|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 آب 2005 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم كتابات - عبداللطيف الحرز
مذكرات امرأة عانس - 1
كل شيء ضيق واسود , حتى الضوء .. هكذا بتُ ادرك الاشياء , كاعمى يدرك الامور بواسطة الظلمه .. لا اجد امامي سوى بياض الورقة.. اتأمل الاوراق كمحتضر يرقب كفنه الذي اعده الورثة سلفا , استباقا لزفاف تقسيم التركه .. ماذا افعل ايها الحرز ..انا امرأة لاتملك حتى حق ذكر اسمها , فضلا عن نشر مذكراتها وآلامها .. نحن نساء مدن الموتى , مأساتنا اشنع حقيقة في الكون , لكن وجودنا اشد الاستعارات مجازا .. عيب ذكر اسماءنا .. عيب ان نشر صورنا .. لذا ما من حيلة سوى نشر صور اشياء اخرى .. صور اطفال .. او زهور .. وهي امور لاتشبهنا البته .. فنحن كيانات ذابلة منحنيه ..لاتعرف الضحك الا في حالة السهو ..او في رسائل انترنيت لانعرف حقيقة من يقرئها .. او مكالمات سرية ..يسعرك فحيح الطرف الاخر فيها .. الاخر الذي قد لايكون ودودا طيبا جذابا . الا لكونه بعيد .. بعد يحقق قرب الوهم والفته .
اسمي ايها الحرز ((نهاد)) .. وطبعا نحن حضارة الحجاب وغطاء الروح والعقل , ليس هو اسمي الحقيقي ..انا ككل النساء , لا امتلك ذكر اسمي الفرد فضلا عن اسمي الكامل ..فانا غصن تضربه شجرته يمين يسار لصد رياح العاصفه , وحمل الاغبار والاتربه... انا غصن تم بتره من الشجرة , فلا اذكر صريحا الا ساعة قذفي في التنور , كي تشبع وتستمر بقية متاحف العائله .
على كل حال انا فتاة من جنوب العراق , من عائلة تحب ان ينادي عليها الناس اسم ((الساده)).. بصعوبة تمكنتُ من انهاء مراحل بسيطة في الدراسة تمكنني من ان اصبح مدرسة اطفال في المراحل الابتدائية .. احببت الاطفال كثيرا , لكون اخوتي الصغار احرقتهم شظايا الحرب العراقية الايرانية , عند قصف ايران , او ((دولة السادة)) كما كان يسميها والدي رحمه الله , ..وكانت جائزة التشجيع لخبر تخرجي وتوظيفي كمعلمه , هي ان عمي ضربني في ذلك اليوم حتى ادماني مرات عدة .. كان يضربني وكأنه يريد تعويض رجولته الناقصه امام بناته المتسلطات ..لم تكن سوى اختي ووالدتي ,تقاسمتا معي الدموع وعدد ضربات ذلك العم , اما اخي فقد كان صغيرا جدا انشغلنا بارتفاع حرارته فيما بعد , حيث انه كان متعلق بي كثيرا وظن اني متُ من ذلك الضرب\الجائزه.
كانت امي مثل اختي التي تصغرني بثلاث سنوات , تحسب ان هذا ((التأديب)) سيكون كل ضريبة تعلقي ان اكون فتاة مستقلة في بنيتي الروحية والذوقية ,انمتائي العقلي والفكري , كأمرأة تريد ان تكون متعلمه له دور ايجابي في هذه الحياة , وليس كيان يؤدي دور الـ((المفعول))به في مسرح تهريجي يمسيه الرجال بخبث ((المجتمع)) , فكانما ((ضرورة النسل والبقاء)) ضريبة يجب ان نجلد بها الانثى ..مع ان الانجاب فعل يتقاسمه الرجل والمرأة مناصفة .. وان كانت الانثى تتحمل روائح الرجل وسوائله , ثم حمل ثقل الطفل تسعت اشهر والاعتناء لوحدها بقاذورات الطفل كعتنائها بقاذورات ابيه .. يا ربي كم احب الاطفال رغم صراخهم وافرازاتهم .. احبهم .. احبهم ..حرام ان نقرن الاطفال بنا نحن الكبار ..فهم كائنات مختلفه .
