|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
19 تشرين اول 2005 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم
شفرة الكلمه وشفة الورده
كتابات - عبداللطيف الحرز *
ماذا عساه ان يفكر الانسان وهو يواجه ورقة جديدة ..كتاب جديد ...موقع الكتروني جديد..صحيفة جديدة ؟! ..الكتاب الجديد او الموقع او المجلة الجديدة , لاتعني كتابة جديدة بالضرورة ..فكم من كتاب جديد وصحيفة مستجدة , اضاعت دقائق وساعات عمرنا الثمينه . ماهو اكثر مرارة هنا :كم من كتاب وصحيفة ,اعادة علينا مواجع نسيناها ,واحقاد تجاوزناها ..فاذا بهذا الكتاب او تلك الصحيفة ,تلملم رماد الاموات والاخشاب البالية ,وتشعل نيران الفتنة في حياة عائلية آمنه .. واحزاب سياسية وطنية تناست احقادها وبعض اطماعها ,تمسكا بشرف الوحدة الوطنية وحقن الدماء والارض ..وكم من صحيفة او مجلة واكتاب امو موقع جديد ,عاد يحاول فك المسامير عن اخشاب السفينة , بعنوان ان هذه من نوع وتلك من نوع , وهذه من طائفة وعرق وقومية وهذه من طائفة وعرق وقومية , وكأن سفينة الوطن يمكن ان تبحر في امواج الحضارة والحياة , بنوع واحد فقط ..ولكم من سطور لاشغل لها سوى رصد مواضع الضعف لشريحة مجتمع عانى الكثير كي ينقل نفسه الى مرحلة جديدة من التعامل مع الحياة ومع الواقع . لكن هل بالامكان ادارة ظهرنا للاوراق , والعيش بدون وجع الرأس ؟!
للاسف الجواب :لا ..والا لكنا دواب همها علفها ,تترزق لقمتها في الصباح وتنام مرتاحة البال في المساء .. او مجموعة من العبيد والاتكاليين , لنا نحن طعام البطن والفرج , ولغيرنا طعام العقل والتفكر . الانسان كائن قلق ومتغير ,ويوم يصبح فيه كائن ثابت ,سيكون ميتاً ..الجواب :لا , لكون القراءة ليست ترفا , وليست اشغال وقت ضائع ..واليوم بعد ترحيل اناس من بلدانهم بسبب نوع من الكتابة , وترحيل اناس الى بلدانهم بسبب نوع آخر من الكتابة , ..يغدو واضح ان القراءة هي نوع من تحديد ((المصير)) ..فكما انك تصنع الكتابة , الكتابة بدورها تصنعك ايضا ..وان لم تتغير بها مباشرة ,سوف تغيرك بواسطة من تلتقي بهم من مرتادي القراءة والمطالعة (=المطالعة بمعناها الاوسع وبشكالها الالكترونية المستجدة اليوم )..الكتابة جزء من الواقع المتغير ,وهي اليوم شبكة تتدخل بدءا من عملك ,وحتى غرفة نومك وحساباتك المصرفية ,وصعود ونزول موارد دخلك ومصروفك وتحركك اليومي ..وقبل ذلك وبعده ..زوجتك اوحبيبتك تمل حديثك وعاداتك ..انتَ كذلك تبحث عن الكلمة الجديدة التي تجدد دم الحياة في منزلك بمثل تنفس البيت بالاثاث الجديد ..وانتَ (وانتِ) ,بحاجة الى مفردات رصينة طرية ,تظهر لابقاتك في تسهيل مجريات العمل وتخفيف ساعاته على القلب ..انت بحاجة الى وعي بمقدار معقول بالحياة ,استجابة لتحدياتها ومتطلباتها ..تلك ((المتطلبات)) التي ان لم تطلبها انتَ كما تريد فانها _ ويال للويل _ سوف تطلبك كما تريد هي. الحياة التي لن تعيها بدون الاطلاع على الكتابة ..خذ مثال بسيط جدا : ماذا يتبقى من السياسة واساتذة القانون والتشريع , ومهنة المحاماة , اذا الغينا الكتابة والكلام ؟! هذه ثلاث مهن فقط اذا الغيناها يتم شطب كل الحياة التي نعيشها وتعود حياة الانسان الى عصر القبيلة ..فلا مؤسسات صحة ولا تأمين اجتماعي, ولا مواثيق دول داخالية او خارجية .
