الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  كانون اول 2005

غريب على الطريق

 

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

الدولة المستورده - 1

 

المفهوم الجديد الذي ندخله الى فضاء التداول الثقافي , اعني مفهوم ((الدولة المستوردة)) , يقتضي ان يكون هناك مقابل له , وهو الدولة المحلية الصنع , فماذا نمتلك نحن من مفهوم عن الدولة الوطنية الصنع؟!

في العصور المكونة للتراث , سنجد انه لامعنى لان يكون الشيء ((دولة)) وهو في نفس الوقت ((وطني)) الصنع , الدولة دوماً هي امر اجنبي .

فعلى الرغم من وجود ممالك لدى العرب والشرقيين المشاركين لهم هذه الارض , فان سيادة الامر بقت للقبيلة كقعادة اساسية , وبقي عقلها هو المتحكم في الشكل والمضمون لاي تكوين سياسي,وعليه فما ان تطلق كلمة دولة , ككيان سياسي , في ذلك الزمن , حتى يتداعى اسم اليونان والرومان والفرس.

وبعد مجيء العقيدة الاسلامية لهذه الديار , تقدمت هذه الشعوب عمرانيا وانتقلت من طور البداوة والقبائل الجبلية والاطياف الريفية , الى التحضر , لكن بقي مفهوم الدولة بدون اي تطور لدى العرب والمسلمين ومترجميهم اليهود والمسيح والكتاب اللادينين , حيث بقي مفهوم الدولة قرين الاستحواذ الفردي وعصبته ,وبين مفهوم ((العدل)) .

وقد كان بالامكان لهذه الثنائية ,فيما لوجرى تفكيكهما واعادة النظر الحر لهما ,انجاز تقدم سياسي كان ,فيما لو تحقق, ان يكون اهم منجز معرفي سياسي بعد اطروحة اليونان . اذ يمكن النظر الى العنصر الاول (=عصبية الفرد) بكونه سلوك بشري طبيعي السجية ,معلل بجملة اسباب نفسية واجتماعية , وكون الثاني (= العدل) عبارة عن بحث عن فطرة الانسان بماهوهو , حيث ان رفض الظلم قبح عقلي بغض النظر عن منظومة العقل الديني .

 

لقد كان بالامكان فعل ذلك (نظريا اولا وبعد مسيرة طويلة يظهر الاثر العملي) , بيد ان شيء من ذلك لم يحدث ,فالاستحواذ الفردي واحتكاريته ,بقي عصي على المقاربة لكونه مرتبط بميراث اجتماعي بدوي وعصائبية سايكلوجية جمعية , يمثل الهوية القومية .فيما مفهوم العدل بات حبيس الموروث الديني ,فالعدل هو دوماً عدل ((الهي)) شرعي وفقهي , والا فهو ظلم .

هكذا كان هناك اجهاض مستمر من قبل عصور التكوين لنصوص الهوية والتراث , لكل تجديد في العقل السياسي العربي , لذا فنحن منذ رحيل المعلم الثاني الفاربي سنة 339 للهجره , لم نستطع تدوين بحث جاد في الفلسفة السياسية كمشروع داخلي , الا اللهم ثلاث مشاريع :

 

1_ مشروع الجامعة الاسلامية على يد جمال الدين الافغاني

 

2_  مشروع الدستورية الذي فتح النائيني باب تطويره

 

3_مشروع الاخوان المسلمين السني ونسخته المعدلة الشيعية المتمثلة بحزب الدعوة العراقي , ومن ثم انحدار اطرف السني الى وحل العقيدة الوهابية وحركات الارهاب , فيما انحدر الطرف الشيعي صوب احياء فكرة  قديمة هي المهدوية ودولتها

 

4_ اطروحة ولاية الفقيه, وهي اطروحة لازالت متبدلة المعالم رغم العمر الذي قضته في التطبيق , وهي في جوهرها صياغة اخرى لتقسيم الولاية الى عامة وخاصة تنبه اليها الفكر السني وقدم فيها انتاجات عديدة حذره كما فعل علي عبدالرزاق في كتابه (( الاسلام واصول الحكم)) ,وبهذا فحتى  نظرية ولاية الفقيه هي متأثرة بالفكر السني وليس كما ظنه احمد الكاتب في بحثه ((تطور الفكر السياسي الشيعي )) , فالفقه الشيعي يعتبر الاقتراب من السلطة, بدون حضور الامام المعصوم, نوع من الذنب دوماً .

 

فكرة الدولة هي مشكلة المشاكل لدينا , ليس سياسياً  وتطبيق يومي معاش , وانما عقائديا وسلوك نفسي ذا حراك , اذ الدولة كفكرة هي ذاتها ما كنا ولازلنا نسميه بـ((الفتنة الكبرى)). الدولة هي الفتنة والمحنة بدءاً من حادثة السقيفة وحتى التصفية الطائفية في العراق اليوم ..الدولة قامة لدينا ليس على التنظير _ الممارسه , وانما على اساس الفعل_الاقصاء , في السياسة نحن لازلنا نبرز العمل حافي من الرؤية , وكأن السياسة تقع دوما خارج الثقافه , بينما في الغرب السياسة جزء من الفلسفه , وهو تقليد استمر الى الان وقبل كتاب ارسطو ومن ثم سبينوزا بزمن بعيد .

لازالت السياسه غير مرتبطة لدينا بتأمل موزانة مصالح الواقع الحاضر , وانما هي رهينة مخيال التاريخ وحباله وقيوده , حيث التناحر القبلي واقصاء الانصار (=سكان المدنية ويثرب ) وجعل الامامة في قريش , ثم اقصاء الموالي (=ابناء القوميات الاخرى من غير العرب والمسلمين) .