امي ساذجة ومسكينه ..اذ لم تكن حفلة التأديب تلك , كل الضريبة , الامر كان ابعد من هذه الصفعات وهذه الركلات واللكمات .. اذ لم يقترب احد لخطبتي , رغم زواج اختي ورحيلها الى سوريا بدون رجعة .. اذ في التسعينات من القرن العشرين , بات السفر في العراق مثل الموت ..رحيل بلا رجعه , لذا كان التوديع مراسم تشييع حقيقية ... حتى بنات عمي الاصغر من اختي , تزوجن وبات لهن اطفال ..هنا ادركتُ بان الزواج بالنسبة للرجل مشروع حياة اختياري , اما الزواج بالنسبة للنساء , فهو مشروع موت اظضراري ,.. بات كل يوم جديد بمثابة حجارة رجم مستجده تسقط على رأسي ورأس امي .. وبات كلمة غريبة ترادني ومثل بعثي قذر يفجر الاطفال ويبحث عن النساء كي يغتصبهن .. كلمة لها وقع يشبه اختراق طلقة مسدس كاتم للصوت .. ((عانس)) ..كلمة تشبه تعويذة سحرية توقظ الاموات وتجعلهم يتسلطون على المدينة .. لكثرة مطاردة الكلمة لي , بحثتُ عنها طويلا في الكتب (رغم خوفي التزايد ان تفضح خشيتي , العيون عليّ فابات حديث النسوة , في مجالس التابين الدينية , وساعات لهوهن , او ساعات رفعهن الضجر عن ازواجهن , بالثرثرة ) , استغربتُ كثيرا حينما وجدت ((المرزوقي)) في كتابه شرح ديوان الحماسة , يقول انها كلمة غير مختصة بالرجال فالعرب يقولون : ((حتى انتَ اشمط عانس)) .. لكن هذا لم يخفف عني هول ورعب الكملة , فهنا المروزقي قارن المفردة بكلمة اشد منها ((اشمط)) ..كلمة تثير سخرية الاخرين وتحفزهم ان يتسلون بك بوساطتها .. الكلمة\الرعب , باتت مخلوق هبط من سماء الجحيم فجأة , يخترق الجدران ..((عانس)) , ليست كلمة , وانما مخلوق مشوه و يشاركني الفراش , يطاردني حى في بيت المرحاض .. اشعر به يتحول الى سائل لزج له رائحة كريهة , ينسكب على شعري , بعد خروجي من الحمام .
كانت ليلة رهيبة تلك التي اعطتني معلمتي القديمة كتاب قديم اسمه ((فقه اللغه)) للثعالبي , يعرض فيه اسماء المرأة حسب معجم شهوة الرجال :
(( هي طفلة , مادامت صغيرة , ثم وليدة , اذا تحركت , ثم كاعب , اذا كعب ثديها , ثم ناهد , اذا زاد , ثم ((معصر)) , اذا ادركت , ثم عانس , اذا ارتفعت عن حد الاعصار )).
بت اتقلب .. كلمة (( معصر .. حد الاعصار )) .. جعلني اتقلب كالجمر .. لأول مرة اشعر ان ثديي يتحسسان ثوبي , ويتمردان ولهما قدرة الاحتجاج .. هل هذا يعني ان ثديي ثمرة سوف تذبل وتنهي اذا لم يعصرهما احد ؟! .. يا الهي .. اخذ الوهم يصور لي كف خفية تتحسس صدري مرة .. ومرة اتخيل ان ثديي يذويان ويسقطان على الارض .. كلمة ((كاعب)) قرأتها كأني اقرئها لاول مرة , مع انها مرت عليّ عند قراءة القرآن كثيرا ..لاول مرة انتبه الى ان القرآن يعرض النساء فقط كحور عين مقصورات في الخيام .. حتى نساء الجنة فاقدات الحرية , فكيف يستطيع الدين تحرير المرأة في الارض ؟! .. لماذا لم يعرض القرآن الرجل ايضا ويصف جمالهم للمؤمنات.. هل القرآن كتاب للرجال فقط ؟! .. ممكن ,فاطوار قراءة القرآن غير ممكنه الا للرجال فقط ثم لماذا نساء الجنة حبيسات في ((الخيام)) ..القرآن حبيس لارض البداوة حتى عند حديثه عن الجنة , فكيف نريد منه ان يبني لنا مجتمع مدني في عالم الارض ؟! .
الذي فجر كل مسامات جسدي ايها الحرز, ماقاله الزجاجي في كتابه الامالي :
فكم قد شققنا من رداء منير_ ومن برقع عن طفلة غير عانس اذا شق بردٌ شق بالبرد مثله_ دواليك حتى كلنا غير لابس
فهو جعل العري نقيض العنوسة .. هل هذا يعني اني سوف اعيش طيلة عمري مثقلة بالثياب , ثم اثقل بثياب الكفن ؟! .. قلبي يتشقق لستُ رجل حتى اهرب الى محافظة اخرى , واتصرف كما اشاء بعيدا عن المعارف , ثم اعود امثل على اهل المحلة , دور الحشمة ... ماذا افعل انا فتاة , ولستُ رجل يستطيع ان يداري فشله ومحنته , بالخروج الى خارج العراق .. آه اشعر ان كل مسامات جسمي بات لها طاقة تحسس مختلفة .. فحتى كفوف يدي تسمع صمت الاشياء .. صدري ..رقبتي ..وركي ..ساقي .. اشعر ان هنالك فحيح يخرج من شفتي الهواء وعزلتي في داخل الدار .. فحيح يهمس لمسامات الجسم , بان هنالك حرية تكاد تنفجر , لمخلوق آخر يسكن داخلي .. اشعر به يخرج .. يخرج من عيوني .. من اذني ..من كفوف يدي .. يتلوى على خصري وساقي , ويصيح , بان الانثى مخلوق هو الاخر قادر على صنع التمرد ...انتابني هلع وخوف من نفسي .. من تحرك بركان الغيض والشهوة داخلي , قذفتُ بالكتب بعيدا : اللعنة على الكتّاب والمثقفين .. يظهر انه قول صحيح انه يجب على المرأة ان لاتقرأ الكتب .. الكتب تتحدث عن الحياة .. فماذا ستستفيد المرأة غير الحسرة والمرارة من القراءة , فهي محرم عليها كل شيء .. وتعيش خارج التاريخ.. او ان تاريخها هو بان تكون فقط : منفظة اعقاب سجارة شهوة الرجل !!.
(سدني - استراليا)
|