الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

16  آب  2005

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

كتابات - عبداللطيف الحرز

الكتابة الوهم .. وهم الكتابة : ممانعة الواقعي وطواعية الكتابي-2

 

على ان النتيجة الاخيرة ( = الصعلوك كنموذج للمثقف , والمثقف كقدوة ومثل اعلى للصعاليك ) ,منطقية الوصول على وفق سالف الصياغة اعلاه .

فتمثل الكتابة بين سطور سود, تدعي اكتناف المعرفي والجمالي , وبين سطور بيض يدعى لها التصفير وفراغ الجهل .. بين ظاهر قشر وباطن يحتظن اسرار الحقيقة .. ,تنداح الى ثنائية اخرى بان ظاهر الناس العمل الحرفي , وهو ((بطاله)) .. وظاهر المثقف النظري , وهو لب العمل ومخه .

وهذه التضادية تتحد مع التضادية السالفة : فاذا كان الناس لايفقهون الا ماهو مباشر , فانهم يقررون بذلك بطالة المثقف , واذ يستكبر المثقف على كل ماهو مباشر بكون قشر زائل , فانه سيزيد الجمهور استهانة باي مقولة للمعرفة , بكونها لاتؤدي الى اكل الخبز , وفي ذات الوقت ستزيد المثقف التعمق في عيشة الكهف البعيد(= ولعل ارسطو اول من سن كون المجهود العضلي لايليق الا بالحيوانات اوالعبيد , وهذا يعني ان الفكر من اختصاص الاسياد فقط )  , وهذا لايعني سوى ان المثقف والجمهور كلاهما يعيش في ذات نفق ذي فتحتين متقابلتين, كل طرف منهما يعتقد في نفسه انه يعيش في برج عاجي والاخر في الظلام , بينما هما, يقطنان بئر عميق يخيل لكليهما انهما منارة مقلوبه !

وهذا يفهمنا كيف ان الكتابة انقمست اما نص مباشر تابع للسياسة او او التنوير المؤدلج او مشيخات الدين او المجتمع , وهي سمة المرحلة السالفة من الرصافي وحتى نهاية الثمانيات والشيء الكثير من التسعينات , واما نص صوفي اللغة تابع للحيرة خاريجا وداخليا .. ((الحيرة)) التي سوف تصيب الشكل والمضمون معا .

ان ماهو خطر هنا ان النص الثقافوي, عوض ان يمتص الاشياء ويجعلها استعارة لمآربه , بات النص الثقافوي هو ذاته استعارة لماسواه , مرة للسياسة او الدين او المجتمع , او لماهو نقيض حائر لهما , وبهذا اتحد ظلام ((سواد)) الناس , مع سواد التسطير , وبات كلا الطرفين اعمى يدعى البصيرة , او بصير لايدرك سوى عمى الطرف الاخر, وهو تناقض سيكون كلا طرفيه مثاب وواعي , ومأثوم ومتخلف , وهو امر يغري نص الحلاج عليه كثيرا(= الحلاج الذي هو ذاته من الاسماء والمواضيع الاثيره للنص الحديث) , حيث يقول الحلاج :

(( اعلموا ان الله قد اباح لكم دمي , فاقتلوني , اقتلوني تؤجروا واستريح , اقتلوني تكتبون عند الله مجاهدين , واكتب انا شهيد )) .

الجماعة مثابة لكونها لاتدرك سوى الظاهر , والحلاج , الذي هو الفرد الواعي , هنا هو الشهيد ... ثنائية تدين السياسين والفقهاء , بلا شك , لذا كان المتصوفة يسمونهم علماء الرسوم , او الظاهر, لذا قال  احد اكبر منظري العقل الصوفي :ابن الفناري , محمد بن حمزه ,في كتابه ((مصباح الانس)) , في الفصل الثالث من فاتحة كتابه :

((ماعترف به اهل الميزان باسرهم ان البسائط لاتحد والرسم لايعرّف كنه الحقيقة , ومعرفة المركب فرع معرفة بسائطه , اذ كل مركب ينحل اليها في الوجودين الذهني والخارجي , بحسب التركيب , واذ لاموقوف عليه فكيف بغيرها , فلا علم بالحائق اصلا)).

