الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2 تــمــوز  2005

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

تعالوا الى كلمة سؤال

 

في الادب والفلسفة ,بالمعنى القديم , السؤال احد اقسام الانشاء , اما في المعنى المعاصر للفلسفة , فان السؤال هو خبر بذاته , او قل هو جوهر الخبر وبطانته , وبذلك يكون السؤال هو محض الفلسفه .

فالفيلسوف ليس صاحب مشروع سحري , بحيث اذا قدم اشكالياته وانتقاداته , نقول له : (( لاتسأل ولاتقدم نقدا,اذا لم تجد حلا بديلا )) .. مثل هذا الاعتراض , يسجل ليس نقدا تخريفي لما هو فلسفي , وانما هو تمظهر يخبر بعدم الفهم المطلق والجهل الكامل بمهنة الفلسفه ذاتها. اذ ان هذا مثله مثل الذي يقول : لاتخبر زيد ان الذي بيده هو السم وليس الدواء , ابحث عن الدواء والا فلا تتكلم ودعه يشرب الوهم هنيئا مريئا !

 

((السؤال)) في العقل الفلسفي , اشكالية ومشكلة , وفي الادب هو محض متعة عقلية وتأملية تنشد تتطوير لماهو لغوي ليس الا , مهما بدا سؤال الاديب ((اركيلوجيا)) , فهذا امر اضطراري لكون لاتطور لغوي مستمر بدون الاسعافات الاولية التي يقدمها العقل والفكر الفلسفي , يشهد على ذلك تاريخ الادب المقارن بطوله وعرضه(= ومن هنا مثلا تم في سنة 1950منح جائزة نوبل للاداب لبرتراند راسل رغم انه ليس باديب نهائيا) .

عليه كانت الامة وجماهير حماسياتها , والجلاد وخدام بلاطه وموظفو مؤسسات قمعه , ينشدون قتل الفليسوف , او قل هذا الجانب من الفلسفة , فحتى الفلاسفة لديهم من الخيانة والدناءة الشيء الكثير, فالعلم مهما كان لايقلب الانسان ملاكا. اما الاديب فهو محض محرض مهما بدا خطرا فإن خطورته مرتهنة بمدى قوة مخيلته على هضم تجربة الفلسفة واعادة صهر منتوجها في تنور النص .. بهذا كانت النهضة فلسفية دوما , والثمرة سياسية وادبية .. ماهو سياسي وادبي , هو امر لاحق (= تأمل جيداً بمعنى الادبي والسياسي هنا ) , وماهو سابق, هو فلسفي .

الادب مثل الدين ,هو عنوان الرضا وان بدا بصورة السخط والاحتجاج , والفلسفة عنوان التمرد مهما بدت صورتها الجامدة وسطحها البارد.. لذا لم يكن المعترض على السياسة سوى سياسي ايضا , وليس المخالف الادبي , سوى اديب ايضا .. لكن ((من تمنطق فقد تزندق )) امر مجاله الفلسفي فقط , والزندقة هنا ليست نبذا اجتماعي او دينيا او سياسيا ,او ادبيا , وانما هو طرد جماعي بمستوى حفلة عامة او وليمة مقدسه.. وذلك لكوننا قررنا ان الفلسفة هنا هي محض السؤال , ولا سؤال بدون الشك , والشك يعني عدم الايمان ونقيض الثقة بالثبات والحركة ومحركها سواء كان غير متحرك كما قال اهل الايمان , او هو متحرك كغيره , كماقال اهل الالحاد , وهذا يفهمك لمَ كان اهل الفلسفة منبوذين رغم دعوة الدين للعقل والبرهان , واهل الشعر مقربين رغم كثرة نصوص الدين اللاذعة الازدراء للشعر والشعراء .

 

الاهم انه منها نستنتج : انه حين تعجز امة من الامم عن التفكير , فانها تتسلح بالدين والادب ,قناعا لها يوفر لها فائض القيمة من ((اليقين )) يحميها من اسئلة الواقع المستجد وتحدياته المتورادة المتزاحمة التضاد .. وهذا يفتح الاجابة انه : كيف في زمن كثرة الشِعر يختفي تعريف وتحديد الشِعر ؟! .. ثم اليس الحقل الادبي برمته هو ليس سوى احد رفوف مكتبة عملاقة تسمى بالثقافة , فكيف يتعقل ان يتصدر الادبي عموما (فضلا عن الشعري خصوصا ) المشهد الثقافي , كل هذا العمر كله.. بل واي معنى يمكن تعقله من مقولة سقيمة كهذه؟!.

