|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
29 تشرين الثاني 2005 |
|
غريب على الطريق
شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
الكتابة بين القناع والاقناع
كتابات - عبد اللطيف الحرز
في المصحات والعيادات النفسية هنالك بديهية تسمى بحيل الدفاع , فالمريض حينما يشعر بان الناقد والمحلل سوف يعري حقيقته الكامنه وكشف مضمرات النص الاختيارية والقهرية , يقوم بتحميل امراضه هو على الطبيب والناقد الذي امامه , لذا تجد ان الطبيب النفسي والناقد كلاهما تهال عليهما ذات الصفات (= التضخم النرجسي .. خيانة النص او خيانة روح المريض ..الخ ) , والامر سوف يتعقد اكثر فيما اذا كان هذا المريض يغار من الطبيب والناقد ,فهنا سوف تتم قرائتهما حسب منظار الاخر المتفوق , وعليه سيكون كل شيء مثير للحساسية لهذا المريض الى درجة التحسس من ان تكون مقالته هو في الادنى وهذا الناقد مقالته في الاعلى .. كتاباته هو منشورة بلون عادي .. و الناقد\الند , مقالته تنشر بلون ملون ..
الامر جد خطير هنا لكونه يقلب الكتابة الى معركه , والتلقي كنوع من المرض , وهذا ينتج اما ان يواجه الكاتب القضية بالمثل فيسري المرض او يتحول الكاتب الى مؤدب بالعصا او يهرب الكاتب ليترك هذا المتلقي يشعر بالراحة بالتخلص من ((عدوه )) , وهذا معناه تضخم المرض ومبرر لان ينتشر , لكون غياب الكاتب او سكوته عن هذا المتلقي المريض سيكّون لدى بسطاء الناس , حجة ودليلا على صحة اقواله التنكيلية العدوانية بحق هذا الكاتب . في حين ان الكتابة هي عملية كشف للواقع بما هو بجميله وقبيحه.. بخيره وشره .. الكاتب ينشر مايفكر به انتظارا ان يصحح الاخرون قوله بمقدار ما , تماما كما يقوم هو بتصحيح افكارهم بمقدار ما .. الفرد يخطأ ..والشعوب تخطأ ايضا , لكون الشعب هو مجموع الافراد اذن الشعب مجموع الخطاء , ونحن امة عاجزة لكوننا لانجتمع الا على الخطأ , اما ((الصح)) فهو عمل فردي فقط .
وهذا يعني ان للكتابة ((اخلاقها )) بل هي عملية اخلاقية اساسا , والا لكانت غشا وخداعا ونوعا من القناع وليس ((الاقناع )) , وهذا ينتج ان الكاتب يجب ان يتخلق باخلاق شريعة الحبر وواجباته . وقديما قال مثقفوا البصرة اخوان الصفا وخلان الوفا في مسوعتهم الشهيرة :
(( ان طالب العلم يحتاج الى سبعة خصال : اولها السؤال والصمت وثم الاستماع ثم التفكر ثم العمل به ثم طلب الصدق من نفسه ثم كثرة الذكر انه من نعم الله )) .
فالسؤال باب الدخول لمدينة العلم , وكما عليك ان تحسن ان تسأل وتناقش وتعترض عليك ايضا ان تحسن الصمت واجادة الاستماع , وكي تكون مجتهدا لامقلدا عليك ان ((تتفكر)) والا ستكون حافظا ينقل اقوال الاخرين وتُحشي عليها او مزورا للنصوص تتلاعب بها بمقدار يظهرها وكأنها من بنات افكارك. وعليك ان تعمل بما علمت والا لكان نص الحياة يناقض نص الكتابة , فتكون صاحب شخصية ازدواجية يعيش بعكس مايكتب ويكتب بعكس مايعيش وكفى بذلك منقصة ورذيلة, وبتعبير النفري في مواقفه ومخاطباته : ((اختم علمك بالجهل وإلا هلكت به، واختم عملك بالعلم وإلا هلكت به.))
وعليك ان تطلب الصدق من نفسك ,فانت قد تصلي او تكفر لكن الوسواس يملأ قلبك بانك لستَ على صواب .. قد ترتدين الحجاب او تمشين سافرة , لكنكِ تعيشين صراعا دخاليا بان الامر لايعدو نرجسية باسم الدين وخوفا من القبيلة وجبن عن مواجهة الحياة , او انه مجرد تظاهر بالثقافة والانفتاح وتلذذ الانصات لاصوات المادحين لشعركِ وقصائدكِ وقصصكِ , وهم يقصدون شَعرك وصدركِ وكبر عجيزتكِ ( طبعا كل ذلك باسم الصداقة البريئة والاحترام والاعجاب بانسانية ونصوص هذه الانسه او المدام!) ..
