الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

21  تشرين اول 2005

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

محاكمة صدام المستحيله : يجار الماي عطشانه شواطينه

 

(1)

 

بالتأكيد ان قضية بمستوى محاكة صدام حسين ,تحتاج الى العقل بمنتهى خلوصه واخلاصه ,والحد الاعلى من ((فولطية)) التأمل بتوازن المصلحة , وليس العاطفة , .. ولعل بعض القراء سيتأسف لمَ لم يتم عرض بعض الملاحظات هنا بشكل علمي مرقم كما هي عادتنا ..لكن هل قضية مثل قضية محاكمة  طاغية بحجم صدام حسين , هي قضية عقلية موكولة لدلينا ودليلكم ؟! ..هي كذلك بالنسبة لجلسة المحاكمة والمخولون بها .. وهي كذلك بالنسبة  لمن لايعرف من صدام سوى خبر وليس عيان .. او من يعرف صدام  منصب وراتب ..وابن منطقته ..اما بالنسبة لصدام حسين ومخلوقاته ومن هم من فصيلته المعاشة على الدماء , فان رفع شعار التأجيل والتعقل , بات احد اوراق لعبة عساها ولعل تنجح ..فالعقل ليس مثل القلب ..القلب يخيب رجاه  ..لكن العقل يمكن له ان يخون .

 

لكن ماقولك بضحية صدام حسين واولادها واحفادها ..هل نطالبهم بان يتمسكو بجليد العقل ايضا ..عقل يبحث عن دليل الادانة ,فيما بناية محكمة صدام حسين , محاطة بقبور جماعية , وشوارع اتخمت بالمقتادين للحروب , واشلاء انتفاضة الشعب مرات عديده ؟! .

 بحق لا استطيع ان اضحك على نفسي فاكتب مقالا في البديهيات ..فاعسر شيء هو توضيح الواضحات ,لكن حديث ((الواضحات)) بات لعمري كل لبُاب الاعلام العروبي ..وماعسانا ان نقول ؟! فمن يريد ان يفكر بطريقة عمر موسى واعلام الحكومات العربية وبعض شرائح مجتمعاتها التي سمن كتفها باحاديث الانتفاخ القومي والوهم المذهبي  ,فانه بالتأكيد سيصل الى نتيجة ذلك النقاش الذي جرى بين اثنين شاهدا سوادا من بعيد ,قال احدهما انه غراب وقال الاخر انها معزى ..فلما اقتربا ,طار الغراب , فقال الاول: ((هي عنزة ولو طارت)) .

 

واليوم حزب البعث وعمر موسى واشباههم , يقولون صدام وحزب البعث ,عرب اصلاء ولو قتلوا عرب الجنوب العراقي ,فكأن القومية العربية شذوذ بين تنظيرات القومية ,فلاتقوم الا بابادة العرق الذي تنطق باسمه؟! .. وتنصب رمزها العروبي صلاح الدين الكوردي ثم تقتل اهله ..او يجب ان نصالح حزب ,ولو انزل الله سجلات توثق جرائمهم ,..فقد باتت الوحدة الوطنية ,مساواة المجرم والضحية ....((الضحية)) التي يجب ان نتناسها كي تستقيم السياسة والكتابة ,اذ الحديث عنها امر ((جارح)) لبعض ((الاخوة)) ..وهو لون من الوان التباكي وعقدة الظليمة لدى الشيعة ,حسب فتوى بعض المثقفين والمتثيقفين اليوم .

 

هل فعلا صحيح خبر :ان صدام والعراق هما قائد مجنون وشعب جبان ؟!

 

