|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
14 تشرين الثاني 2005 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
الصورة كنقيض للعقل المتوحش : مقاربة لأسمائية العمل الفوتوغرافي
كتابات - عبداللطيف الحرز
امر قد يبدو وكأنه مغالطة عن سابق اصرار وترصد ,اذ :كيف تكون الصورة نقيض للتوحش , في حين ان اول من عرف الصورة هو المجتمع البدائي نفسه.؟! وذلك حينما جعل من كوة الكهف عدسة يلتقط فيها اشيائه وهواجسه وطقوسه الاولية تلك ؟!
لكن الامر مع
ذلك سهل :فمن عرف الصورة كان هم تلك الشريحة من المجتمع البدائي ,الذين
باينوه بتوثيق مرحلتهم الذهنية ..او قل انهم بواسطة رسوماتهم
تلك كانو
تلك الرسومات كانت تعبير عن ((أنس)) لانسانية تتدرج في رقيها الروحي .وبهذا كانت الصورة احد جنبات ((روح))المدينة , اذ مشغلية الرسم والتصوير ليست انعكاسا نكوصيا بان يعوض الانسان عن الحيوان الذي لايستطيع اصطياده , بيرسمه ..او مثل مراهق او المراهقة في المدرسة, حيث يحصل العجز عن الامساك بفريسة الجوع او فريسة الحب , فيكون الرسم واقتناء الصور وجمعها , عملية تعويضية عن الامساك بالمقصد الواقعي والحاجة الخارجية .
هذا السلوك هو سلوك جد عادي , اما تلك النخبة القديمة , فهي مثل النخبة الجديدة من الانسان , تمارس الرسم والتصوير , كبعد ذوقي , وليس تعويض عن اشباع غرائزي فقط ..وهذا الفارق بين الاثنين هو فنية الفن . في حين ان العقل المتوحش كان مهموما بالرماح واسلحة غريزة الغلبة (ليس المهم نمنمة وزخرفة الرمح وانما حدته )..لذا كان السلاح تطور شكلي فقط ,اما هو فذو جوهر ثابت , على امتداد تاريخ الانسان ,بخلاف الصورة فهي, لاتكف عن التبدل والتغير من جيل الى جيل,وكان تطورها له مدلوليته السياقية على تطور الجوهر الانساني , بخلاف التطور التكنولوجي للسلاح ,الذي يدل الى تنامي تضخم الجانب الوحشي البدائي للبشر.
طبعا علينا ان لاننسا ان مثل هذا الاعتراض يتبخر من الاساس بكونه يخلط بين البدائية والتوحش, وهما اللذان لم يعد بالمقدور دمجهما بعد منجز ليفي ستراوس الشهير. ..............................
لكن هل يعني هذا ان الصورة تعبير معرفي دائما وبشكل تام ؟!
رغم ان ظاهر الصورة يقول انها مقولة علمية وتطور خارجي صناعي, الانها تبقى رهينة كونها تعبير ذوقي . الصورة حتى في اشد انكباب المهنية التوثيقية , لاتفك الدقة فيها بدون الرقة . الامر الذي يظطرنا لمخالفة تيارات فلسفية عديدة , لنقول بان الصورة تجل عاطفي وتنتمي بالتالي لقاموس الروح ومعجمها الوجداني , اكثر من تميز الصورة للعقل ومقالاته ,سواء الاستنباطية المنطقية منها , او العلمية التجربية لها. رغم ان هذا الاخير , اقصد العقل , لابد من حضوره ككاشف عن المفاصل الشارحة التفسيرية ,لتوترية الوجدانية .وذلك لكون الامور الروحية يكتنفها الغموض دوما (=حتى على الحامل الشعور نفسه)بينما العقل صياد الوضوح..او هكذا يفترض .
وهنا يجب ملاحظة ان الشيء لايكون واضحا مالم يكن حاملا لأسم , وهذه خصيصة عقلية, لاغية عند الروح , والا لم يكن معقولا , واذ لم يكن معقولا تعسر ان يقال ان هناك شيء هو علم الفن , مثلا . اذن هنا نستطيع ان نفهم الان ان الشيء لايكون موجودا مالم يكن اسماً , وهذا يفسر لنا حكاية تعليم الرب الاسماء لآدم واهمال الكتب المقدسة لذكر الوجدات الحاملة لهذه الاسماء .وطبعا نحن وفق هذا السياق سنكون في فقه الانثروينيما , وليس في ((الانثرويونيما)) نفسها , كماهو المعتاد في الكتابة.
