الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

12  كانون اول 2005

 غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

الدولة المستورده - 2

 

هنا نجد انفسنا امام اجوبة السؤال العراقي الجديد:

(( لِمَ كل هذا الحقد وهذا الاحتفاء الجماعي من قبل بلدان الحكومات العربية والشرقية , بالمجازر العراقية , وخلق تأويل لهذه الممارسات النازية المتوحشة باسماء ذات مفارقة واضحة من قبيل : المقاومة والجهاد ؟!

 

من الواضح ان الامر اكثر عمقا من مجرد وجود اخاديد للحزب الحاكم السابق يحاول هو ومن كان يستفيد من محاصصته المالية والطبقية (=مثل اهالي تكريت والعوجة والمناطق المشابهه واقاربهم واصدقائهم في خارج العراق) اعادة السلطة بايديهم ..هناك مفتاح لايزال بيد حزب البعث وصدام حسين , يفتح به ابواب الجحيم على الشعب العراقي , حتى وهم خارج السلطة , ..كيف بعد مشاهدت كل هذه المقابر الجماعية ,ووجود كل هذه الملايين في بلدان العالم , كمنفيين ومطاردين , لازال العرب ينتحرون دفاعا عن صنم صدام حسين وحزب مشيل عفلق ؟! ))

 

لنلاحظ اولا ان العقيدة الوهابية و حزب البعث في العراق وبقية البلدان ذات الغالبية العربية , ظهركلاهما بعد فترة ليست بعيدة من سقوط الدولة العثمانية وانحسار الاستعمار الغربي المباشر . وكلا من الدولة العثمانية والاستعمار الغربي , كان لهما سياسة الغاء الهوية العربية ومحاربة لغتها (=سياسة التتريك والافرسة , مثلا) , لذا فشعار ((امة عربية واحدة )) سيكون له اثر بالغ في ذات جريحة , ازداد وجعها بعد الاستيطان الصهيوني في فلسطين , لذا تجد ان صدام حسين ابقى لافتة فلسطين ورقة سياسية بمثابة ((جوكر)) لكل حالة فشل واحباط وحرب خاسره .

ولنحاول هنا ايجاز صورة يمكن معرفة تفاصيلها من كتب التاريخ التي لاتحتاج ان نكرر سطورها هنا, لنقارب هذا الشعور العروبي في ولائه لطاغية بحجم صدام حسين:

 

لقد كان اول انقلاب عسكري في تاريخ العراق هو انقلاب الجنرال الكوردي ((بكر صدقي)) سنة 1932 , وهو زمن ليس بعيد عن حوادث سنة 1916 حيث زحفت القوات البريطانية من شمال البصرة الى كركوك واستيلائها على خارطة العراق بغظون اسابيع قليلة , وسنة 1920 حيث خططت الادارة الانكليزية بدون الاكتراث لمشاعر الناس ولا مصالحهم , الحدود بين العراق والكويت ,تمميا لمشروع اعادة تقسيم المنطقة (= نحن نقول ((اعادة تقسيم)) اذ هذه الارض كانت مقسمه دوما وليس صحيح ابدا مايقوله الفكر القومي عن وحدة هذه الارض ) , وسنة 1920 نصبت الادارة الانكليزية عائلة الشريف حسين ملوكا على العراق , وهم عائلة كانت مطاردة هاربه من بطش قوات آل السعود لهم ,خصوصا بعد تلاشي الثورة العربية الكبرى.

 

اي ان الانقلاب العسكري الاول كان محفوفاً بجرح عام هو الوجود العسكري الغربي في اراضي هذه المنطقة , وجرح خاص هو ان ادارة المحتل الانكليزي كانت ترضي اصداقئها في الحجاز والرياض , بتنصيبهم في بغداد , رغم ان هذا التنصيب كان مرضيا لدى الكثيرين من الناس (بعكس ماكان يظنه الراحل عبدالرحمن منيف) لكون الملك عربي هاشمي , اي ان الامر متربط بمخيال ان البيعة هي للـ((الرضا من آل محمد واهل البيت)) حسب المدرسة الشيعيه, و((ان الامامة في قريش)) حسب المدرسة السنية , لكن مع ذلك كانت دولة امرا مستوردا قائم بقرار خارجي.