لا .. وكيف يصح ولم ينم اهل العراق  عن جراحهم التي ماكفت تتسع بيد صدام حسين وكلابه, تشهد لهم السجون التي ماخلت , وحبال المشنقة التي مرات بيدت وتجددت ..فاهل العراق قوم شديدوا المراس , وعرة ارواحهم بكل ماهو صعب ..لم يسجل التاريخ انهم جبناء قط ..على العكس عرفوا دوما بشدتهم حد الافراط  ,حتى ان سعيد بن المسيب ,جعل نساك الحجاز الغلاظ ,قوم ظرفاء عند اقترانهم بعباد العراق (= انظر شرح نهج البلاغة لبن ابي الحديد الجزء الاول )..ولم يترك الجنوب العراقي سلاح مقاومة صدام حسين وحمى مستنقعه ,حتى آخر لحظة قبل التاسع من نيسان ..بل لم يكن ليجري الامر بالسهولة التي وقعت لولاهم ..بيد ان صدام حسين تنبه وهو اقذر من مشى على الارض , وانتن من سيتم دفنه فيها ..ان اهل العراق اهل انفة على نسائهم واعراضهم (كبقية اهل الارض طبعا) وهنا كان صدام يفتك بالاعراض ..بالام والاخت والزوجة ..فبات كل واحد يفكر باهله وعرضه وشرفه , قبل ان يتنفس حتى ..فلم نكن نحن قوم نخاف الموت ,كيف ونحن الصادحين باسم الحسين بن علي طوال ايام السنة وفصولها ,حتى جزع الناس من هذا التكرار وما ممللنا .. ولقد شهدت الحرب العراقية هوس احتضان الموت , دفاعا عن الارض لمن كان في الجيش العراقي , ودفاعا عن العقيدة لمن كان في الجيش الايراني ..حتى شاع عند اهل ايران يوم ذاك بان الشهيد العراقي  يعدل شهيدين ,لكونه كان يقاتل اخاه واباه , وهو موقف يجعل اشجع الابطال جبان متردد .

لقد بقي مجرى دمنا جارياً ..فان جادلنا احد بكوننا الغالبية في السياسة اليوم ..فانه لايجدلنا احد بانا كنا الغالبية فيمن تساقط وفقد واسر يوم امس ,في الحرب العراقية الايرانية وانتفاضة شعبان , والداخلين في محاكم حزب البعث ,بلا رجعه وبلا ذنب .. وتلك الغالبية , لم يتحدث عنها احد ولن يتحدث عنها سوى عوائل المثكولين بها .الا اللهم بعض حمقى المنابر الطائفيين من الشيعة وبعض تجار الدم والمزايدين عليه من دجلة السياسة الجدد ,الذين قد يذكرونه كق يراد به باطل .

لقد بقي مجرى الدم جاريا ..ومجاري المياه يتم تجفيفها وتلويثها ..فكنا نشقى لجمع الماء , ونحن اهل عراق دجلة والفرات ..وكنا نشقى بجمع الماء ونحن اهل الجنوب حضارة سومر التي تعني حضارة الماء وقصبه ..فجفت اهوار جنة عدن التي تتغنة بها التوراة  منذ القدم, فرأت الشمس يابسة لم تشهدها منذ ان خلقت الارض ..تم قتل الجنوب انسان ونبات وطيور وانعام ..ثم هدم كل شيء وايقاف بناء كل شيء , حتى اننا لو قمنا_ حتى الان _  بالتقاط صورة من طائرة هليكوبتر , فان الصورة ستكون اقرب الى صور مقبرة وليس مدن مأهولة بالسكان . ..افهو وهم مذهبي يتباكى على نفسه حقا ..ام واقع حاضر تشهده المقابر ..وتاريخ طويل يراد له ان يتم تناسيه بشكل متكرر؟!

 

(2)

 

 اشتق الشيعة من الشنيعة والشر حسب تسطيرات الجاحظ , لذا كان يجب ابادتهم دوما .. ففي كتابه الحيوان , يستأنس عمود النقد العربي , الجاحظ , بان احد شيوخ المذهب الاباضي يكره الشيعة ((لاني لم اجد الشين في اول كلمة قط ,الا وهي  مسخوطة مثل : شئوم وشر وشيطان وشغب )) , وهذا الحديث يرويه صاحب العقد الفريد عن الجاحظ ,مع بعض الاختلاف .. لكن اين التوازن العقلي للفكر المعتزلي ,مذهب الجاحظ وعقيدته ؟! .. ومتى كانت الحروف كاشفة عن حقائق الواقع , وهي امور اعتبارية نحن وضعناها ؟! ..ثم الا يصح قولنا شيعة المسيح , وشيعة محمد , وشيعة الله ..وشيعة الحب .. وشيعة لحرب والدسائس , بلا اي مجاز ؟! .

 

 الجواب :اما العقل فالفكر المعتزلي اسس فكرة الترجيح بلامرجح ,كي ينقض نفسه بكونه سني الهوى , شيعي الشرح لخطب علي بن ابي طالب ,وتأسيسه للسجال العقلي ,وطرح اشكالية الوحي والعقل ..وقضية الواقع والنص (وهما محوري نهج البلاغة كله, ومع وضوح الامر لست ادري لم لم يكتب فيه احد ؟!) .