في نص للقرآن الكريم يخاطب به العرب المشركين الذين كانوا يعبدون الاصنام والتماثيل ,يقول :
{ اني هي الا اسماء اسميتموها ما انزل الله بها من سلطان}
ومعلوم ان المعركة ليست على الاسماء بذاتها بماهي حالة ملفوظية , كي يكون المعنى يجب ان يطلق العرب على التماثيل الاسماء التي يأمر بها الله فقط ,فهذا كلام لامعنى له من الاصل . الخلاف هنا ان الاسمائية هنا تعبر عن وجود ,وعليه يكون الغاء الاسم هو الغاء هذا الوجود وتصييره باطلا. الامر الذي يفسر لنا لمَ كانت الجملة الاسمية من ادوات التأكيد بلاغيا بخلاف الجملة الفعلية ,رغم ان المعنى ربيب الحدث كما يفترض.
ان معطائية الرؤية الاسمائية هذه ,هي التي ستجعل ابن عربي يردد في موسوعة الفتوحات ,بان : كثرة الاذكار, تمنح السعة والاحاطة في الوجود. بل ان هذه المعطائية في التنظير للاسمائية ,هي التي ستوضح لنا الان جوهرية ذلك الخلاف اللاهوتي في الموروث الاسلامي ,عن توقيفية الاسماء الحسنى للذات الالهية, وتشعباته الفكرية والادبية تلك .
عليه ووفقا لهذا السياق , نجد الانسان يسمي ما يحيط به من وجودات ,باسماء معينة ,الانسان يمارس عملية التسمية, كعملية ضرورية من دونها يكون الشيء عدم ..لذا مارس ذات الرؤية حتى على المصنوعات التكنلوجية ذاتها , وهذه التسمية ليست للتمييز فقط, وانما لأثبات وجود اساسا. بل حتى الكوارث الطبيعية , من زلازل واعصاير وفيضانات , بل والحروب ,يطلق الانسان عليها اسم خاص ,وكل حرب تتفرع الى اسماء وقائع اصغر ..تماما مثلما تتفرع اسماء القبيلة الى اسماء عوائل صغيرة . بل حتى العدم لم يكن له اسم خاص به لولا قرنه بالوجود ..فالعدم المضاف مقترن بسلب وجود شيء معين محدود , والعدم المطلق مقترن بسلب الوجود المطلق .. او قل بتعبير سيكولاستيكي ,مدرسي جامع : { نعم ربما يضاف العدم الى الوجود ,فيحصل له حظ من الوجود وتبعه نوع من التمايز ..كاعتبار عدم العدم قبال العدم ,نظير اعتبار العدم المقابل للوجود قبال الوجود}
حسب ماختصره محمد حسين الطباطبائي في كتابه نهاية الحكمة وحاشية كتاب الاسفار , من موقف كبارمدرسة الفلسفة الشرقية من امثال ابن سينا والطوسي واللاهجي وملاصدرا والحكيم السبزواري.وهذا الموقف الشرقي سوف ينجلي بتطوير ممتازلدى مدرسة الفلسفة الغربية , على يد الفرنسي سارتر في(( الوجود والعدم)) , والالماني هيدجر في اطروحته حول الذات والعدم ,كتواشج للحضور والغياب , وهو تطور لم يكن لينجز لولا تنبه الاول للمدخل الاسمائي في العلوم السيكولوجية والسرد الادبي , بينما كان وعي الثاني منطلقا من الاسمائية في اعمال مقولات الشعر,وعلينا ان لاننسا هنا المنجز الاشكالي لهورسل ,وماسعى اليه في الظاهراتية وعزفة على ذات الوتر .
ولعل ذلك احد عوامل كل ذلك الرفض المشترك بين المدارس الغربية والشرقية , لتظيرات ((سوسير)) ,و(( رومان جاكوبسون)) ,حول المفلوظية , واجتهاد كون اللغة ماهي سوى تقديم المعلومات على ظهر ماكانيزم للتدوين , الامر الذي مهد لظهور جاك ادريدا ومشورع رفض فكرة الاحالات من الاساس, ومن ثم تكثف الاشتغال المعرفي على الاسماء باعتبارها انعكاسا لخطابات المركزية بين الحضارات والمثاقفة والصراع فيما بينها . .................... ...............
