الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

1  تشرين الثاني 2005

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

 

السيسستاني وفرصة الاصلاح الغائبه - 1

 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

اذن هاهي الحياة تدب في العراق ,رويداً رويدا .وبعد كابوس طويل يتحول الدم العراقي المستباح في الشوارع والدوائر المدنية ,الى سماد لهذا الحقل الجديد ..لكن ماذا يعني ان العراق يعود سوى ان المؤسسات المدنية تستجد لمزاولة نشاطها ,هذا ((النشاط)) الذي يكون الان عبارة عن مشاريع سجالية حية عاقلة , بخلاف نشاطها في المرحلة السابقة الذي كان مرهوناً بقوة استجابته لضغوطات حروب الابادة السياسية والدينية,حيث كل طراف مستبدت به مخيلة اقصاء الاخر وتاريخ المطاردة الدموية بينهما.

 

بيد ان الامور ليست ((نوايا)) خيرة وانما افعالا تمارس وجودية التحقق .والفرق هنا ان النية تتحقق بالارتجال ,بينما العمل لايعرف قانون القفزة وحرق المراحل او محاولة نسيان بعضها وطمرها بالتراب ,خشية على نوايا واعمال يمكن لها ان تعاود الكرة من جديد.

اذن فالتيارات والمؤسسات السابقة لم تمت ولم تنتهي ,وهي ستحاول استرداد عافيتها مرة اخرى , وهذا يعني ان اشتباكات عديدة ستقع بين شرائح المجتمع ,ولا حل سوى قمعها ووأد مايخالفنا منها في التراب (=مثل التعامل مع المجتمع بانه مجتمع اسلامي كاملا, او انه علماني كاملا..او ان الماركسية هي الحق او الاسلام هو الحل ) ,وهذا يعني تنصيب نظام قمعي يفترض بنا انا جميعا متفقون على ضرورة التخلص من تجربته المره .

 واما فتح الباب لهذه التيارات بمزاولة حقها في الحياة , وهذا خيار يعني بدوره: اما ترك الامور على غاربها ,الامر الذي يعني حدوث اشتباكات سيتم استخدام العنف فيها بشتى طرقه ,خصوصا مع مجتمع عراقي بقي سنين طوال في قبضة الحصار الفكري والاقتصادي والارهاب النفسي والجسدي, وتفسخ مبادئ قيمة كثيرة بفعل الضغط الاقتصادي والاعلامي سابقا ,والانفتاح غير الممهد لاحقا .

واما مواجهة هذا الاشتباك القادم (ان لم نقل ان بداياته حصلت فعلا),بالتفكير بسبل ظبطه وجعل كل شيء له حق الحياة مادام لايحقق ضررا جماعيا ولا نكبة وطنية, الامر الذي لايمكن تحقيقه باعطاء ((اصدقائنا ومعارفنا ))من اصحاب ((النوايا))الطيبة , مناصب رفيعة واموال طائلة , وانما هو امر لايقوم به سوى الاكفاء اصحاب الدراية والتأثير,بمثل هذه الامور,وضرورة رفع التخوف النفسي من محاولة تجارب جديدة للنمو.

 

العراق قبل نكبة تسلط القمع البعثي ,كان يشهد اشتباكات اجتماعية واقتصادية ودينية وسياسية , لم تنفض حتى الساعة هذه , وماحصل بعد سقوط الطاغوت البعثي , من تزايد لجموح العمليات الارهابية من جهة وتفشي الفساد وخلخلة المشروع السياسي الامني ,من جهة اخرى , لايعود الى نتيجة طبيعة مع مخلفات حزب البعث واصدقائه من بعض العراقيين والفلسطينين في الداخل ,وبعض الذين كانوا يعتاشون على مخصصاته ,من العربان في الخارج, وانما ماحصل من تداعيات , سببه ايضا , توقد تلكم الاشتباكات القديمة من جديد .والتي هي ايضا ترى ان الافساح للمشروع السياسي الجديد هكذا ببساطة , هو الغاء لمشروع آمنت هي به وقاتلت من اجله النظام البعثي ,ولايوجد ثمة مبرر لتخطيه بهذا الشكل والقفز عليه ,من قبل احزاب اقل ماينظر اليها هذا البعض بانه الخصم القديم ,الذي تم تأجيل المعركة معه ,نتيجة ضغوطات مرحلة الصراع مع حزب البعث وصدام حسين ,الذي هو العدو المشترك لكافة التيارات الوطنية بلا شك.

