|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
15 آب 2005 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم كتابات - عبداللطيف الحرز
الكتابة الوهم .. وهم الكتابة : ممانعة الواقعي وطواعية الكتابي -1
ماذا يعني انك تتخلى عما هو عملي , وتنشغل بماهو نظري ؟!.. ماذا يعني ان تمسك قلمك وتتقدم الى الورقة ؟! ... ان فعل كهذا كماهو يفترض, في احدى افتراضاته, عدم القناعة بماهو راهن وكائن فعلي , وطلب ماهو متخيل مستقبلي , فانه يفترض ايضا في احدى افتراضاته : انك تريد توثيق امر لايشاهده غيرك .. امر يضيء لك عبر سواد المحبرة . وماذا ياترى يعني هذا غير كون الامر مسبوق بفرضية سالفة مفروغ منها , بان هنالك ((ظاهر )) مألوف , و((باطن)) مغفول عنه .. وان هذا الظاهر لاقيمة له (= والا لنشغلنا به ) , وان كل القيمة هي في جوف الفراء وذلك الباطن الخفي . بيد ان الكاتب لايستطيع , مهما اظهر من فوضوية وصعلكة وبوهيمية وسفسطة , الا ان يعترف بوجود نطاق متحقق هو واقعي يستحق الاهتمام , وبالتالي فان له ((قيمة)) , وهذه القيمة هي من نصيب هذا ((الظاهر)) , ولا لغفل ادوات الكتابة ذاتها من اقلام ومحابر وقراطيس واجهزة تدوين . ولنطالع هنا _ كنموذج _ مايقوله بيان ((موت الكورس)) الذي كتبه كل من الشاعر قاسم حداد وامين صالح : ((نستمد مصادرنا من الواقع , لكننا لانعكسه ولانحاكيه .مانراه لايمثل حقيقة الواقع ,بل صورة مصغرة ناقصة وغالباً ماتكون زائفة ومشوهة . خلف مانراه يكمن النصف الاخر المكمل الذي هو ربما اوسع واشمل .اننا نحاول الوصول الى هذا المستتر الخفي بادوات الحلم والمخيلة)) هنا لايتبقى لمقولة ((النصف الاخر)) اي معنى ,فماهو ظاهر هو محض :صورة مصغره ..ناقصه ..غالبا زائفة ومشوهه ..عندها يكون مالانراه نحن الناس العاديون ,ويراه المثقف (= الباطن) هو ليس ((المكمل)) فالجزء لايكون ((اشمل)) من الجزء الاخر (والا فاي معنى لمقولة كونه جزء ؟!) , وانما هو الحقيقة كاملة . وانتَ كماترى ان رؤية المثقف المعاصر(=الذي نصب نفسه مدافعا عن العلاقنية ضد الدين والميثلوجيا) هذه , هي عودة الى مقولة افلاطون ذاتها (= بل وبنسختها الرديئة والساذجة, كماستعرف طياً) , حيث ماهو اصلي غير مزيف هو امر خفي مساوق لعالم الحلم والمُثل المتعالية , بينما مانعاشره هو محض نسخة مزيفة ناقصة , وعند هذا يُحل لنا : لماذا كان ذلك ((المستتر)) , لايحاول قاسم حداد وامين صالح الوصول اليه الا عبر ((ادوات الحلم والمتخيله))؟! فماهو ماورائي فوقي ,تكون سبل الوصول اليه هي وسائل متعالية مثله , والا فماهو محايث متعقل ,هو كذلك ظاهر , بينما افترض المثقف هنا ان الظاهر مزيف , اذن فادواته يجب ان تكون مزيفة ايضا , وبهذا انبثقت ظاهرت العودة الى النصوص الصوفية والميثلوجية ومايماثلها من نصوص مستجدة اجنبية او عربية , تحاكي منوالها .. لكن ماذا يعني ذلك غير ان المثقف خرج على الدين والميثولوجيا ((ظاهرا)) من الباب , وعاد اليهما ((باطناً)) من النافذه ؟!! ........................ ................................... بهذا كان الانشطار والاغتراب بين عالم الانتجلنسيا والنخبة , وبين عامة الناس , امر حتمي لامناص عنه .. والانشطار سوف يتسع , ففي حين يتطور العصر بوسائل اتصاله ,حتى غدا ارتقاء سبل الاتصال سمة العصر الجديد , ..فان المشغل الثقافوي يزداد شد وثاقه بكل ماهو غير موصل متعالي .. وعند ذاك كان النص الجديد اشبه بفعل غيبوبة اختيارية للمثقف , او اشبه بعملية ارتماء باحضان العالم النقيض .. العالم الظاهري : حرب ..وهم .. مباشرة .. شر محض (=حسب تعبير المخيال المغلوط لدى مطاع صفدي) ..بينما الباطن (=والذي لاوجود له الا في عالم الكتابة ) , هو : المطلق .. السلام .. جوهر الاشياء .. الخير المحض . وبهذا غدا هنالك احتفاء بان المشغل الثقافوي هو ليس سجال مع الواقع ,وانما هو خلق ذهني لعالم مواز للعالم الماثل (= لاحظ مثلا قراءة غالب الشابندر لديوان الشاعر عدنان الصائغ : سماء في خوذه ) .
لكن الا يحق هنا نتسائل : - هل حققت هذه الكتابة\الخير المحض , شيء من السلام بين مرتاديها ودراويش تكيتها؟! .. الم تكن سعرة الحرب الثقافوية اشد من لهيب جبهات المعارك السياسية ..اليس هنالك فتاوى ثقافية ُتكّفر وتقصي , اشد من الفتاوى الفقيهة؟! .. هي لم تخلق سلام وحب بين المشتغلين فيها والداعين اليها ,فكيف ستكون الفردوس المفقود بالنسبة للاخرين؟! - ثم كيف استمد المثقف مفاهيم الخير المحض .. والعالم المواز البديل .. وهي امور غير متحققه اصلا .. اليست هذه المفاهيم هي ذاتها منتوج هذا العالم الظاهر المتحقق الذي تسمونه بـ المزيف ؟! .. وعندها نقول : كيف يكون شيء مستمد وجوده من شيء ثم نطرحه بانه نقيض له ؟! .. بوضوح اكبر : ان قطع عالم الخير المتخيل عن عالم الشر المتحقق ,هو قطع المفهوم عن نبعه الرافد له , فببتر المفهوم الثاني المُستنبط عن المفهوم الاول المستبنط منه , لايتبقى ثمة خير او شر , كي نقايس بينهما ونختار هذا على ذاك ؟! .. - وايضا : ان عزل الخير عن التحقق , سيكون طلب للعدم المطلق , فما لاتحقق له لايطلبه سوى المجانين وحدهم .. وبكل تأكيد اننا امة ليست بحاجة للتنظير للصعلكة فظهورنا محدودبة الظهر بهذه الامراض , ونظريات تشرعن الهروب من ساحة الجميع غدى بطلا فيها بواسطة اعطاء ظهره لها !.
(سدني - استراليا) |