|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
18 آب 2005 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم كتابات - عبداللطيف الحرز
الكتابة الوهم .. وهم الكتابة : ممانعة الواقعي وطواعية الكتابي - 3
وقديما كان الفلاسفة يقررون بان علاقة العمى والبصر ,هي علاقة الملكة وعدمها , وعلى ذلك اندرجت بحوثهم الشهيرة , لكن هذا الامر المقترب اليه بادوات الواقع , اتخذ سلوك مختلف بـ ((ادوات الحلم )) , وكمثال :
في مجموعة 45 مئوي , القصصية , يذكر محمد خضير , حالة الانسان عند انقطاع التيار الكهربائي , فيسجل تلكم الحالة بالقول :
((ينطفيء التيار الكهربائي فجأة , عزلة عن كل شيء , اسكن في الظلام واتلمس ماحولي))
وهي حالة تتردد في قصص محمد خضير , باعتباره موثق ذاكرة مدينة البصرة العراقية , التي احد محنها الدائمه ,فقدان التيار الكهربائي بسبب حكومة صدام حسين وحزب البعث, وعمليات التخريب من قبل دول الجوار,بالاضافة الى واقع حكومة الفساد , فيما يخص النظام الجديد. واعتناء محمد خضير بالظلمة هو الذي سيجعله يكرس قصة ((المأوى)) عن العميان .
نحن اذن امام ذات الانشطار : الناس تعتني بالضوء الظاهر وتعده هو الاشراق , فان المثقف يعتني بالظلمة ويعدها هي جوهر الضوء .. واذ تكون عناية الناس موجهة صوب الاصحاء .. فان المثقف يمم وجهه صوب المرضة الى حد التفتيش عن المعنى لا في افواه المجانين كما سبق للمثقف القديم , وانما بالشاذين جنسيا ايضا , كمافعل مشيل فوكو .. هل مهمة المثقف تتحدد فيما هو نقيض ياترى ؟!
في قصص غراسيا ماركيز عن المجانين والشواذ والداعرات , وفي حكايات نجيب محفوظ .. وفي مقطع قصص محمد خضير , وغيرها من الاعمال الثقافية الكثيرة , تشابه واضح مع كهف افلاطون القديم : الناس يعتقدون انهم يرون الحقيقة , بينما هم يتلمسون صفاتها فقط , حسب التقرير القديم لابن سينا.. الناس كل منهم يكرس ((جوهر)) الشرف و ((كامل)) العفة والعقل , منزلة او عشيرته او مجتمعه ..في حين ان هذه مفاهيم ينتجها نسق ((الظلمة)). وهكذا نجد انفسنا قد ارتبطنا بمقولة شيخ العميان وسيد المبصرين , ابو العلاء المعري , حيث يقول في كتابه اللزوميات :
(( انا اعمى كيف اهدي الى المنهج _ والناس كلهم عميان))
الـ((اعمى)) في بداية البيت هو الاعمى المباشر , وهو فرد , بينما الـ((عميان)) في خاتمة البيت الشعري , هو الاعمى الباطن , وهم ((الجماعة)), وبذلك تأشكل الاعمى في مطلع البيت بين الاعمى المباشر وغير المباشر , وهذا هو الذي صير هذا السطر نصاً ادبيا. في نص المعري هذا , شبه اختصار لمقولة ان الابداع هو فردي طبعا , لكن هل هو نقيض للجمعة تنظيرا؟! .. هذه الصياغة تربط المخلية بمقولة القرآن : {قال ربي لمَ حشرتني اعمى وقد كنتُ بصيرا} ..فنحن هنا امام ذات المزدوج ((اعمى=البصير)) و ((بصير= العمى)) , ورغم ان الاية القرآنية استخدمت صيغة المفرد (= قال .. ربي ..) , لكن حينما نتصفح القرآن نجد انه لايمدح الكثرة , وانما القلة (= قليل من عبادي الشكور ..) , فان الامر يعود بنا الى صياغة المفرد لدى المعري ازاء الجماعة.
المعري اذ وافق المشهور على الشطر الاول هنا (= فردية المثقف ) , الا انه خالفهم في الشطر الثاني , حيث انه لم يعتقد بالضدية مابين المثقف والجمهور , المثقف هنا اعمى ايضا , مثله مثل بقية الناس , اذا فكيف يصح ان يكون داعية , ونبي ينثر التنبؤات في شعره ومقالاته وقصصه ومسرحياته ..او كيف ((اهدي الى المنهج)) ؟!, حسب شيخنا في العمى , المعري .