العرب_ البدو , لم يكن لهم عقل مفكر فاعل ,لكنهم انتجو من الشِعر, ماظل عاجز عن تجاوزه العربي المتحضر حتى يومنا هذا .. اذن لِمَ لانتسائل : اليس كثرة الشِعر في هذا البلد خصوصا (وهذه الامة عموما) علامة من علامة التخلف ودلالة من دلالات توقف العقل وانجماده ؟! .. لمن يتحرى الجواب فعلا عليه التدقيق بهذه النصوص المتكوثرة والتدقيق بكل هذا التناص المتعمد .. نعم لاتعدم امة ما , من قول شعري حقيقي وان طال الظفر , وبتعبير قدمائنا : نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية .. هناك جانب ايجابي ضئيل على كل حال.. لكن كيف يكون القول الشعري هو القسم المستمر الوحيد في المشغل الثقافي ؟! .. بل اصلا , وحتى في هذا القسم : اليس حينما يعجز ممتهن القول الشعري , عن تحديد فضاءات مشغله من داخل القول الشعري نفسه , فإن هذا لايعني شيئ سوى : ان ماهو شعري قد بات خارج الشِعر؟!!.

 

اربعة عقود من المدح للشِعر وذم للنقد , هل هو هروب من تحديد النسخ الاصلية من المزيفه؟! ..بديهية ان الشاعر الظافر هو توأم النقد الحقيقي الجاد, اما شِعر التناص فهو ثقافة تخدير مهمتها تسلية فراغ الذات باللطم او الحماسيات , او تسجية الوقت بتأملات لفظية تعاكس اللفظ , وحشو لغة ,كنوع من الهروب عن مواجهة واقع اللغة وراهن الحياة ... واذ ذاك ينعدم وضوح البيان رغم ان الادب هو حقل ((البيان)) اساساً ! .. ذلك الوضوح الرأيوي الذي هو وليد المعنى صدقا, وليس خربشة ضباب مفردات تدعي شلة الكاتب وطبوله انها ((المعنى كله)).

بهذا يستبان لنا لمَ كل هذا الحرص على تكثير ماهو ادبي وتغييب ماهو نقدي وفلسفي(= الفلسفه بمالمعنى الذي اوضحناه وليس حفظ هذه النصوص وهذا الكتب قديمة كانت ام حديثه, فهذه هي ايضاً ,اجوبة وليست اسئلة)  , فلا نستيطع حتى مجرد قرن بين قائمة الشعراء وقائمة النقاد والمفكرين .. الجلاد يحرص على تكثير سواد الشِعر كحرصه على رؤية بياض اكفان الفلاسفه.. ونحن اذ لانحسب حساب الكتابات الانطباعية ,والاخوانية وتملق الاصدقاء , (= فهذا ينافي كون النقد سؤالا وشك وتعرية ) نكون في العراق ليس امام ساق طويلة والاخرى قصيرة , وانما الاولى خرافية الطول , والثانية شبه مبتورة ... لكن : هل فعلا الامر مرتبط بالسياسي فقط وليس هو تمثيل لحالة كسل عقلية ؟! .. هل يكفي ان نربط الامر بالسياسي , ولا نربطه بكون النقد ينافي الدين في طبيعته وكنهه , لذا كان الامر منطقي بان لانقد في مجتمع يصرّ بالحاح على التشبث بموروثه المثلوجي والديني, والذي يكون مثل هذا الفعل الاجتماعي مرده الى حيلة دفاعية نفسية لكونه حتى الان يتخوف من مجابهة الدخول الى معترك العصر.. فماهو معاصر هو شك وقلق واظطراب , فيما الدين هو ايمان ونوم يقين ..لكن هل الامر الى هنا يكفي حالة الارتكاس هذه.. ماهو السبب الحقيقي لاطال ساق الادب وبتر ساق النقد والفلسفه.. الدين .. السياسه مثلا ؟!

لكن كيف يصح تفسير كل شيء بارجاعه الى المعضلة السياسية وكأن السياسة مفتاح تفسيري لكل شيء , لم لانقول ان السياسة ذاتها معلول لامر سابق ؟!..فالدولة المجاز لاتعني دلالة وجود ثقافة مجازية بالضرورة . على العكس : فكثير ما كانت الثقافة ردة فعل عكسية , فكانت ثقافة النقد,  نوع من المقاومة الاجتماعية والجماهيرية في شعوب عده . .. لكن في الثقافة المجازية , يدل الامر مطلقا على مجازية الكيان السياسي .