بيد ان هذا ((اغراء )) , والذي هو يتقوم على لعبة الثنائية الظاهر والباطن ايضا , تنفك عراها , فالحلاج صيّر الجماعة بدور القاتل , بينما هو بدور الشهيد, لذا ينقل ابن الساعي في كتابه ((اخبار الحلاج)) عن ابي سحاق ان الحلاج قال له :

((يا أبا إسحق أما ترى أن ربّي قِدَمه في حدثي حتى استهلك حدثي في قدمه، فلم يبقَ لي صفة إلاّ صفة القديم، ونُطقي في تلك الصفة. والخلق كلّهم أحداث ينطقون عن حدث. ثم إذا نطقتُ عن القدم ينكرون عليّ ويشهدون بكفري ويسعَون إلى قتلي. وهم بذلك معذورون، بكل ما يفعلون بي مأجورون)) .

 اذن فللجماعة السلطة دوما , وللفرد المستقل دور الضحية دائما .. اذ لاسلطة بدون ضحية .. ولاضحية بدون شرعنة الظاهر الحق (= بيضة الاسلام .. الاسلام الصحيح .. الشعر البليغ ابن اللغة الصحيحة .. سياسة الخلفاء .. فقه الائمة المعصومون عن الخطأ..الخ ) , والباطن الزندقة والتأويل .

واي شيء يعني هذا سوى ان كل الظفتين يسخّف الاخر, لا انهما يقران بوجود ثغرة تكشف ان كلاهما كهف واحد ؟!! .. لذى ففي حين اخرج الفقهاء والمجتمع , الفلاسفة والمتوصفة , بكونهما لايعتمدان الشرعية ,والتي هي الحق الظاهر الذي لانقاش فيه ولايقبل اجتهاد اصلا (= الا كممارسة في التعميق ليس الا , كصريح قول محمد حسين الطباطبائي في كتابه الميزان في تفسير القرآن ) , فان الفلاسفة اخرجوا الفقهاء والمجتمع والمتصوفة , عن جادة اليقين , فهم لايعتمدون سوى الخطابيات والمشهورات , او مالايقين فيه (= وهو امر وصل الى حد قول الفارابي بان القرآن لاقيمة حقيقة له لكونه امثال تخاطب العامة, والامر فصلناه في بحثنا المطبوع ورقيا, بعنوان : التفسير كشف النص ام كشف الواقع ) , فالعقل الفلسفي المدرسي كان يعتقد انه وحده الحق , فهو وحده فكره يتصف بتعلق المحمول على الموضوع واستحالة الانفكاك عنه (= لاحظ الجزء الاول من كتاب الاشارات ,ومفتتح كتاب الشفاء قسم الالهيات لابن سينا ,ومقدمة كتاب نهاية الحكمة للطباطبائي ) واذ ذاك فحتى المعرفة الدينية قيمتها بكونها برهانية (=فلسفية ) , ليس الا , كما هو صريح جمع غفير من مشاهير كتاب التراث الاسلامي , وبكل تأكيد ان ماكتبه محمد حسين الطباطبائي , في كتابه الميزان , ليس آخر مثل هذا التسطير. وهو تسطير يقول ان الحق خارج الاسطرة يقيناً , لكن داخل فيها مكتنف فيها , يقيناً ايضا !!

.........................................................                 

في احدى آخر نصوصه المعنون :(( بيان موزون في قصيدة النثر)) يقول الشاعر والمترجم  عبدالقادر الجنابي :

(( ففي كل شِعر بيوت

نوافذ فيها

تطل على عالم

لم نعشه ))