اذن الى هنا وبواسطة هذا الاجتهاد التفسيري ,يكون جلي لنا كيف ان العدم وحده من له تمايز وهمي , لكن له مع ذلك اثر وتأثير حقيقي خارجي ..وهذا يعني ان الاسمية قرينة الوجودية دوما.فحتى لو ارتبطنا بمدرسة اصالة الوجود وقلنا بان ((لانورية للماهية بدون قوامها العيني )) , حسب تعبير الحكيم السبزواري في كتابه الضخم ((شرح الاسماء)) , فان ذلك لايلغي كون هذه العينية لامدركية متحققة لها ,مالم تدخل في حيازية الاسمائية.
وهنا ينحل لدينا خلاف قديم مستعصي بين مدرسة الكوفة والبصرة , في تفسيرية الاسم , بكونه مشتق من الوسم اوهو مشتق من السمو,حسب ماسطره صاحب الخلاف واالفارسي وابن يعيش والرضي في شرحه الكبير . واذا كان الامر كذلك فانه يتضح ضرورة كون فنية اي عمل رهينة بمدخليتها الاسمائية,والا كان عمل يلغي نفسي بنفسه ,من غير حاجة لتدخل وسائل النقد والتمحيص فيه. ............................... ونحن اذا اتينا الى معرض الفوتغرافي العراقي احسان الجيزاني , نجد ان هذه المقدمات الفلسفية المختلطة ضرورية جدا, وذلك لكون هذا الفنان يجمع بين توصيات شرقية في الفن , وبين تتلمذه على يد المدرسة الالمانية , التي نجحت في تثبيت بعض محمولاتها في وعي او لاوعي الجيزاني , خصوصا بتلك التيمة التي تجتمع حولها كل تناقضات وخلافات المدرسة الالمانية , اعني مسئلة :الكينونة.
احسان الجيزاني يبني معرضه الفني وفق النسق ((التبادلي التكاملي)), لذا نراه مرة يشطر مشغله الفني الى لوحات تعبيرية خالصة , ولوحات توثيقية مترددة ..ومرة يشطره الى لوحات ذات موضوع خاص , والى لوحات ذات موضوع عام .. ومرة يقسم اللوحات الى لوحات حاملة لتعليق واشارة , واخرى متروكة التسمية ..مستفز المتلقي حول اضبارة علاقة الصورة ومشغلها ,مع ((الغراماتولوجيا)) وهواجسها الحفرية والحرفية, فطريقة الجيزاني تجعله مشغل ((سيموزي)) مختلط ,يثير الكثير من الصعوبات النقدي , رغم السهولة المناسبة للمتلقي العادي في اغلب اللوحات. كثرة التردد وتعدد الذكر في تقديم النماذج المختلفة , تشيء بان الجيزاني يحاول ,بهذا التنقل بين مواضيع شتى متعددة ,(=تبعا لماقلنا ان تعدد الذكر هو محاولة في الاحاطة والسعة بالوجود),استيعاب القدر الممكن من الحلات الانسانية ونقدها من جهة عامة , ورصد المأزق الوجداني والتتابع المنكود للوضع الفردي والجماعي , في بلدان الشرق,مقدما العراق وحضارته ومجتمعه ,كعينة من رؤية فنية اوسع.
ونحن هنا امام صورة تنتمي الى تلك الصور التي يحرص احسان الجيزاني على اطلاق اسم خاص بها , فجاء توثيق وجودية هذا الموديل والنموذج , (=لا وجوده فقط) ,عبر اطلاق ((وشم البشرية)) كاسم لها , وعليه فاذا كنا امسكنا بفتاح عام لهذه الصورة_النموذج , بواسطة الاجتهاد التفسيري اعلاه , فلنحاول الولوج الى الابواب الاخرى مستعينين بهذا المعطى التفسيري ذاته , فماذا نجد في هذه الصورة بدءا؟!