بهذا كما ان الكلمة سيف تدافع به عن حق او باطل , فان الكلمة ايضا هي وردة خلابة الالوان طرية الخدود , تقع مرة بيد غادة حسناء مثقفه ,او شاعر موهب , ومرة تقع بيد طائش احمق ينتف الوردة ويرميها ,لكونها خسارة جيب ,الحجارة انفع منها . والامر طبيعي ,فلكي تتمكن من تصفح اوراق الوردة ,عليك ان تتعلم الرقم السري للاوان ومعنى الجمال : شفة الحسناء الحمراء المتوردة ,مرة عابسة ..ومرة غاضبه ..ومرة غامزه .. ومرة هازئه .. ومرة كاذبة ..هذه معان لايدركها الاعمى ..وكذلك لكي تقرأ الكلمة تحتاج الى عيون خاصة تفتق لك عطر المعاني ,وروائح المقاصد السامية, والا فالاعتماد على مداد وحبر الكلمات الاسود , قد لايعني سوى تكرار لمشاهد افلام مملة التكرار والتقليد.
بهذا تجد ان الخليفة الرابع الامام علي بن ابي طالب ,كان شديد الحرص بان لامنع الحكمة عن من هو اهل لها ,فنظلمهم , وان لانهدرها للجهال ,فنظلمها.. وهي ذاتها وصية السيد يسوع المسيح : بان لانعلق الجوهرة برقبة الخنازير .
وبكل تأكيد ان الكلمة باتت مهدورة الحرمة اليوم بشكل لاسابق له في التاريخ منذ ان بدء الكون ومنذ بدأت الكلمة , لذا سهل على قبيلة الخنازير والجهال , ارتداء قلادة الكلمة ,حتى بات قاتل الشاعر شاعرا , ومزور التاريخ مؤرخا , وصاحب مليشيات التكفير وتجمعاتهم في حسينيات ومساجد وامكنة مشبوهة, كاتب ومدع للصنعة والاحتراف !!.
وما الحل اذن ونحن بحاجة الى الكلمة - الورده ؟!
لا اجد ثمة حل سوى العمل بوصية شاعر عراقي قال ذات مرة : {املك قلبك تملك كل شيء} ..فالعقل يمكن ان يدوخ من كثرة الكلام , ويحتار وتتلاعب به المغالطات,وكثرة لغو الحديث ..في حين ان مايخرج من القلب يقع في القلب ..وقديما كان اجدادنا الفلاسفة يقولون بان الوجدانيات اساس البديهيات , وبالتأكيد ليس من عرش للوجدانيات تجلس فيه سوى القلب ..فيا ايها العزيز اكنس حريم قلبك من القيل والقال , واصغ لقلبك وتصفح وردة الكلمات ,علك تلج باب حديقة المعنى , والا فعلم بانك تسلك الطريق والباب الخطأ , فكما ان الشبهة ,شبهة لكونها تشبه الحق , فان طعن الكلمة ,طعن , لكونه يشبه طعم الكلمة ..تماما كما ان الجراح الكاذبة ,تشبه شفة الحبيبة الكاذبه . والجراح الصادقة تشبه شفة الحبيبة الصادقة ..اذن اختبر مايترءا لك من كلام , فالكتابة حب او صداقة , وليس دراسة فقط , لذا يكثر الكذب والخيانة , ويندر العشق والوفاء .
* علي النمر (سدني - استراليا )
|