وبما ان السلطة تحتاج الى قناع الشرعية ثم قولبة الثقافة كمشجب سلاح لتصفية المعارضة , بدءا من منع مطاردة الرأي الاخر باسم حروب الردة على يد الخليفة الاول ثم من الخليفة الثاني تدوين احاديث نبي الاسلام , وحرق القراءات الاخرى للمصحف على يد الخليفة الثالث , بعدها سوف يستتب الامر باعادة تركيب ذاكرة جديدة حسب ذوق السلطة السياسيه على يد المأمون ,فتكون ذاكرة الامة هي ذاكرة السلطة ,وعصر التدوين يسجب كل ماهو قبله .

بهذا اتحد الشِعر والتاريخ والفقه في رواق السلاطين , باعتبار ان الشعر والتاريخ ,الوجدان القومي , والفقه باعتباره الوجدان الديني ,فباتت هناك اخلاق يجب مراعاتها للملوك , وواجبات فقيه لبيعتهم وطاعتهم وتبرير لخطائهم , بدءا من تاريخ ابن حزم ثم اغلاق الاجتهاد بمرسوم ملكي بما راق للبخاري ومسلم والنسائي ومشايخ المذاهب الاربع , وتنصيب العقيدة الاشعرية التبريرية ,عقيدة واحدية باعتبارها الاسلام ((الصحيح)) ليكون ماعداها اسلاما خاطأ يحتاج الى التصحيح بمشايخ الوعظ والا فبسيف وتفجيرات ومفخخات القصاص , اي تم خلق مماهاة كاملة مابين ثالوث الثقافة, شِعرا وتاريخا وفلسفة , والدين فقها وعقيدة , والسياسة , اعلاما وادعاءا , بامر واحد هو :تبرير الواقع السياسي .

 

فالواقع السياسي هو الصح دائما فـ((الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن)) وحتى الظالم فهو ((سيفي انتقم به وانتقم منه )) , حسب مرويات الصحاح الستة , اي ان وظيفة العقل الشرقي والعربي باتت هي تأويل ممارسة السلطان دائما ,فكل معصية هي دون معصية الثورة وعصيان السلطة القائمة ولو قتلت الحسين بن علي قديما او استباحت الحرم المكي وحرمة المدينة كما فعل جيش الاخوان ثم استباحت الحرم المكي مرة اخرى , من اجل اشادة الدولة السعودية جديدا, تماما كما يفعل العقل العربي الان من ممارسة تأويلية مضحكة دفاعا عن صدام حسين .

الامر طبيعي جدا فما دام الحق شرعا ومخيالا مع من يمسك بعصى السلطة , اذن فالحق معه دائما , هذه قاعدة اجلاها ببشاعة الكاذب المحتال ابن خلدون بنظرية العصبية , تلك النظرية التي سبقت محاولة هيجل في عقلنة الاستبداد والحكومات المتغطرسة الغالبة , (=وليس غريبا ان ابا يعرب المرزوقي حينما اراد عقلنة ابن تيمة جعله توئما لبن خلدون بالخصوص) , بهذا انتهى كل تنظير للعدل حتى بمفهومه السماوي منه مادامت العقيدة الاشعرية تجيز ان يكون الله ظالما فكيف بالانسان الحاكم ؟!

 

لذ من الطبيعي جداً ان يحدث كل هذا الزلزال في منطقة الشرق الكبير ,بظهور شعب يتجه صوب صناديق الاقتراع فلا يستطيع حتى رجل الدين الاول ,السيستاني, سوى ((تشجيع ليس الا)) هذه القائمة الانتخابية او تلك , ترك الاختيار للشعب  , الشعب الذي نظر اليه العقل العروبي الرسمي بانهم ((العوام)) , بينما عدهم العقل الشرقي المعارض جزء لايتجزء من نظرية حق الطاعة .

ما فعله الشعب العراقي من اقتراف محاولة نزع  اغلال عقيدة الجماعة الجامعة,هي   ظاهرة تعد شذوذا في مسار هذا التاريخ الطويل من ممارسة سلطوية قائمة على النقلاب ,بدءا من انقلاب السقيفة الشهير , وحتى انقلابات الاحزاب العربية والباكستانية , تلك الانقلابات التي كانت تُفرّخ نوع من اللافتات الصحفية والادعائية تسميها ((ثقافة)) , بينما هي ممارسات نفعية لفئات مريضة, لذا اتسمة السياسة طيلة هذه المدة بانها مجموعة اشخاص تتبعهم محاصصات لعشائرهم والمناطقة السكنية التي ينتمون اليها , ومن ثم فلم تكن السياسة نوع من فاعلية العقل البشري لتحقيق مصالح جماعية ..السياسة العربية والشرقية , هي ممارسات صوب تحقيق مآرب شخصية ومناطقية دوماً , والثقافة لديهم محصورة منغلقة , فكل فكرة لابد ان تأتي اما من الدين او التاريخ , وكل ما عدا ذلك هو ((غزو)) ثقافي , وتجربة مثل العراق الجديد تضع العقل العروبي وجها لوجه امام الفكر كحق انساني ولي ايماني , وهي مسألة لم يسبق للعقل العروبي ان تعامل معا الا بكونها احد انواع الزندقة او الردة التي تستحق التعزير واقامة الحدود والقصاص .

 

alnemer_1980@hotmail.com

 

(سدني - استراليا)