|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 كانون اول 2005 |
|
غريب على الطريق
شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
اللهم اكِثر اعدائي : الى شلش كي يستمر في الكتابه
كتابات - عبداللطيف الحرز
في تراثنا القديم قال جنكيز خان مرة لاحد الشعراء : لو تم عرضي في السوق فكم سيكون ثمني ؟! , فاجابه الشاعر: ((خمس عشر درهما)) . اندهش جنكيز خان : كيف وحزامي فقط ثمنه خمس عشر درهما ؟! هنا ابتسم الشاعر : انا قصدتُ تثمين حزامك فقط , اما انت فلا قيمة لك .
حكاية رائعة
تبرز ان المثقف - كمثقف - لايعرف التزوير ولو كان امام جلاد بحجم جنكيز خان ,
فالثقافة هي ان تثقف الشيء اي ان تصيبه
عليه فحينما تخرب السياسة تضيع رؤية التفكير بسبل المنظومة السياسية الصالحة التي تحفظ لنا اكبر قدر من المصالح وتبعد عنا اكبر قدر من المفاسد (=الذين يؤمنون بان الدين مصلحه ومفسده عليهم ان يدخلوا الدين بالسياسة هنا), وهذه مشكلة عانة منها جميع شعوب الارض , ولازالت الانسانية رغم وصولها الى الحل الديمقراطي والليبرالي , تعترف بانها لازالت تجهد للتخلص من بعض السلبيات , هذا في الغرب اما لدينا نحن , فالامر ارض سواد عملاقه اذ لا احد يعترف بسلبية ما , فحتى احزاب المعارضة كل واحد منها جنكيز خان لايثمن نفسه فضلا عن ((حزامه)) , المصيبة هنا _ والراهن العراقي والازقة الفلسطينية , شاهدنا _ ان اطراف الخراب السياسي (=الحكومة ومعارضتها..الاحتلال المفترض والمقاومة المدعاة ..الخ) كل منهم يريد تجيير الثقافة لصالحه وتحويلها الى وسيلة تسويق لامآربه واغراضه , وهنا يبات لدينا شاعر علماني يمتدح صدام بالامس , وشاعر حسيني يمتدح خليفته اليوم .. كاتب للعسكر .. وكاتب للمرجعيه .
وبما ان الهدم اسرع واقل كلفة من البناء , لذا تم هدم العراق بالكامل بدل اصلاح المواقع التي افسدتها حكومة صدام حسين , وقل كذلك بالنسبة للمحيط الكتابي , فهناك محاولة هدم كاملة لكل ماتم نشره بما في ذلك تحطيم تماثيل تاريخية من قبيل برج الملوية وتمثال المنصور , ومع كل هذا الخراب لم يظهر سوى نزر قليل يحمل راية القلم ويثمن بان العراق الجديد باحزاب المعارضة الشيعية , وتكتلات الارهاب السني ..., بالاطياف العراقية المستقلة , بجنود عراقيين ومدرعات اجنبية ..كل ذلك وغيره لاقيمة لهم الا بذلك المقدار من التقدم في الحزام الامني والعمراني .
وليس غريبا ان تكون الاقلام المؤثرة في الناس هي اسماء جديدة او مستعارة , ..جديدة مرتبطة بالشباب الذي كبر واشتد قلمه في بلدان الشتات العراقي , او اسماء مستعارة لازالت تريد المحافظة على جمرة الضمير لكنها محاصرة في داخل العراق( او اي بلد آخر) بين فتات حزب البعث العراقي القديم , وبين مليشيات التخلف الاجتماعي التي هي الاشد خطرا من اي شيء آخر . نعم هذه الاقلام تعاني من عدم وجود دور نشر تُعينها في اخراج نشاطها ..نعم هذه الاقلام تعاني من ظغط التهديدات والشتائم المنهالة عليها .. لكن ماهو اشد هو تلك البقية من اقلام ديناصورية العمر لاتريد الاعتراف بانها جيل منقرض , فحتى لو كانوا انبياء حداثة وشِعر وقصه , فان الانبياء قد ولى زمنهم اليوم ..او تلك الاقلام الصاعدة باموالها او صداقاتها وحبال الانتماءاتها .. هذا النوع المُخرف يتمتع بسبب طول عمره( او سلوكيته المنافقه الباحثة عن علاقات نافعه) , بصداقات ومعارف تطبل اسمه وتجدد حضوره , من جهة , وتحارب كل اسم صاعد خوف ان يغطى اسمه ويندثر ..هولاء هم : سلطة الاغتيال الكتابي والتصفية الفكرية. وهولاء ليسوا مرتبطين بحبل سرة كتابي (كأن يكون بيان شِعر وقعوه جماعة مثلا) وانما هم مرتبطون بنسيج اجتماعي حامل لامراض سايكوبيدية مختلفة , حيث ان هولاء مثل ذلك الاناني المترفع الذي لايريد الجلوس الا في صد الديوان والمظيف وقرب المنبر وقرب والمجلس وقرب الشيخ والملا وفلان .... الخ, لذ تراهم يحرصون ان تكون اسمائهم تكتب بطريقة مختلفة وبصدر الصحيفة, (بغض النظر عن مادتهم المكتوبة وصلاحية ان تكون هي المتقدمه) , هولاء الكتاب يكتبون وسطورهم تجرجر امراضهم العشائرية خلفهم .