ومن تلك الاشتباكات هو صراع العقل المدني مع الفكر الديني , وهو صراع ليس على حجاب المرأة ولفلفت جسدها بمقاط القماش واكراهات الجندرمة الدينية الذي طردها من جلسات المشاورة السياسية اليوم(في عهد المجلس الحكم المؤقت قام عبدالعزيز الحيكم بالغاء قانون الاحوال الشخصية , وفي حكومة الجعفري الوزارية , تم طرد المحجبات من الجلسات الحكومية)  , وانما هو امر يتجرجر الى قضايا من صميم العمل الثقافي نفسه مثل كتابة القصة والرواية باستخدام النصوص اللاهوتية ,اوتطرقها للسجاليات الاجتماعية والسيوسولوجية (=من يستطيع اليوم _مثلا _ كتابة نص مسرحي عن الراهن العراقي ويمثل فيه شخصية السيسستاني او حارث الضاري او غيرهما من الشخصيات الطيبة او الشريرة على السواء؟!, بكلمة اوضح ان هولاء الشخصيات باتت تحتل مكانة توازي مكانية النبي والامام المعصوم ,الذي سيثور الشارع فيما لو قام احد باداء دور تمثيلي عنه)..

أفلم يتصادم مشروع علي الوردي مع الحوزة وكانت هذه الاخيرة احد كبرى عقبات استمراريته فضلا عن تأثيره؟! ..ألم تطارد المعاهد السنية اطروحات مهمة في التاريخ ليس لشيء الا لكونها خارج التدوين السني للتاريخ؟! ..الم تغطي هيمنة الحوزة وما دقته من اسفيد في المخيلة الاجتماعية , على منجز اثير مثل منجز هادي العلوي؟!.. سلسلة ان تتبعناها سنصل الى فكر محمد صادق الصدر ,القاضي بتحريم كرة القديم(=فتوى تتوافق مع بعض مشيخات العقيدة الوهابية) والامر اصحاب سيارة الاجرة اقالة اي امرأة لاتلبس الحجاب ..

 اما الجانب السني ,فحدث ولاحرج ,اذ لازال كل شيء منجمد تحت ذات المخيال القديم بان كل شيء تم جمعه في صحاح لاتخطأ , وان لاقول للخلف بعد ماكتبه السلف.

  ولعل مانشاهده من حروب طائفية وعرقية ,بالقنابل والمتفجرات , وتشفي بحفر الاموات واستباحت الاعراض ,ليس سوى جزء صغير ظاهر ,من جبل تاريخ الحقد والتكفير والنرجسيات المناطقية والمذهبية والقبائلية المهذبية(=فتنظيم المذهب الديني والقبيلة الاجتماعية ,واحد) ,الغاطسة في الوجدان واللاوعي والحياة الاجتماعية ومشاغلها اليومية للفرد وللجماعه.

 

وهنا نسأل ذات السؤال البليد ذاته :من اين يبتدأ الحل وفك عقد حبال مشانق الكراهية ومتفجراتها؟!

ليس المجال هنا سياسيا , حتى ينقضي بالتصويت على الدستور , فالسياسية منفعة دنيوية , وهنا اناس يقتلون انفسهم مقابل اراحة مابهم من حقد وعقيدة كره ..وليس الامر اقتصادي , كي ينتهي عند زيادة الرواتب , وتعمير المدن التي حول ابنائها, العراق الى غابة محترقة . فيتم ترضيتهم بعمران مناطقهم وتعزيز مخصصات ما ..فهناك اموال تبذل على هولاء الافراد  تفوق, اي منحة منتظرة من الدولة الجديدة . كما انه من الاستخفاف بالامور بان نقارب الدم بالمال بهكذا رؤية مسطحة .. نعم تكامل المنظور السياسي , وتقدم الجانب الاقتصادي , امر من شأنه ان يقلل من هيمنة القناعة النفسية لدى معسكرات التخريب وتيارات الرفض المطلق لكل شيء مادام لايتم تنصيبهم سلطة مطلقة على الناس ..فانشغال الفرد بمدخول يومي متزايد , يعفيه من فكرة الانتحار , اذ الانسان كائن مادي بدءا بمقدار كبير .

لكن الامر يتجاوز كل ذلك , اذ ان كمية الابار الاحتياطية للحقد المذهبي والقومي , والحساسية المناطقية , تفوق كل ذلك , لذا فانا ان قدرنا بتقدم المشروع السياسي والاقتصادي , الحد من تجليات عنفها وتخريبها الظاهر , فانا لن نستطيع ان نوقف عمليات تخريبها الباطن الذي سوف يكون مركزا على تحطيم الدولة الجديد من الداخل .

 

اما التحايل الاعلامي , فهو على ضرورته الدبولمواسية في الخطاب , الا انه لاينفع شيء هنا , اذ كل كلام اخواني من هذا القبيل يبقى نوايا والفاظ ليس الا.