كومة اسمال بالية ,تبين ان هنالك رجل مسن تحتها,يتكور على حسرته الكبيرة المسماة بـ((العمر)) والزمن الذي تم سفكه وهدره على هذه الارض ..لكن ياترى أيده المتجعدة هي التي تفضح كبر السن هذا ؟!..ام انحناء الظهر ..ام الملابس القديمة ؟! ..من يدل على الاخر الاشياء الجامدة تنطق عن كهولة الكائن الحي المستلب ام هذه الروح المستباحة تشيء بانتهاء جمالية الاشياء التي يفترض ان تكون زينة ما على الارض ؟!
انه رجل ينتمي لهزيمة سالفه ..لجيل غابر لايعلم ان فوز تحقق نصر كونه مايزال حي ,مرتبط بمعاناة جيل سابق جّسر بآلامه صنع مرحلة اخرى من الصيرورة ومن الزمن ..رجل يحتضن وطنه ..وطن عبارة عن شبر رصيف وكسرة خبز فقط !! كم من مشابهة ومشابهة بين تجعدات كسرة الخبز وتيبسها , وبين تجعد يد الرجل العجوز ,وموت عروق الحياة والامل فيها ..هل قطعة الخبز تستجدي المارة بهذا العجوز الكهل؟! ..ام العجوز هو من يتسجدي بقطعة الخبز هذه, ماتبقى من كرامته الانسانية المستباحة على الرصيف ؟!..اي الحالتين اقرب للروح , وايهما الاكثر مساسية بالعقل؟!
هو جمع متكافأ ,لايستطيع سوى الفنان وحساسيته الجمالية والمهنية ,صديها ورصدها وعرضها بهذه الطريقة . والا فما تفسير ان تكون قطعة الخبز موضوعة بكل احترام على الرصيف ,مفروش تحتها قرطاس للحفظ ..هي مصانة رغم انها مكتفية عن الجميع ..بينما الانسان العجوز المطعون بنكاية الزمن , الرجل المنهك الذي يحتاج لكل شيء , لايجد ثمة شيء يجلس عليه ,هويستجدي السابله عاري على بلاط الارض تماما؟!! ألي هذا حرص المصور على وضوح الالوان هنا على طبيعتها الاولى ,كي يبان خضرة الوشم في يد العجوز , وبين كسرة الخبز؟!.. ثم لماذا يغيب وجه الرجل العجوز كليا ,فكتفى المصور برصد الاسمال والوشم ..هل يعني هذا ان الوشم هنا بات هو كامل الاسم والمسمى معاً ..ام هو حرص المصور على تضخيم الذات الانسانية المضطهدة عبر تغيببها ؟! ..ثم لماذا الغى المصور الشارع وحذف المارة بالكامل ..االمصور الغى الجماعة غير المكترثة , واستغنى بها الفرد المستلب , فهل الغياب هنا نكاية عن ذلك الحضور ؟!
بهذا السؤال نكون نحن قد عدنا بشكل واضح الى توترية العاطفة والوجدان ,المحافظة على كرامة الخبز ,بان لها كينونتها الخاصة بها ,كاسم دال على وجود , ووجود حامل لشرف الاسم ..وبين العقل المتوحش المهين لقيمة كل اسم ومسمى , وهادر كرامة كل من يزاحمه رغباته ,فكان بذلك ان الانسان خصمه الاول هو الانسان ذاته.
هذه المناقضة هي التي تجعل من الخبز ماهية ..وتنقل هذا الرجل العجوز ,من فرد الى نموذج . وعليه فاذا كان صح عنئذ تعميم اسمية هذا الموجود الى شمولية وجودية . صح عنئذ يكون عنوان ((وشم البشرية)),لافتة متاحة فنيا ,كاختزال استيتكي مشبع الوجدانية العاطفية ,بمحوليته الروحية الذوقية , بمقدار مايكون هو ايضا مفتاحا تفسيرا ومنظور ابستمي ,اي كدلالة تطالب بماهو اعم واشد دائيمتاً.