 

 اما بقية الاسئلة  فجوابها واضح , فان بدء الكلام عن الشيعة بكونهم ((شؤم )) , فقد انتهى بانهم ((شغب )) ..ولاشيء اكثر غمة على السلاطين من التمرد ومظاهرات  الرفض . وهذا ماسيجيء واضحا في كلام الجاحظ في كتابه الاخر الرسائل , حيث سيقوم بشطر التشيع الى شطرين : (( اعلم ان الشيعة رجلان : زيدي ,ورافضي ,وبقيتهم نزر جاء لازما لهم)) ..اذن فهولاء اما تمرد ظاهر , او تمرد سري باطن..وكلاهما شر مستطير, في نسق يراد له ان يلغي بعض الكتاب فيؤمن ببعض ويكفر ببعض . فالايمان ايمان السلطان وطاعته فقد(( قال رسول الله صلى عليه وسلم : من اطاعني فقد اطاع الله , ومن يعصني فقد عصى الله , ومن يطع الامير فقد اطاعني ومن يعص الامير فقد عصاني )) هذا ماقررته صحيفة وهب بن منبه عن ابي هريرة بوضوح(=ص23 الحديث رقم 22) , وهو حديث يكثر امثاله في غالبية المذاهب ما عدا النادر منها , والمذهب الشيعي على راس القائمة السوداء , فهكذا حديث مرفوض جيل بعد جيل,بشكل لالبس فيه .

 

اذن يكن لم ليبقى  احد من الشيعة ولتم فنائهم مثل المعتزلة  في الشرق , والهنود الحمر في الغرب ,لولا استراتيجية التقية ..التقية لتي تحولت الى طبيعة في بعض الاطراف بفعل قانون كثرة التكرار ,النفسي ..وهذه جريمة اخرى يطول شرحها ,بانه كيف تم تخيير الانسان بين خراب كيانه الداخلي او تعذيب جسده الظاهري ...هذا كله لايراد الاعتراف به كي يتم تجاوزه ,فهو اذ هذا حديث مذهبي طائفي .

 

لقد تم نفينا من الارض سياسيا , وشطب مذهبنا الفقهي والفلسفي ,فكرياً ..((روافض)) مرفوضين ..مخلوقات مريخية شاذة لهم قرآن يسمى قرآن فاطمة , احفاد ابن سبأ مخرب وحدة الصحابة والصف العربي ... اي صحابة مع نزول سورة كاملة بالمنافقين ومئات الايات غيرها ؟! .. واي ابن سبأ هذا وهناك مئات الادلة على خرافته (=انظر مثلا كتاب جعفر العسكري :عبدالله بن سبأ ) ..اي صف عربي موحد بين قاتل ومقتول , وحروب مذهبية وعشائرية لم تتوقف  حتى اليوم ؟! .. لايهم فـلا جدال في قضايا الفكر العربي ...((العقل العربي)) و((الفكر العربي )) هي من حيل الكتابة حيث ينقلب نحت المصطلح الى وسيلة للطرط , فهذا الفكر وهذا العقل ,يمنع دخول تراث الشيعة فيه , وهو ليس جامع لجميع تيارات العلماء السنه(بل يكفي ان ائمة المذاهب الاربعة كانوا ضد جعلهم قفل لباب الاجتهاد ) ..اي ان التعريف ليس جامعا ولا مانعا , وانما مزيف ومجتث لكل ماهو خارج ماينفع السطة والمخيال الاجتماعي لعصبتها ,فالحكم ليس قوامه العدل , وانما العصبية , وتلك نظرية سيقت بانها نظرية ((علمية)) بريئة  ,افادنا بها ابن خلدون .

 

هذا الطرد الفكري هو من كان ولايزال يؤدي دور شرعنة الابادة الطائفية تارة والقومية تارة , والا  فكيف كان علي بن الجهم (راجع مايذكره الاصفهاني في اغانيه)  شاعر بلاط المتوكل ومرتزقه ومهرجه , شغله الشاغل هجاء آل ابي طالب وكل من يرتبط بهم ,الى درجة قوله في اول صحابي في الاسلام ,ورابع خليفة للمسلمين  ,هذا القول الرذيل :

ورافضة تقول بشعب رضوى _امام خاب ذلك من امام

امام من له عشرون الفا _من الاتراك مشرعة السهام

 

امر لم يكن يكافأ الرد على هذا الخلق الرذيل ,سوى مغامرة البحتري  الذي اجابه :

 

علام هجوتَ مجتهداً عليا - بما لفقت من كذب وزور

اما لك في استك الوجعاء شغلٌ - يكفيك عن اذى اهل القبور

 بيد ان حتى القبور كانت تغيب بدءا من قبر زوجة علي , وحتى قبر باقر الصدر واشقاء المقابر الجماعية في حكومة حزب البعث وصدام حسين.