على هذا لايكون فارق المثقف عن سواه , بمايدعيه من امتلاك ((المعرفي )) وانما فارقه الوحيد , هو اعترافه بعماه .لكن هذا((الاعتراف)) تطلب منه الاستعانة بالعصى , لاللضرب بها وهش الناس غنما ,كمايفعل السياسي والديني والاجتماعي , وانما كي يسترشد بها الطريق , فلايتعثر بالاشياء او يمضي بها عابرا من غير محاولة التعرف عليها , .. ومن غير القلم عصى يدفع بها الاذى ,وله فيها مآرب اخرى ؟!
فارق الاعتراف بالعمى الذي يجعل المثقف فرد مختلف , امر مغاير لعزلة النبي يونس الذي فر من الضياء\الظلمة, الظاهر , الى ظلمة\الضياء, الحوت الباطن ..فالنبي يونس لم يهتدي الى الاستغفار الا في تلك العزلة والظلمة ..تماما كنبي الاسلام محمد ,الذي لم يهبط عليه الوحي الا بغار حراء وعزلته, وهو امر يذكرنا بمقدرة تحسس خفايا الاشياء لدى النبي يعقوب بعد ان فقد بصره , مثلما تحسس الاعمى في قصة محمد خضير (= علينا ان نلاحظ في هذا السياق , ان القرآن يقرن ذكر الاعمى والبصير بالظلمات والنور, بشكل متكرر ) .. بيد ان مدعي النبوة , يكمن في العزلة , لكونه يعتقد اعتقادا يقنينا , بكونه في الضياء وباطن الحقيقة ,وانهم يعيشون في النصف المزيف المشوه .في حين ان مدعي الثقافة لايدعي مثل هذا اليقين مادام يضع نفسه اعمى بين العميان, عليه فعملية التنوير الثقافية هي دعوة سجالية مفتوحة بكونها دعوة محضة لان نتحسس الكهف الذي نعيش فيه , بينما دعوة النبوة هي احتكار للنور بيقين جازم , بهذا لاحاجة بنا لعرض نصوص ادعى فيها المثقف النبوة وطرح نفسه نبيا لرسالة بلا اله.. او قل: ان المثقف طرح نفسه في جملة من النصوص , نبي لرسالة لا اله فيها ((ظاهرا)) , فيما كان المثقف هو النبي والاله ((باطناً)) ! . ....................................................
وهنا يمكن الاعتراض : ((اذن الفعل الثقافوي هو مشغل مجازي ليس الا , فنحن جميعا نتملك العيون المفتوحة باتساع وليس ثمة حقيقة لهذا الانشطار))
لكن مع الاسف مثل هذا الاعتراض لاحاجة ان نصوغ حوله الكثير من الاجابة , فقد تصدى الجاحظ قديما له , وخيب النشوة فيه . حيث يقرر الجاحظ :
((لاتكفي الحاسة لوجود البصر, فالعين بالقوة , والنظر يظهرها الى الفعل)) .
فان تكون صحيح العيون لايعني انك مبصر , فلكي تكون مبصرا لشيء ما يجب ان تكون ناظرا ومتوجها اليه . وقس على ذلك : بان جميعنا يمتلك العقل , لكن ليس جميعنا عاقل , اذ ان امتلاكنا لشيء لايستلزم حسن التصرف فيه . لذا لن نستغرب ان صيغة ((النظر)) مشترك لغوي في الابصار المادي للعيون , وبين ((النظر)) بمعنى الابصار والمشاهدة الذهنية .. فكما ان امتلاك العين لايفضي الى مقولة الابصار والرؤية , النظر الحسي يستلزم العين الحسية لكن من دون عكس , فكذلك : امتلاك العقل لايفضي الى مقولة العقلنة وانما التفكر . امر يوثق تعبيرية النص القرآني , فالنص القرآني يندد بان خصومه لهم اعين , لكنهم لايبصرون بها , ولهم آذن , لكن لايسمعون بها , ولهم قلوب , لكنهم لايفقهون بها , اذن فهم {صم عم بكم فهم لايعقلون } , والغريب ان القران هنا ربط العقل بالحواس بشكل واضح جلي , مع ذلك قامت تيارات اسلامية, عديدة بجعل العقل مرحلة نصل اليها بعد التخلص من هذه الحواس , كما هو حال المدرسة السلفية الاشعرية , التي قامت على كون الصح هو النص فقط , بينما المدرسة الصوفية , جعلت مجاهدة الحواس والتخلص منها شرط للولوج الى مشهد الحق .