لايكون الحل بكلام انشائي باننا اخوة ..كيف وانا شيعي اعتقد انك وهابي ناصبي للاهل البيت من الفضيلة قتلك لو كان الظرف مواتيا .. وانتَ وهابي تعتقد اني شيعي رافضي ..دم يقرب سفكه الى الله ,اكثر من دم الموساد الصهيوني ..اي اخوة في قول القائل بان صحيح البخاري اصح كتاب بعد القرآن , اي ان من يخالفه يخالف القرآن فهو كافر مستباح الدم اذن ..تماما كقولنا ان الاسلام مذاهب اربعة فقط والباقي فرق ضلال ..تماما كتنصيب الماركسية المنهج العلمي الوحيد وماعداها تخلف وخطاب طبقي رجعي .

 

وايضا لايكون الحل مرتقبا من موظف منشغل بدائرته , وعامل كادح لرزق اسرته , وجندي تحرس الوطن عين بندقيته .

ولهي من كبرى المشاكل اليوم , ان الناس باتوا يرطنون بقضايا اختصاصية ,تنشب الخلاف بينهم , يساعدهم على ذلك تطور وسائل الاعلام , وعمائم الملالي وانصاف المتعلمين , بينما اهل الاختصاص لاتسمع لهم صوتا . في حين انه لايتعقل ان يبدأ اصلاح حقيقي مالم تكن البداية من رأس الهرم ..من المراجع في الحوزة , والفقهاء في الازهر والمعاهد والمؤسسات الدينية في السعودية والخليج  والدول المغربية

.................................................                                                            

                            

نحن الان نبلغ عتبة تخطي قرنين من الزمان على حركة النهضة والاصلاح في الدول الشرقية والعربية .وبوضوح الواقع من السهولة القول : ان نصيب الفكر المدني مقارنة بالفكر الديني , لاشيء وغير قابلة للقياس .

فمن الشارع العام وحتى المؤسسات الوظيفية المعاشية .. كل شيء تهيمن عليه حاكمية الفكر الديني وسدنته وقارعي طبول محرماته , والمشكلة ان هولاء هم الدرجة العاشرة في صفوف الحوزة والازهر والمعاهد الدينية , وياليتهم كانوا الطبقة الممثلة والرمزية في هذه المؤسسات الدينية , لكان سهل التعامل معهم ومحاججتهم في اللغة الاختصاصية التي يتبنونها , ولكانت نتيجة الامر انفع بكثير ,سواء كان المنتصر فيها التيار الديني ام نقيضه, فالحوار مع شخص لاتعريف له سوى لبس العمامة , غيره مع شخصية معترف بها في الوسط الجماهير ..الحوار مع الشخصية الاولى ضرب من العبث , لان الناس ستقول انه مجرد طالب علم وهناك من يمثل الشريعة غيره , بخلاف فيما لو كان الحوار مع زعيم الحوزة او الازهر او رئساء المعاهد الدينية والافتاء في دول المغرب والخليح .

 

ولعل ابرز اسباب فشل حركة التحرر الفكري ,لصالح احياء العقل الديني , هو المخيال الوراثي للدين اولا . وكون حركة التجديد كان من ضمنها رجال دين واكليروس , منذ البداية (=الافغاني , محمد عبده ) .

 اذن شئنا ام ابينا فان المؤسسة الدينية , هي ثاني اثنين في غار كواليس الاوامر المؤثرة على هذه الشعوب التي ننتمي اليها , اذ ليس شيء يحرك الاوضاع مثل المؤسسة الدينية والمؤسسة الاجتماعية والسياسية ..واذا كان المثقف عمل الكثير على رصد تقلبات المؤسسة السياسية وبعض الشيء عن التركيبة الاجتماعية , فانه بقي يتعالى على المؤسسة الدينية , مكتفيا بوصفها بـ((الرجعية)) كما كان هو سجية التيار الشيوعي , او مكتفيا بطرح اطروحات سجالية حول قضايا التراث ,من دون المرور باسماء الرموز الدينية الحديثة وتفكيك خطابها ومنتوجها المعاصر .. شخصية مثل آية السيسستاني , كم دراية المثقف بها وبكتبها وسلوكيتها ,مقايسة بما يحفظه من ادب روسي وانكليزي وفرنسي ؟! ..ان قيل ان الثاني من اختصاصه اما كتب الاول فهي ليست مهنته ..نقول اذن كيف يمكن ان ينتقده فضلا ان يطرح المثقف نفسه بديلا معرفيا عنه ؟! .. وكيف يصح كل هذا التبرم من صعود التيارات الدينية واندثار الحركات العلمانية والتنويرية ؟! .. اخيرا : الا يعتبر السيستاني بشخصيته التسامحية هذه ,فرصة لايصال خطاب ثقافي وديني ,لم يستطع القائمون عليه ايصاله كل هذه المده ..ام ان هولاء سيضيعون هذه الفرصة من باب كونها اعترافا صريح بـ((خصمهم)) التاريخي ؟! ..انه امر بالتأكيد لايعني سوى ان هناك اكثر من معركة لم تزل مُؤجله, واخرى لازالت بعد غير مكتمله .

 

alnemer_1980@hotmail.com

 

سدني - استراليا