 

( 3)

 

اذن فهنا انقسمت العائلة ,التي كانت تدعي ان لافضل لاحد على حد فلا اعجمي ولاعربي , وانما التقوى والاخلاص ..بات هناك ((آخر)) وهذا الاخر رافض للسلطة القائمة وبلاطها (=رواتبها ومخصصاتها ) , وهم ((اتراك)) وليس عرب ..اي شطب هويتهم ليس مرة واحدة وانما مرات عديدة..اما حديث الايمان والتقوى ,فقد حله ابن سعد منذ زمن بعيد ,فهو من كان يؤسس بانه (( اخبرنا ابو معاوية الضرير ,قال حدثنا مالك بن مغول عن الشعبي ,قال: لو كانت الشيعة من الطير ,كانوا رخماً , ولوكانوا من الدواب ,كانوا حميرا)) ,ثم يضيف: (( اخبرنا الوصافي عن عن عامر الشعبي ,قال :احب صالح المؤمنين(..) ولاتكن شيعياً)) ..كيف يصح هذا الاستثناء هنا ..ام تخصيص وقرينة متصلة ؟! ..على كل حال هنا تظهر بوضوح فكرة الفرقة الناجية ..والتي بالطبع لم يكن التراث الشيعي ناج منها ,فهو قد تورط بها ايضا ,من باب ردة الفعل ,او باعتبار التشيع فكر ديني كغيره ,لذا يصعب بناء عقيدة ايمانية تشكك بنفسها ,فهذا مالايعرفه تاريخ الاديان قاطبة.

وانه لأمر جلل اليوم على المثقف المنتم اسريا بالمذهب الشيعي , فهو يأومن بضرورة المجتمع المدني ومساواة الناس على مبدء كونهم انسان ,بغض النظر عن الايمان والكفر ,والقومية ..فهو مطرود منتبذ من قومه تحفه الاسنة واللاسنة من كل حدب وصوب , من قومه ..بينما شقيقه في المذهب الاخر , يصل في نقده لامور ثم يقف ,كي لايثير قومه ضده ...انا ياأخي افتح باب النقد من علي بن ابي طالب وحتى الخميني والسيستاني , بينما انت بقي كل شيء لديك على حاله تهمل ذكر حادثة الدار , وحرب الجمل , وتراوغ على تراث عضد السلاطين جيل فجيل , وتهمس سرا عن ذلك الارتباط الوثيق بين عمليات الارهاب في العراق والكره المذهبي لديكم ( وطبعا هذا لايعني موافقة الجميع لكن اين هذا الاستثناء من الازهر والزيتونة ومعاهد السعودية ؟!), ..كيف نصل الى المجتمع المدني اذن ؟! ... فلنأخذ مثالا بسيطا: اليس الفكر الشيوعي فكر لاديني ,فلم كفة النقد للتراث الشيعي ورموزه ارجح بلامنازع بينما نقد التراث السني شبه فارغة ؟! ...كيف نلتقي اذن , وانا منبوذ مرتين :مرة كوني انتقد قومي , ومرة قومك يكرهونني لكوني شيعي في نظرهم؟!...لاسبيل ايها الاخ العزيز  الا بجعل هذا التراث تراثاً واحدا ونقده برصف الاسماء والرموز بشكل متراصف , علنا نصل الى شعب يحب بعضه بعضا بصدق , وليس في حديث اعلامي ودعاية تلفزيونية .والا سيبقى طراطير العمة وكتاتيبها , حطب يزيد تنور المجتمع اشتعالا .