نص يعيد ماقاله قاسم حداد وامين صالح في موت الكورس الذي ذكرناه آنفاً , حيث الاقتراب يكون بواسطة ((ادوات الحلم )) , هل الشاعر يصنع الامنيه ؟! ..هل الشِعر قبعة احلام سحريه , مثل قبعة الارانب للساحر (= علينا ان نستذكر هنا مجموعة قاسم حداد الاخيره : ايقظتني الساحره, بينما لكاتب السطور مقال بعنوان مشابه : قالت لي الساحره ) ؟! ...من هو ياترى الذي يعيش في العالم ولايعيشه في ذات اللحظة سوى الحالم او الاعمى , خصوصا واننا لانحلم الا حين نغمض الاعين؟! .. هل هذا يعني اننا لانتمكن من الولوج الى نوافذ الشعر الا حين نغلق نوافذ البصر؟! .. امر يفسر لنا بكل تأكيد , سبب كل هذا الاعتناء من لدن الشِعر الحديث بموضوع النوافذ اولا وموضوع المرايا , ثانيا... شناشيل ابنت الجلبي , التي ستكون كوة لدخول بدر شاكر السياب نحو مبتغاه الوهمي , او قل تلك الشناشيل _ النافذه , هي ((ادوات حلم)) السياب , لصنع واقعه الموازي الغني , لواقعه المعاش الفقير(= الامر ليس ببعيد عن تعريف القدماء للفلسفه بانها : مضاهاة العقل البشري للعالم الكلي).. وتلك المرآيا , التي منذ القدم تلاعب بها العقل الصوفي باعتبارها نموذجه الاثير لشطب الواقع كاملا , والتعلق بعالم مختلق آخر ,حيث هناك في الاعالي (التي تساوي الاحلام ) الوجود الغني المستقل (= وفكرة ملاصدرا هذه تساوق فكرة المُثل الافلاطونية , حتى اقترب من شبه  الاقرار, الحكيم السبزواري في حاشيته على كتاب الشواهد الروبوبية لملاصدرا ) , هذه المرآة ستكون مناجاة الشاعر الحديث , حتى انه ليندر ان لايوجد شاعر اليوم لم يقترب نصه منها (= حتى كاتب السطور له نص في ذلك ايضا, لكن مامدى انسجام ذلك النص مع ذات الفكرة هنا؟! ) .. لكن من هو الذي يدرك الفرق بين ماينعكس في المرآة من اشياء وبين الاشياء ذاتها (=الى هنا بات الامر لايحتاج الى ايضاح لتساوق النص الحديث مع نص افلاطون القديم ) , غير البصير , الذي تحسبه الجموع مريض او اعمى ؟!  .. لعبة تشبه خشبة المسرح المضيء , الذي وحده يحتكر القلة فيه الحركة والكلام , بينما الجمهور يغط في الظلام ..الغريب ان المنبر الديني هو ايضا, لايبلغ ذروة تأثيره الا عند انطفاء النور الحسي كي تستيقظ المشاعر الدينية والنور الايماني المدعى , والمنبر هو كذلك خشبة تحتكر الفعل والحقيقة (= والواعظ الديني ممثل مسرحي بامتياز), والا فانه سيكون خشبة صلب والجمهور هو الراجم .. هي لعبة مطاردة , تشبه قول القرآن عن تعاقب الليل والنهار بانه ((يطلبه حثيثا)) ..في اي جزء نفرضه المضيء سيكون اسود , واي بقعة نفرضها سوداء سوف يصل اليها النور ..هل يمكن ان نتعقل مسرحاً بلا خشبه ؟!

وما دمنا قد  اقتربنا من النص القرآني كثيرا فلنكمل القول بجدلية العميان والمبصرين هذه , بقوله: { مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع , هل يستويان مثلا؟!} , طبعا لايستويان , لكن هذه ليست مشكلة ابدا , المشكلة هي في ادعاء الابصار وان الاخر هو الاعمى , فهذه هي المعظلة لذا كل طرف يسخر من الاخر , او بتعبير القرآن نفسه { ان تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون } , الدعوة متكافئة , وليس كما يوهمنا القرآن , بانها راجحة لطرف دون طرف , لذا كان ممثل القرآن الذي سيحقق دعوى كون القرآن يدور معه حيثما دار , اعني الخليفة الرابع علي بن ابي طالب سيقول (( لو كشف لي الغطاء مازددتُ يقينا)) , وهنا غدى واضح انه كيف ان مثل هذا القول طرح المثقف المبدع الفرد , وهذا المبدع القريب من المخرج المسرحي او السينمائي , هو وحده من يعرف حقيقة الامر , اذ لو تم عرض الخدع السينمائية جنب الى جنب الفلم لما تم التأثير , لذا سيكون اصدقاء المُخرج (= الله , او الحقيقة ..او )  هم وحدهم  من يعرف كل بسيماهم , حسب نص القرآن نفسه , اي له دراية بحقيقة مجريات فلم الكون ومسرح الحياة ..فمن هو بجنب الكاميرا يدرك الاحجام الطبيعية , اما من يقف امامها فهو مستلب باداء طقوس الاداء , ومن هو خلفها , سيكون اعمى او معطي ظهره لنور ماقبل تحميض الفلم , لذا سيكون مفلسا حينما نكون جميعنا خارج استوديو الخلق  . 

alnemer_1980@hotmail.com

(سدني - استراليا)