وهنا نصل الى ماهو موجع اكثر , فستنادا الى هذا التفسير ينجلي : اننا في المرحلة السابقة اضعنا السياسة , لكننا اليوم نشعر باننا اضعنا الثقافة , وهذا شعور لاسابق له .. نحن الان لسنا امام دولة مجازية فقط , وانما نحن ازاء ثقافة مجازية (= ثقافة المجاز فقط يتيح لنا تسميتها بـ الثقافه) .

واذا كان ضياع السياسة , هو تعبير عن حيرة السلطة ونظام الحكم , فان ضياع الثقافة هو دلالة ضياع الانسان ,ومتاهة الشعب هنا تكون ليس امام حاكميه (=كما كنا نطيلة المراحل السالفه) , وانما متاهة الشعب ازاء ذاته , وكيانه الفردي هو نفسه . .. ولعل الانسان منا لم يكن لديه مثل هذا الشعور والاحساس حتى وهو في معتقلات حزب البعث وصدام حسين , بينما هو شعور يمثل اليوم , قطاعات كبيرة من الجماهير , بمافيها الفرد المرتزق داخل الوطن , او المنتفع او المنزوي بمستنقع الفرجة , في الخارج .

 

وفي خضم يضطرب بين يقين ادبي وديني , بماهو سالف , ويقين سياسي بمايجب ان يكون , يحق لنا العودة الى مشجب الاسئلة .. في خضم واقع ديني واجتماعي يتحرك بثبات صوب مصالحه ومنافعه محتلا باغطية الدين والايمان , وواقع سياسي غير ملتبس يتقوم بادعاءات الالتباس وعدم الوضوح .. في ادخنة سواد المكتوب المنافس لادخنة الحروب والمتفجرات .. في وضع كهذا يبات من الضرورة محاولة الهدوء واسترجاع قدرة طرح الاسئلة , مادمنا غير مخيرين في مشاركة صنع الاجابات اصلا .. ولكون الاديب والديني اكثر طغاينا من السياسي , فنترك سؤال : اين المشكلة في الشعر تحديدا , ولم كانت بيانات الحرب اجمل بكثير من بيانات الشعر والحداثة ؟!, ولما بات الدين يمثل كل هذه الورطة ؟! .. الى سؤال في المرتهن السياسي :

 

ماهي مشكلتنا السابقة مع حومة حزب البعث وصدام حسين ؟! .. هل مشكلتنا هي في الكهرباء .. ام الماء .. ام العلاقات مع دول الجوار ؟! .. هل نحن قاتلنا وقدما كل هذي الاضاحي , من اجل هذه الاهداف , فاذا ماتحققت نكون مديونين حقا لهذا النظام الجديد؟! .. هل خرج _مثلا _ اهل العراق على السواء , من البصرة البائسة وحتى بغداد المحاصره , في ثورة شعبان , ضد حكومة صدام حسين ونظام حزب البعث , من اجل ساعات اظافية من الكهرباء او مقدار اكثر نظافة من الماء .. فلو ان صدام حسين وفر لنا ذلك لما كان لنا معه ثمة مشكلة؟!

اذا كانت هناء مجاميع تحرص على ضرورة تأجيل مراجعة ونقد واقعنا الثقافي , حرصا على اطالة نفوذهم واسمائهم , فان الواقع السياسي لايعرف الصبر ولا الممطالة لكونه اكثر حسية واقرب نفعا ومضرة : ماهي مشكلتنا مع نظام صدام حسين ؟! , فنحن ليس لنا مشكلة شخصية معه او مع افراد عائلته وقبيلته , واي طرح من هذا النوع هو طرح سخيف وصياغة تافهة لمشكلة بهذا الحجم .

نحن بحاجة الى تحديد نوعية الاشكالية في ثقافتنا السابقة ,والاكثر حاجة هو ضرورة تحديد نوع المشكلة مع صدام حسين ونظام حزب البعث السالف , كي يتاح لنا محاسبة النظام اللاحق وتحديد بغيتنا منه , وتحديد عاقل ( وليس عاطفي شعري انشائي ) للذي يجب ان يكون

اين ذهبت شفافية الشِعر في بلد يدعي ان شعراءه اكثر من نخيله , فبات الانسان فيه اشد قسوة من الحجر ؟! .