وهذا التراتب يوصلنا الى : ان قيمة الكتابة حقيقة هي في قيمة الحرية ..فامتلاك العين امر غير اختياري , ماهو اختياري هو النظر . وامتلاك العقل ليس امر اختياري , ماهو اختياري هو النظر (= بمعنى اللولوج في المقدمات , والا فالنتيجة ليست اختيارية ايضا , كما سبق ان نوهنا في : دفاعا عن التنظير ) .. العقل مثل العين طاقة كامنة , او قل هما في احسن التقادير , نظر وفكر بـ القوة , اما الابصار والتفكر , فهما عين وعقل بـ الفعل.
عليه فهناك نوعين للكتابة : كتابة تشد الارتباط الى التكيف في العيش داخل مملكة الظلام والكهف , وكتابة تمردية رافضة لأي نوع من الانتماء لمجتمع الحضيرة , وكائنات الاسطبل .
بيد ان المشكلة حتى في هذا الانستنتاج الاخير , هو ليس كونها نتيجة غير منفكة عن ثنائية : الخير المحض\الشر المحض .. الوعي الكامل \التخلف المتورم .. مجتمع المثقفين \المجتمع الاسطبل ..الخ .. والتي هي انشطار ينتجه اركانون العقل الوثني , الذي لايستطيع ادراك الامور الا بتشطيرها الى قسمين : نور\ظلام ..ايمان \كفر .. واخيرا _حسب ذهنية ملاصدرا واتباعه _ ماهية\وجود (= يصرح اساتذة مدرسة الحكمة المتعالية ان الايرانيين القدماء ,هم اول من قال قولا مقبولا لديهم حول الماهية الوجود , وهذا التصريح يلغي خرافة كون فلسفة ملاصدرا مستمدة من القرآن واحاديث اهل البيت , كما تم الترويج اليه طويلا ) .. وهو تفكير ضحل لكونه يجعل من نفسه نهاية الحكمة التي له دراية بكل شيء فقسم الايمان والعقل الخالص هنا , والكفر والتخلف خالصا هناك ..وهذه كلها تشكل وهم الثقافة ونرسجية المتعلمين , وانما المشكلة الاكبر هنا هي في ((وهم الحرية))... اذ ليس نص الغيبوبة والتصوف اللغوي المتعمد هو فعل حر .. ولا التلبس بمسوح الصعلكة و الانتحار الذهني الباحث عن كل ماهو مفارق ونقيض وشاذ هو : حرية .. وليس من الضرورة ان يكون ماهو ثقافي, هو نقيض ماهو ماوفق للمجتمع او السياسة او الدين .. فمثل هذا الامر قد يصح مرة وقد يخطأ مرة ..وبصيغة تناسب طريقة التعبير لاجدادنا النقاد : ان ماهو ثقافي هو لابشرط من السياسة والدين والمجتمع , والـ ((لابشرط )) كماهو انه ليس ضروري الاتصاف بهذه الاحكام هو ايضا ليس ضروري عدم الاتصاف بها ايضا.وعند هذا , فحتى لو كان هذا او ذاك مجرد ((قشر)) , فان القشر جزء من الثمرة , بل نقول اكثر من هذا : فحتى الكهف هو جزء من العالم , فلا ادراك بالكل الا بالاعتراف بالاشياء التي فيه , ومامقولة النص والتشويه وغير ذلك (=راجع نص قاسم حداد السالف مثلا ),الا مفاهيم ذهنية لاتحقق لها واقعا , فيما لو حذفنا الانسان . .......................................
ولكون وهم الحرية , يتحد في مجال الكتابة مع وهم المعرفة (= الكتابة حرية , فالمعرفة كتابه) , كان من الضروري ان يترك المثقف الجديد مقولة الفلاسفة المتكأة على كون البرهان هو اتصاف الحكم بالموضوع ضرورة واستحالة الانفكاك . فهذا الشرط هو شرط بدرجة انتحار عقلي (= وكم نحب ان نكرر : هذا الشرط شرط مستحيل ) , وهو احد اشد زوايا الكهف ظلمة وحلاكة . اذ ان هذا الشرط يعني ان مانكتبه هو ((الواقع)) , او ان الوجود الكتبي يضاهي الوجود الخارجي , وليس من معنى لمثل هذا التنظير , غير :
1_ انتهاء المعرفة 2_ احتكار المعرفي .