 

هذا الحس الديني كان ضروريا خصوصا بعد تفاقم الازمة الفلسطينية , لذا كان طبيعي ان تقوم حكومة نور سعيد في 1951 و 1952 , باجلاء المواطنين من الطائفة اليهودية , من العراق , ليس حفاظا على فلسطين وانما حفاظا على العرش الملكي , فالازمة الفلسطينية هي جرح عقائدي قبل ان يكون سياسي , وهذه بديهية يضمرها كل حكام في هذه المنطقة , كمبدءا اول والا فلن يطول مكوثه مهما كانت شعبيته وقوته .

 

بيد ان نوري سعيد في عام 1955 عقد مع بريطانيا وايران وتركيا وباكستان ماسمي بـ((حلف بغداد)) , وهو حلف اسس لمواجهة الخطر الشيوعي , وكان يمكن لهذا الحلف ان تكون له شعبية كبيرة لكونه بصالح الفكر الديني , الذي كان حائرا مظطربا لايدري ماذا يفعل بطوفان المد الاحمر,الذي كان انجح دعوة شاهدتها البشرية فلا المسيحية ولا الاسلام انتشرا بتلك السرعة الهائلة للفكر الماركسي والبيان الشيوعي , بيد ان الحلف لم يكن موفقا في ذلك لا لكونه مرتبط بمخيالية العدو الغالب المتمثل بادارة الاجنبي , وانما بسبب آخر جديد هو الاخر يتمثل بتلك الصفقة التي وقعها القائد الراديكالي جمال عبدالناصر , ذلك التوقيع الذي عرف باسم ((الصفقه التشيكيه)) فكان عبدالناصر اول من ادخل السلاح السوفيتي علانية الى الشرق , الامر سيكون اخطر تفاقما بحوادث سنة 1956 , حيث تم تأميم قناة السويس واندلاع الحرب الثلاثية ضد مصر ومن ثم نكسة حزيران الذي لازال دويها هاءلا حتى الان .

 

كل هذه جروح عميقة دامية بالنسبة للناس , وخصوصا للعرب والمسلمين , الذين قرأوا الامر بانه تجديد لحرب صليبية وعداوة تاريخية مع اليهود , لذا لم يكن بود في الرابع عشر من تموز عام 1958 اسقاط الحكم الملكي على يد الزعيم عبدالكريم قاسم والضباط الاحرار , وطبيعي ان تكون الثورة محكومة بكارزمية الدفاع عن فلسطين وتأميم الثروات الوطنية في كل مكان, بيد ان هنا ظهر مفصل شائك :

 

 فحزب البعث وهو الحزب( الذي كان عبارة عن مجرد جماعة صغيرة ليس الا اخذت تتحرك عام 1948 , وهو عام حداد العرب والمسلمين على فلسطين)  ,الذي ادرك منذ البداية ان الحركة الشيوعية ليست طويلة الحياة لكونها نظرية مستوردة بالكامل , حالف عبدالناصر وحاكا طريقته الخطابية (وحتى اللحظة الاخيرة كما نشاهده اليوم في بهلونيات صدام حسين في قاعدة المحكمه) , بينما عبدالناصر كان ينظر للزعيم عبدالكريم قاسم بكونه المنافس على عرش الوجدان الجماهيري , اذن على حزب البعث ان يوالي عبدالناصر لكن بدون ابداء الرضا بولاءاته السوفتية . تلك الولاءات سوف يعرف حزب البعث الاستفادة منها في انشاء جهاز مخبارات يعيد صياغة منظمة حنين (جهاز تصفية كل من يكون عقبة بوجه حزب البعث العراقي قبل استلامه للسطلة) واعادة تجهيز الجيش العراقي , اي في حين كان الحزب الشيوعي العراقي يرفع الشيوعية كـ((عقيدة)) فان حزب البعث سوف يدمر المعارضة بالسلاح الروسي كـ((ممارسه)) , مع ذلك سيبقى هناك من يعزف النغمة الشيوعية القديمة حتى بعد سقوط صدام حسين!!

 

عملية الاطاحة الجسدية بحكومة عبدالكريم قاسم , سبقتها زعزعة فكرية , بكون قاسم ضد عبدالناصر , فهو اذن ضد العرب (=خصوصا وان قاسم لم يكن راضيا عن الوحدة المصرية السورية , ثم اراد ضم الكويت) , ازداد الطين بله بعدما لم يجد عبدالكريم قاسم سوى الشيوعيين حوله ,وحصول معارك بين الشوعيين والقومين وصلة حد المجازر المروعه كماهو حال حوادث الموصل الشهيره .