وهنا و امام هذا الضغط قد يستشعر بعض هذه الاقلام المستقلة المتمردة , بانها قلة ,لذا فان موتها قريب فان ابطأ فهو قرار مؤجل ليس الا , فهو نافذ لامحال. وهو امر تحسسه ذلك المثقف الشاب القديم , هشام بن الحكم , حين اشتكى للامام جعفر الصادق , وكيف يكون الحق حق بينما لاتؤيده سوى الاقلية فقط؟! , فكان ذلك المعلم يجيبه بان الله لم يمتدح سوى القلة (= قليل من عبادي الشكور ) في حين ان الاكثرية وصف للذم (=واكثرهم الفاسقون ..وما اكثرهم ولو حرصت بمؤمنين .. واكثرهم للحق كارهون ..الخ ) , والامر جد طبيعي فالمصالح يلهث ورائها الجميع , اما شؤون الروح فلا منفعة حسية ورائها , بل بالعكس فهي تتطلب مصروفات لاتلحقها ارباح ولا عوض , لذا كان المثقف (بهذا الفهم) يمثل كسر القاعدة دائما .
لكن مم الخوف بل كيف يتعقل اوليس البطولة استثناءا ؟! ..وكيف يكون الصدق صدقا مالم تكن الكتابة استشهادا ..وما عساه ان تكون الكلمة مالم تكن قربان على مذبح الواقع ؟! كتابة الصدق في مجتمع متورم التخلف والانانيات , تكون السطور فيها اشبه بخيوط الضوء المقتحمة ظلمة الكهف البعيد. في هذه الحالة وفي مثل هذا المجتمع ما ان يحتفي بك الجمهور الا وعليك ان تشكك في نفسك , اذ قد تكون قد اصبحت مهرج الحفلة ومؤنسها وانت لاتدري , اذ في عالم الكتابة الامر بعكس السياسه :الحق لايكون مع الجماعة , وحتى حينما يمتدحك بعض المتثيقفين عليك ان تحذر ..تحذر من تسرب الانانية والغرور , وتحذر من ان يكون هذا المدح انعكاس لروح مريضة , فالمريض بعقدة كراهية المتفوق اما ان يدس لك الدسائس وينسج حولك الحكايات الكاذبة والتسقيط والتبثبيط والتهوين , ويبحث عن سقطاتك وهفواتك وشؤونك العائلية والشخصية الخاصة وكل ماعاساه ان يدلل شرطة السلطة الاجتماعية والدينية والسياسية عليك وتصفيتك روحيا وكتابيا وجسدياً , واما ان يصادقك مصادقة البنت القبيحة الكسولة للبنت الجميلة المتفوقه , فهنا حتى المديح سيكون نقيع سم يراد منه خدر لذة الفوز والنجاح , كي يدب الكسل شيئا فشيئاً, ثم يأخذ الكاتب (او الكاتبة) يعيد نفسه ويجترها فيكون ممللا , فلا يحتاج سوى الى دفعة قليلة كي يسقط من شاهق النجاح الى حظيظ الفشل والنسيان. (( احثوا بوجه المداحين التراب)) هكذا كان يقول نبي العقيدة الاسلامية , فان يواجهك كاره وجه لوجه , ليست مشكلة , فهنا كل يظهر ادواته وتُمحص قدرته, اما ان يوقع على بيان اغتيالك سرا ويمدحك علنا ..ان يؤاخيك براسئله سرا , ويطعنك بكتاباته علناً ..ان يؤيد قائمة انتخابات الان ويبيعك غدا مثله مثل هيئة معممين ترفع اسم الوطن بينما تسهل تسلل الارهابيين وتمويل عصابات القتله ..فهذه منظومة انحطاط اخلاقي , قبل ان تكون وعي معرفي ناقص ومبتذل .
الاحتفاء بمن يعادي والحذر بمن يمدح ,درس استوعبه المتصوف الكبير الحلاج, الذي كان يعاني من غيرة زملاء التصوف وغيرة زملاء الكتابة وحساسية زملاء الشهرة , الحلاج كان يدعوا ((اللهم اكثر اعدائي )) مستفيد من استاذ الدهر والمعلم الابدي علي بن ابي طالب هذه القاعدة (( اني لاستأنس بالوحدة واستوحش بالكثره)) , فالوحدة لاتبقي لك مع الحق من صديق , اما الكثرة فهي اقرب لان تكون عنوان كونك بوق للاخرين وليس باحث في غابة انكيدو حيث البراءة الخالصة , فانت تابع لحفلة الناس واهوائهم , فلست زميل لجلجامش السائر وحده في ذلك الطريق الوعر , الطريق الخالي من المصالح,حيث الناس تريد منازل جديدة .., تريد ملابس جديدة .. تريد زوجه\زوج جديد , قنوات تلفاز جديدة , تريد وطن جديد (يستورد او نذهب اليه) ... وتريد ((احزمة)) قديمة اصلية تشبه حزام جنكيز خان تحديدا ..قلة هم الذين لايفكرون بمشاريع سفر وتجارة ومنصب , اولئك وحدهم الذين يجلسون امام دكة القلم ويتطلعون نحو صلبهم الماثل المستجد.. الى تلك الخشبة المباركة ..ذلك الصليب المقدس المسمى بـ : القلم , هنا ..في محراب المعنى يترنم الناقد الحق بذات الدعاء القديم : اللهم اكِثر اعدائي ..اللهم اكِثر اعدائي , وهنا فقط ستدرك معنى آخر للأنس بلقاء الكتابة والوحشة عند لقاء الناس وبالعكس , وعند ذاك ستجد نفسك في بداية الطريق دوما , ففي عمق الغابة ستدرك لمَ الطيور دائمة الغناء ودائمة النحب ايضا .
سدني - استراليا
|