وهذا هو ماحدى بالماضين الى مزاولة الكتابة باعتبارها نهاية الافكار (= المحقق العراقي ) , وكفاية الاصول (= الخراساني ) , ومنتهى الدراية (= المحقق الاصفهاني ) , ونهاية الحكمة ( محمد حسين الطباطبائي ) ....الخ, وهذا المخيال هو ذاته مخيال المثقف الحديث , اذ ما معنى ان تطرح ((بيان)) سوى انك تقوم بنشر القرار رقم واحد , الذي يعلن ((نهاية )) ماسبق , وان البيان يمفصل الـ((مابعد)) , والـ((ماقبل)) ..الاول عهود ظللام , والثانية عهد تنوير ؟! .. المشكلة تتحقق كـ((ورطة)) حقيقة , حينما تكون الثقافة سلوكاً حزبيا , فهنا يكون بيان الشعر او بيان الحداثة , او بيان قصيدة النثر او بيان ...الخ , هو ليس اجتهاد يقبل مساجلة مخالفه , وانما هو تكتيك يشطر القوم الى معسرين , اي انه ليس بيان_فكر , وانما هو بيان _ انتماء , واي شيء ينجب مثل هذا السوك سوى ثقافة الاقصاء ؟!
ان ماهو خطر هنا في زاوية النظر التي اخترناها هنا , هو الانسياق وراء الكتابة باعتبارها عالم مستقل , او التعامل مع الكتابة على انها عملية تعويض او هروب مماهو واقعي وصنع ماهو متخيل (= دقق في عبارة قاسم حداد السالفة) , او التعاطي مع الكتابة او القراءة او الانصات للمنابر والمنصات , او قنوات التلفاز او ..الخ , بكونها محض عملية تبرير لمانراه صحيح , او شجب ماهو نقيض لافكارنا . فكيون حذف المقال هو حذف وجودي .. او كتابة رد على هذا او ذاك , نوع من انواع الحرب , او تعفيل لممارسة درجة من منازل العنف , وشكل اخف لعمليات التصفية . التعامل مع الكتابة بكونها عالم مستقل , بتساوق كونها عالم خارج العالم , هو محض مجاز , تماما كالذي يريد جعل التغير الاجتماعي او الاقتصادي ,علة وحيدة لتغير مسارات الطرق التعبيرية في النص , او العكس , اي كون الكتابة علة خارقة للعادة في تاثيرها على الكون والمجتمع ( طبعا واذا كانت الكتابة خارقة للعادة , اذن يجب ان نعامل صانعها وكاتبها , معاملة غير طبيعة ايضا .. وهو قول يندمج مع العقل الديني وسدنة الميثلوجيات فقط !) .. عندها يكون المراس الثقافي , ضرب من الجنون , وهل الجنون شيء آخر غير خلط المجاز بالحقيقة , او تبديل الحقيقة بالمجاز؟!! عندها يضحى صراع المتثيقف ونضاله ومشكغله , مثل صراع ((دي كيشوت)) مع طواحين الهواء , اذ عندها يكون المثقف يصارع خيالاته , مدعيا انها جوهر الواقع . في حين ان الكتابة والفن واللغة ..الخ , هي فعل من الافعال , وهي وفاعلها كائن من الكائنات محكوم بجملة عوامل وظروف وقاونين انطلوجية ,ولاداعي للتفلسف بان ماهو محكوم ليس هو اله , وكتابة محملة باعنكاسات نفسية وغير نفسية , هي جزء من الواقع , وليست هي معجزة متسامية فوقه .
وبهذا : فليس المثقف الا عنصر مساوي لبقية افراد المجتمع , مهما امتاز عنهم بصنعته , فان غيره يمتاز عنه بصناعة لاتقل عنها اهمية . على العكس فان الاعتراف بجدلية العمى والنظر ,هنا , لاتعني سوى ان الشك الذي يطيل افكار الناس ومعتقداتهم , هو يطيل افكار المثقف وادواته , بدرجة اولى . وبتعبير النموذج الاول لجدلية العميان , المعري :
(( لقد طال العناء فكم نعاني _ سطوراً عاد كاتبها بطمس؟!))
ان انخراطك في الكتابة متصورا نفسك ((جندي)) يحارب معسكر الوهم والشر , فيه وهم اليقين بانك تنتمي لمعسكر الخير , وهذا وحده يتضمن نوعا من الوصاية على الناس .. بهذا ان اي تجنيد لمحاربة الكتابة الوهم , حري ان نشكك فيه بانه نموذج ممتاز لعصابية وهم الكتابة ... لكن مهلا : اليست هذه ثناية مشدودة الوثاق بعقلية الكهف والخير والشر , اما الماهية واما الوجود .. اما الايمان واما الكفر .. اما الشرق واما الغرب ..اما وهم الكتابة واما كتابة الوهم ..في اي فقرة من الفقرات السابقة ,تبرق الجهة الحاوية لكوة الخروج من الكهف اذن؟!
(سدني - استراليا)
|