اين ولت اطنان كتب الاسلاميين والدينين , في بلد يعد الدين تاريخه المستمر الماثل , بات النهب وتوزير الوثائق ومشاريع الاستثمار الخيالية .. وثقافة السرقة والاحتيال واللامبالات باي شيء يناقض هذا النهب , امرا طبيعيا للفرد وللدولة على السواء ؟!

امام كل هذه المجازر اليومية التي تحل باهل العراق , يمارسها الكره العربي بتلذذ غريب يتصلب السؤال ماثلا: اين ذهبت منظمات التقريب بين المذاهب ؟! .. وكيف غاب اي اثر لها رغم ملايين الدولارات التي تعادل كمية الدم المراق في شوارق العراق صبح مساء ؟!

وسؤال اكثر عمومية لايكف ينغز في ثنايا عقل الانسان العادي المستقل : كيف لم يتسنى لحضارة العقل والتطور العلمي , ان لاتجد حلا سوى الحرب , فهذا ليس سوى تغيير لدولة لخراب بخراب مثله ؟!.. وهاهو ردة الفعل تصل الى مدنها النظيفة وكرة اخرى هي ترد اللطمة بذات الاتجاه .. كيف يمارس اصحاب العقل ذات وسيلة اصحاب الجنون ؟!

وهو سؤال يفضي بنا الى تكملة اخرى يقولها الانسان العادي مبهوتا: لماذا العنف دوما هو الحل , فيما مشكلتنا ليست سوى هذا ((العنف)) نفسه ؟! .. فاذا كان استمرار الشِعر لدينا حالة طبيعية , فهل استمرار الحرب حالة طبيعة هو الاخر ؟! .. هنا : رئيس الدولة يقتل الكاتب بدءا ويختتم مسيرته بان يمارس هو ذاته الكتابه .. وهنا : دولة الحرب تسقطها تكنلوجية الحرب , وتقوم دولة جديدة بها فتعترض عليها مليشيات العنف والسلاح .. العنف هو المشكلة والعنف هو الحل , .. الشِعر هو من يعترض على سياسة الحرب والدمار.. والشعر هو من يدون ويوثق مسلة الحرب ..ايهما البداية وايهما النهاية وايّ منهما الشجرة وايّ منهما الثمره .. وهل ثمة مخرج واحد لهذه الدرما المفجعة المهزله؟!

 

ليس هنا جواب , وانما سؤال , وفي السؤال الناس سواسية .. ولابد من اعادة الوعي الاجتماعي والثقافي عبر اعادة طرح تحديد الاسئلة , والا فاي جواب سيكون صح وخطأ في نفس الوقت , كائن ما كان . والامر ((لابديّ وواجب )) وجوب جماعي وفردي .. أهلي ومؤسساتي .. لكون فقدان السيطرة على اي سؤال من نوع هذه الاسئلة , لايعني شيء آخر سوى اننا اضعنا الحضار ونسينا او تناسينا الماضي . وامر طبيعي عند هذا ان لايتبقى لدينا من حصن حصين نتحرز به سوى الادب والشِعر القائم على بديهيات ماسلف من العشرة الشعراء البشرين بجنة التأسيس وكونهم الرواد .. وهي ممارسة نضحك بها على انفسنا كنوع من التعزية , وكنوع من نرجسية مفضوحة السر تحاول ان تكابر على الاعتراف بخسارتها , عبر خلق اساطير غير قابلة على الحل والقراءة .. وهل الاسطورة شيء آخر سوى عزائم سحرية لاتحل ولاتفك وغير قابلة للقراءة اصلا , والا لبطل مفعول يقينها وشفاء ((الشك )) بوساطتها ؟!.. نعم الا اللهم عبر كتابات تدعي النقد والشِعر والقصة والمسرح ..وهي ليست سوى مدح وذم وتسجية , او ما يعاكسها من اللطم وثقافة التهديد والتشهير والتنكيل بكل من يفضح دخيلتنا برمي حجر السؤال ... السؤال الذي وحده الان الذي له دوي هائل وصدى مفجع, فاضحا بذلك هول الفراغ الذي نتستر عليه ..بل ونقدسه!

alnemer_1980@hotmail.com

      

(سدني - استراليا)