واعتقد انه بتشريك هذين البعدين في العمل الفوتغرافي لدى احسان الجيزاني , هو الذي خلص معرض هذا الفنان من منزلقات عديدة مثل الحنين والاسترجاع , والوقوع بانزلاقية العمل الفني في مهوى ((النوستالجيا)) , وعصائبية عقد التوثيق للماضي واستيهماته السايكولوجية ,او وقوع الصورة الملتقطة ,في مطب الزمانية والاستهلاك السريع . وبهذا كان احسان الجيزاني لايقدم مأساة وتفجع ,كما قد يبدو لاول وهلة , وانما احسان الجيزاني ,يمارس نوعا من ((المسائله)).
بل اعتقد ان هذه النقطة المحورية بالذات , هي التي تفسر لنا كيفية نجاح الجيزاني بان يكون محافظ على البعد الفني ,فلايكون معرضه محض مشغل وظيفي في الميديا والاعلام فقط, رغم الحمولة الوثائقية الكبيرة التي يقدمها معرض احسان الجيزاني والتي لاتحتاج الى بيان واشاده.
بهذه البيانات سيكون مفهوما الان عملية ترك رؤية الشارع مفتوحة في هذه الصورة,وزيادة تقريب العدسة للنموذج.
فبقدار ماتضخم العاطفة الحالة ,وتتهيج المشاعر حول المشهد المرصود ..فان للتفسيرية العقلية ,نافذتها ومقدار حركيتها التي يتخلص بواسطتها من هيمنة توترية الروح التي هي بدورها لو ُتركت وخليت لسبيلها, لغلفت نفسها بحرير طاقة الحزن والغضب واستيهمات رفض الحالة (او مناصرتها فيما لو تم تبديل هذا النموذج الى آخر مناقض) , فتغدو الصورة حنيئذ عالم متوحش هو الاخر , يكتفي بنفسه ويشطب كل ماعداه.
مع ذلك كله تبقى لهذه اللقطة _ النموذج , قدرة واسعة لكتناه المزيد من تلاعبات الظل والضوء ,لتغدو فنية اكثر فاكثر . لكن مع ذلك تبقى محاولة احسان الجيزاني, فيها الكثير من حظ النجاح والتمكن منه. هي محاولة شفافة ولعينة معاً ,في رصد انهزام المنتوج التقني, ربيب ارادة التوحش والتسلط ,.. امام جوهره الروحي ربيب العاطفة واحاسيس الرقة وقيم الانس لانسانية الانسان,وهو انتقاد موجع لمسارات هيمنة الجماعة على الفرد وهدر الانتماء كقيمة عليا تتفرع منها توزنات كوننا مجتمع بشري.
وهذا المشغل التصويري بهذا النوع من التكثف والمقاربة , يمارس نوعا من التعري الاجباري لفضيحة عقل اجتماعي لازال ينحني ويبالغ في الانحناء كي ينحر نفسه بتشفي!!..بيد ان هذا بالذات هو مايعيد تأهيل مشغل ولوحات الجيزاني الى اعتبارها علامة سؤال قائمة ازاء عالم بات يتقلص فيه الانسان ككائن يحترم ذاته ووجوديته,تاركا افساح المجال لتنامي آلياته الخدمية التكنولجية ان يكون لها ذات وعالم مستقل , فيكون ماهو جوهري محاصر بين عالم تكنولجي متطور , وسلطة اجتماعية منحطة . واذا كان النقد العقلي يزداد عجزا في تقديم يد العون لأجتثاث ماهو انساني من مستنقع التوحش التقدمي الاناني هذا , فلعل بعض الفن يكون قادرا على اثارة ماتبقى من جذور وجدانية الروح الانسانية المطمورة بكل هذا الرماد..لااقل من اجل ان يتاح امكانية اطلاق اسم الانسانية على بعض حطام ماتبقى منا, بعد هذه المحرقة الجماعية الشامله ..ان علامة السؤال القائمة بالفن هنا تمعن التأمل في شهودية خراب الانسانية كمقولة ..الانسانية التي باتت كأنها مقولة فلسفية اسطورية , او ذكرى نسترجعها من مخيلة زمن سحيق لم يتحقق قط على وجه هذه اللوحة العملاقة المسماة بـ الارض.
اخيرا فانه اذا كان المشغل الفوتغرافي لدى احسان الجيزاني منشدا في طريقيته الى فلسفات الكينونة , فان هذا يعني انه لن يكف عن مزاولة الاستمرار في عوالمه الفنية مخفوراً بالسؤال..بل والتمرد ايضاً (سدني - استراليا)
|