ان تعمل بماتكتب وتكتب ماتعمل , لايحقق درجة ما اسماه علماء البصرة الاوائل بـ((طلب الصدق من نفسك )) , هنا حوار صادق مع النفس للنفس , وهذه ذاتها اقصى درجات صدق الصدق في الكتابة ايضا , ان تكون الكتابة تحاور الكتابة وكما تحسب النفس ذاتها , تحاسب الكتابة ذاتها . عليه تجد اننا حذفنا ماهية الكتابة بحذفنا ((آداب المعلم و المتعلم )) , الكتابة هي نوع من الادب ,الاخلاق و الادب الذي ليس هو ما يحسبه مهرج العمامة بان تخلو الكتابة من الفاظ والجنس وماشابه , الكتابة _ادب , بمعنى الادب الذي يفضي الى ((المسؤولية )) , لابمعنى تحاشي ذكر اعضاء محددة من الجسد .
اما شرط ((كثرة الذكرانه من نعم الله )) الذي يحدده اخوان الصفا هنا , فهو شرط ضروري كي لايقع الكاتب في الغرور وبالتالي تنقفل الكتابة وتنختم بشمع احمر بلا قرار رجعه, ..هو شرط تذكر مطلقية الحقيقة ونسبية الانسان تجعل الكتابة سياقا مفتوحا , اي العودة الى الجدلية بطرح تجديد للسؤال ومن ثم للصمت والاستماع والتفكر وحسن العمل واعمار النفس .
لكن: (( لماذا الكتابة العربية تردت كثيرا .. هل مرجع هذا الى تخلفنا العلمي ؟!)) ... هذا صحيح فقطع الكتابة عن العلم يحولها الى فروضات ذهنية وعاولم خيالية لاغير , لكن هناك مشكلة ادق تعاني منها ساحة الكتابة والثقافة العربية والشرقية , انها ازمة الاخلاق (= نقصد من الاخلاق هنا كعلاقة مع الاخر اما التصرفات الشخصية العائدة على الذات الفردية فقط ,فلا غرض لنا بها هنا ) , فنحن شعوب منشطرة بين متشبث بالتراث الديني , لكن بدون العمل بهذا التراث بمايخص تعاليمه الاخلاقية , نحن نطالب بالدولة الدينية والاسلامية , لكننا نستخدم حتى القتل والتشهير والتفجيرات وتزوير التاريخ لهذه الطائفة او تلك(بل حتى لمن هو شقيقنا في ذات المذهب او الدين) , من اجل صنع هذه الدولة ونصرة هذه الفئة او الجماعه ..
وبين متشبث بمقولة الحداثة والمعاصرة بشكل مطلق , لكن الحداثة هنا تشمل الاساليب الجديدة في الشِعر والقصه والرسم والمسرح , لكن الامر يتوقف عند حدود اخلاق الانسان الجديد , لذا تجد مثقف بمستوى ادوارد سعيد مثلا يدافع عن نظام بهيمي بمستوى نظام صدام حسين وحزب البعث العراقي!! .. مجتمع الحداثة ليس هو مجتمع الاسرة القائمة على الدم (= الاب والام والاخوان ) وانما هو مجتمع قائم على اسرة الصداقة , حتى الزواج هنا في الغرب هو نوع من الصداقة بدءا بطريقة التعارف وحتى نهاية العلاقة من الفراش وحتى مستلزمات الحياة وطريقة الحياة المشتركة في المنزل .. هذه الصداقة نحن نقرئها , حتىمع مثقفنا العربي والشرقي المنفتح , على انها نوع من الاباحية و ((الدعاره )) .
اذن لا المعسكر الديني يلتزم بنظام القيم الاخلاقية في التراث , فتجد منظمات الجهاد تقتل الاطفال وتجهز على الجرحى وتروع النساء , ولا المعسكر العلماني يلتزم باخلاق الحداثة القائم على نظام الصداقة والصديق .. حتى الشِاعر الذي هو رمز الحب والرومانسية و الروح والعواطف , ينظر لاخيه الشاعر بانه ((خصم )) يجب التخلص منه . اذن نحن مجتمع الكراهية والعدوان فلمَ نستغرب ان يكون تاريخنا هو مجموعة فتن وحروب طوائف وانقلابات عسكرية ؟!