في 8 شباط سنة 1963 ,اطاح حزب البعث, انقلابيا كماهي سجية السياسة لدى العقل العربي دائما( احمد حسن البكر هو ذاته احد الضباط الاحرار !) , وقد بث التلفزيون مباشرة جثة عبدالكريم قاسم , كطريقة لانهاء اي حالة تمرد محتمل ,وهو درس كان على السادة في العراق الجديد ان يستوعبوه جيدا بدل ذلك العرض المسرحي لمحاكمة صدام حسين , (=لانعني قتل صدام وعرضه طبعا , وانما التأمل كيف لانثير نارا فوق النار, فالعرض المسرحي اجج حفيظة المؤيدين للطاغية بعد كل جلسه , وازاد عدد المعتوهين به) .

 

لم يكن حزب البعث في العراق عشاوائي التحرك ابدا كما اشاعة احزاب المعارضة ذلك , على العكس هنالك خطوط لم يحد عنها حزب البعث اطلاقا مثل : ملازمة النفخ في قربة النرجسية العروبية , فحتى اعلان الحرب على ايران تحولت الى حرب العرب المسلمين ضد الفرس المجوسيين , لذا كان دخول الجيش العراقي منطلق من لافتة نصر العرب في منطقة الاحواز , اي ان حزب البعث صور تلك الحرب على انها حرب العرب والعراق حامي بوابتهم الشرقية ,.

وحتى اعتداء صدام حسين على الكويت  لم يكن له ردة فعل تستحق الذكر في الشارع العربي ( =اهلنا في الكويت يدركون هذا القول اكثر من غيرهم ) فحتى اقرب الصحف (مثل صحيفة الشرق الاوسط حين ذاك  ) لم تذكر خبر الدخول الا بعد ايام عديدة , الشارع العربي كان مخدرا بوهم الوحدة العربية , وان العراق المحكوم بعثيا, سيف العرب وفارسهم , تلك الاداعاءات التي لم تعمل احزاب المعارضة طوال تلك السنين مواجتها وفضحها فتحولت تلك الاكاذيب الى حقائق في اذهان طوائف عديدة , خصوصا وان غالبية العرب هم مرتبطون بالمذهب السني ,فكان طبيعي ان يتوجس المحيط الشعبي العام من صورة رجل عجوز معمم بعمامة مختلفه اسمه الخميني  او محمد باقر الصدر ,في الامس ,او السيسستاني اليوم , بينما صورة صدام ببدلته العسكرية , صورة مألوفة لكون العرب اعتاد رؤية هذا الطاغية الحفيد لاجداد حاكمية الغلبة والانقلاب الدموي الخالد , فحتى البندقية التي كان يواجه بها صدام حسين لم تكن سوى تلك العصى المثقلة بالدرة المعدنية التي كان يضرب بها خليفة المسلمين ايام زمان .

 

وايضا لازم حزب البعث اعلامية النصرة لفلسطين والمعاداة  الصوتية للصهيونية والامبريالية , فكان العراق كبقية دول عربية وشرقية عديدة , ترفع الشعار المعادي للغرب باليد اليمنى , وتقضم الشكولاتة والسلام الاجنبي باليد اليسرى .ولعل دولة مثل قطر تعد نموذجية هنا , فهذه الدويلة هي اجرأ دولة عربية في تعاملها مع اسرائيل , وهي ذاتها من انطقلت منها صواريخ امريكا لضرب العراق , وهي ذاتها التي تحتظن اكبر قاعدة حربية غربية في المنطقة , فمن حيث التعداد البشري يقدر عدد عاملي القاعدة الامريكية بما يساوي ثلثي الشعب القطري , ومن ناحية المساحة فالقاعدة الامريكية تساوي ثلث الارض القطرية , مع ذلك يقف نجيب النعيمي , وزير العدل القطري السابق , كمدافع عن صدام حسين وشاتما المحكمة العراقية بانها باطلة لكونها تقع تحت الاحتلال الامركي !!

 

alnemer_1980@hotmail.com

 

(سدني- استراليا)