة , رغم ان الجيزاني لم يسر بطريقة واحدة فيما بينها , فالمعرض يقدم معنى صمدي داخل شتات المواضيع والحالات , الامر الذي يجعل المعرض صور تتدرج المقاصد ويتسلل بعضها الى بعض , لبلوغ كثافة معنى متوحد
وهذا التوحد يعد نموذجي في موضوع الزوارق , فاهل العراق قديما كانوا يطلون مشاحيفهم بذات الغاراء الذي يصنعون منه آلهتم , ولعل ذلك ان كل من الالهة المجسمه والزوارق , يحقق ثيمة الوصول ومحاولة القرب من ظفة الى اخرى
لكن اليس الفن (=التصوير هو حالتنا هنا) هو عملية مقاربه ..زورق لبلوغ او تجسير مع الظفة الاخرى ؟!
فمادمنا قد ارتضينا ان اللوحة الفنية هي تجسيد لمعانقة العقل والروح , وليس شبك الاصابع على زر الكاميرا او فرشاة الرسم , فان هذا يعني ان الفنان يبحث دائما عن محاولة ((تسويه)) .. تسويه بين ماهو خيال وحلم وامنيه , وبين ماهو واقع وفاجعه
فاذا كانت محاولة التسويه هي رهينة الوظيفة في الفوتغرافيك , عندها يكون امراً لايحتاج الى كثير عناء لمعرفة ان المعنى المتوحد بنفسه في جميع الصور المنجزه للجيزاني هو : الفقد , وهو معني صمدي غير قابل للتثقيب , حتى كأن العودة ومعاودة اللقاء امور لاتنتمي لعالم الفنان وانما هي امر قد تتحق في عالم سيكون قد غادره ووقّع عليه امضاء الرحيل , او عالم جديد في النفي والهجران والقيامة الثانية للنبذ .. وهذا يحقق معنى متداخل متسلل , وبعد مختلف لمعنى صمدي مغاير وشتات اكثر فتكاً وتصبراً ! ............
سدني - استراليا
http://www.kitabat.com/alherz_lateef.htm
|