نحن في العالم الخارجي كل منا ند وخصم للاخر فلمَ لاتسري هذه الخصومة الى الكتابة ذاتها ؟!...نحن اصدقاء في الفشل اما ان ينجح احدنا فجيب ان نتفرسه جميعا ونتغذى عليه , وهذا تماما مانفلعه بكل طاقة ابداعية لدينا . خذ مثلا ماجرى ويجري لسعدي يوسف (رغم كوني اول من صرح بانتقاده يوم كان ذك فعلا محرما), كثيرون يذكرون لسعدي يوسف مواقف غير مشرفه في دنيا السياسه , فهو من قبل العمل بجريدة ((الثوره السوريه )) ورفض حضور مهرجان الثقافة العراقية في دمشق 1989, الذي حضره الجواهري , ويقال ويقال ويقال بعضه مبالغ فيه بالتاكيد وبعضه قد يكون صحيحا حتماً .. لكن سعدي يوسف في ديوانه القديم اثبت منجزا ثقافيا مهما لايستطيع اي كان يتجاوزه , وهذا امر مهم في الشعر خصوصا لكثرة المساهمين في هذا المجال فعدد الشعراء اكثر من حصى الطريق الذي يتم به رجم العابرين
نحن هنا نمارس كتابة ( المقال\الشائعه ), ونتناقلها بدون تمحيص لا لكتابات الرجل(اي رجل كان ) حقا ولا لحياته فعلا ..الشائعة تكفي هنا للمدح او الذم ..التنكيل او التمجيد ..ليس على مستوى العامة وانما على مستوى الخاصة , ((الخاصة)) الذين يطرحون انفسهم اصحاب نهضة وانبياء حداثة ومعاصره , وطبعا وسوف نبكي على سعدي يوسف ونقدم له القراءات والمقالات حينما يموت وسوف نقوم نحن جميعا بتشييع جنازته بمثل مافعلنا بالسياب وحسين مردان وعلي الوردي والبياتي والجواهري وهادي العلوي ومحمود البريكان وجان دومو والاخرين ..فحينما يموت الكاتب ((الصديق)), يكون قد خرج عن منافسته لنا بل ذكره الان هو نوع من البضاعة الجديدة للمتاجره
ولنأخذ نموذج مصغر , شخص اسمه سعد الحلي , مغني ومطرب عراقي( انا شخصيا لااتحمل سماع صوته لثانية واحده) كان من حظه العاثر ان نجح هو وفشل اصدقائه ورفاق مدينته في الوصول الى الشهرة , سوء الحظ الاشد ان هذه الشهرة كانت في زمن الحرب العراقية الايرانية , والتي حظ اعتداء ايران على العراق يساوي حظ اعتداء العراق على ايران , فكان صوت الحلي مقترنا بصوت المدفع , ولشدة قسوة الحرب وحرمان الجنود من زوجاتهم وموروثنا العربي الاصيل من الواط والمثلية الجنسية (=يكفي ان العرب يفهمون اللواط على انه منتسب لقبيلة النبي لوط وليس من البحارة البرتغال مثلا كما كان يتوهم علي الوردي ) , اصبح سعدي الحلي (صدقا او كذبا ) مصب لشائعات التندر على كونه مثلي الممراسة الجنسية , الشعب كان يروح عن نفسه بهذه الحكاية .
لا المتدين منعته الحشمة الدينية وحرمة رمي الاخرين بلا دليل , عن المشاركة في اشاعة ذلك , ولا المثقف منعته عزة النفس وتعاليها عن ما هو سخيف وتافه, .. هذه الحكاية المصغره تجد فيها ذات الاجماع , الاجماع على اقصاء الاخلاق من كلا المعسكرين الديني والعلماني .. وانت تجدها الان في نكت بذيئة عن مقتدى او السيستاني او الشعب العراقي ..او الامريكان ..وقديما كانت تقال عن النبي وابو بكر وعلي بن ابي طالب ومعاوية ويزيد بن معاويه وهارون الرشيد وابو نواس وصلاح الدين ..الخ, وحديثا تجدها نكات بذيئة ضد صدام حسين وعائلة الملك فلان وفلان..الخ , اسماء متناقضة , لكنها جميعا تشكل ظاهرة واحدة : ان هذه الامة لم تستطع النقد وتفكيك الظاهرة علميا,فراحت تمراس اشاعة النكت البذيئه والمقالات الشفهية والمكتوبة الاستهلاكية ,والعكس بالعكس , فقدان العلم هنا اساسه فقدان لاداب طلب العلم , العجز عن التأدب هنا مستند لفقدان العلم والادراك , هذا الاسفاف اللغوي وسهولة الصاق التهم التجريمية والاخلاقية(باسم النقد الساخر , او السرد الحكائي او ..الخ ) على اي كان ,هو جزء من حيل الدفاع النفسي والتعويض السايكلوجي .
وهذا ما تستطيع تطبيقه على كم هائل من الظواهر اليومية القديمة والحديثة ..العامة والخاصة ... كيف شتم السياب رفاقه وكيف رفاقه حاولوا القضاء عليه .. كيف وصف البياتي نزار قباني وكيف قباني وصف البياتي .. كيف يصور الشيعي السني .. وكيف يصور السني الشيعي .. الكوردي والتركماني .. المسيحي والمسلم .. كل مع اخيه النظير الذي يتم قراءته بانه ((ند )) وعدو يجب التخلص منه .
نحن نقرأ نجاح من ينجح منا على انه عملية ادانة لكسلنا وفشلنا لكوننا واياه عاش ظرفا واحدا, هنا تصرخ النرجسية الجريحة : لم تفوق هو وفشلنا نحن ؟! ,لذا ليس هنالك عملية تواصل بيننا وبين المبدعين الا بعد الموت, وعند ذاك سيكونون مجرد تماثيل للزينه او نصوص صنمية تجاوز الزمن مرحلة التطبيل اوالانتفاع منها .
سدني - استراليا |