 

(4)

 

وخفف من غلوائك وتعال معي  وحاول ان تتفهمني من دون ان افرض را ي ما عليك ..انا وبعد ذلك التاريخ الطويل من الرعب والطرد والاقصاء اجد اليوم تتم محاكمة صدام حسين ..لكن يجب علي اهمال ذكر الحرب العراقية الايرانية وانتفاضة شعبان , واقفال الحوزة ومطاردة تلاميذها , وتجفيف الاهوار وقتل ساكنيها ..لماذا؟! ..لاجواب نتحايل فيه على اوجاعنا _ حسب ما اراه _ سوى ان هذه الامور لو طرحناها فان محاكمة صدام ستطول الى يوم القيامة ..اما جواب الجرح فهو : لايمكننا حتى ونحن ماعليه اليوم, من محاكمة صدام حسين على ذلك ..فمحاكمة صدام حسين على اغتيال علماء الحوزة العلمية , امر سكتت عنه  امريكا والدول الحليفة  ومنظماتها الانسانية, ..الحرب العراقية الايرانية , حرب اعانت امريكا صدام فيها .. الكمياوي والخردل ..التي صبها صدام حسين على الكورد , امر يفتح الباب الى ان يذكر صدام من باعه اياها .. قمع انتفاضة شعبان ..امر يوصل الى سماح بوش الاب لصدام حسين بامكانية استخدام الطيران عند خط 32 الذي كان يفترض ان لايتخطاه صدام حسين بعد اعتدائه على الكويت .. اذن فليبقى اهل العراق كاظمين جرحهم من جديد ..لايمكن لنا  بعد ذلك كله محاكمة صدام , سياسيا .. ولا الطرف السني ,بقادر على التشكيك بنفسه لا اقل فيخطو خطوة تليق بان يكون الصادح بفكره غير تجار الدم والكراهية والتخلف هولاء ؟!.. وهي لمحنة ان تسوّق محكمة صدام حسين وبناء العراق الجديد , وكأنها مأمارة ضد العقل العربي وتاريخه .. وهنا اذ يكثر التنظير والمراضاة ,فان صخرة الواقع تهشم كل ذلك , اذ كيف يمكن الوقوف بوجه مد شيعي يعتمد على خوف من الطرد ثانية(= وهو خوف له مبرراته الواقعية وليس وهم, كما تحاول ان تشيعه اطراف عدة اليوم ) , وهو خوف ان جد له حل لدى الاكراد , بشكل له تباعاته المعروفة , لكن في الطرف الشيعي ,لاندري حتى الان ماعساه ان يبلغ ويصل .

 

على هذا فليس الامر هو محاكمة لطاغية او زمرة معدودة الانفار , وانما هناك اطراف تتعارك معيدة مخيال قومي وديني معين ,مستفيدة منه في تخريب كل شيء ... ماعساه يصل بنا هذا الانشغال بالشأن السياسي المباشر , واهمال الشأن الثقافي الرحم الحامل كل تمخضاته وولادته؟! ...المشكلة السياسية ليست هي بداية الحكاية , وانما آخرها ..هناك مخيال اجتماعي وتاريخي ,له شعاب كثيرة , هي من تؤثر على عقول هولاء الساسة ,شعبا ومتصدين , لذا فان تمكنا في قابل الايام من ايقاف عمليات التفجير والتخريب ,واعتداء مليشيات الاحزاب ,على هذا وذاك ..فانه لن تكف تراكمات تاريخية واجتماعية ,تتفجر وتعيد اجواء الكراهية من جديد , وبالتأكيد ان المتغير السياسي لن يكون محايد الموقف منها .

لكن بالتأكيد لاقناعة للطرف المقابل مهما ابديت له الادلة , ولو كنتُ انا مكانه في الضفة الاخرى لفعلت مثله مهما ادعيت غير ذلك اليوم , فليس من السهل على الانسان ان يعترف بكل هذا التاريخ من الدماء والاخطاء ودناسة المقدس ..لذا لم يتبقى لنا سوى القلب والعاطفة نثيرها وننشادها ,في ان تتصفح كتب التاريخ في الامس , وصفحات  اشلاء الشوارع والمقابر اليوم..عل القلب يساعد العقل على النهوض من نومته الطويلته ..عله ...اما نحن فسوف نبقى نتأمل ان نتآخا مرة اخرى , وبافضل مما جرى في التاريخ , فليس السني اخ الشيعي , وانما اخ المسيحي والصابئي ومن ليس له دين , ولايؤمن بحقيقة ما سوى الانسان وقدسية احترامه..وحتى مجيء مثل ذلك اليوم سنبقى  نغني بقرب الميناء والاهوار ,مع تلكم النخيلات المجتثة القطيعة :

 يجار المجاي عطشانه شواطينه.. يجار الماي عطشانه شواطينه.

 

..........................................

علي النمر : سدني - استراليا