الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

18  تــمــوز  2005

غريب على الطريق

شوارع خاليه في منتصف الليل والالم 

كتابات - عبداللطيف الحرز

 

قربان على مذبح آخر الالهه : قراءة في المعطى الفني عند احسان الجيزاني

 

............(1)...............                                           

 

 استطيع القول : ان تفارق  الكلمة - الخطّية , او الكلمات الكتابية , عن  الكلمة - الصورة , يتقوم في احدى اثافياته على كون الكلمات في الظفة الاولى مهما كان لها عالمها الخاص , فإنها ليست كائنات الا بماهي ((وسطاً )) , او قل انها حتى في تحققها كعالم قائم بنفسه , فانها انما تكون كذلك عبر كونها ذات عالم الوساطة .

اما الصورة فهي عالم مستقل , مكتف بنفسه , مهما بدت عملية اسباب خلقه من اجل ان تتوسط في عملية التعبير عن شيء ما , فان الصورة رغم هذا تبقى هي ذاتها عالم مستقل مواز لغيره بالكثافة ذاتها .

بهذا سنكون مظطرين بان نخالف القاعدة التي احتفها بها جان دولوز , وغدت شهيرة من بعده ,  من كون الصورة يعتمد مفهويتها بكونها مقروءة بقدر ماهو المرأي منها , او حسب تعبيره هو :

((ان الصورة لاتعرض نفسها من أجل الرؤية وحسب , وانما هي مقروءة بقدر ماهي مرئية)) .

 

نحن بهذا التأمل لانرتضي هذا الاطلاق, ولا حتى في الصورة السينمائية التي كانت محط نظر جان دولوز فعلا , لكن مع ايماننا بعدم صحتها لاطردا ولاعكسا , فانا سنعتمدها هنا لكونها قاعدة صائبة في مثل حالتنا هذه .

 

 لكن اذا كانا ازاء قراءة صورة من هذا النوع , اليس يحق لنا نستذكر مقولة شوبنهاور , فشوبنهاور كان يجتهد القول بان الفن : هو هروب من الصورة الى المعنى ,وعليه يكون ماهو جدير بالتأمل في مثل حالتنا هنا بان نتسائل , اذا كان نظر شوبناهور مصيبا:

 فهل فنان التصوير (بشتى اصنافه الحديثة ) يقدم عمله كنوع من تحقيق انزياح الهروب من المعنى الى الصورة ؟!

 

هذا سؤال اعتقد انه سؤال _جذر , يواجهنا عند كل عملية قراءة فنية معاصرة اليوم , في ظل مشهد ثقافي يتنطع بمهمة محاولة شرعنة انواع مستجدة من التعبير , بكونها ((فناً)) يستحق ان يُقرأ , وهو مقصد ملتبس في مناخ اختلط فيه الاداتي بالغائي .. وواسطة التعبير بذيها .. وتسويق المُغّيا بحذفه , وبتوسيق الشيء بمحاولة اغتياله .

 

هذه  الصورة ,هي احد اقسام مشغل الفنان الفوتغرافي ,احسان الجيزاني , والتي هي مساحة يتركها الجيزاني  حسب مشغله ((الايماجولوجي )),تصنع نفسها من دون كثير تدخل منه , اي انه عمل يقدم ذاته كمظهر استيتكي بعتباره ماثل تلقائي .

 

ليس من اطار هناك للصورة الا المسافة ذاتها , اي ان احسان الجيزاني هنا يمنح العناصر الخالقة للمشهد , ان تكّون لذاتها اطارها الذي ترتضيه هي بنفسها, اي ان عملية التأطير ذاتاً تقدم هنا كنوع من المونتاج .

 

الضوء في هذه الصورة , له حضور  طاغ وشديد, كممارسة من هيمنة اللون الخالص على المقصد الذي يجب ان يكون واضحا . .. سيارات عسكرية ,وجدران صلبة من اليمين و تراب اجدب من الشمال , والارض اسفلت جامد يناقض اي نوع من الرخاوة .. شدة الضوء , ووضوح الصورة الى هذا الحد , يهيء للمتلقي ان يتقبل كل شيء كعنف شعوري يخترق جهازه التحسسي يهدم اي سد للمقاومة وعدم الاكتراث واللامبالاة, ..واذ ذاك تكون حتى السماء جداراً رابعاً سميكاً وصلبا .. فيما هذا العصفور_ الطفل , محتجز بهذا القفص الوجودي , فليس شيء يضاد الطراوة والارتخاء مثل القضبان والابواب المضاعة المفتاح .

 

اذن ما كان يبدو أول وهلة , ان احسان الجيزاني يعطينا فضاء مفتوحا , ليس سوى خطأ ,فشدة الضوء وحضور الوضوح وتوسط الطفل فوق اسفلت الشارع , وبنايات صلبة باهتة اللون , امور تعين هذا الذي حسبناه (( واسعاً )) الى كونه جد ضيق ..وهذا الموقف الاول لأثارة الشعور الذي يستند اليه الفنان احسان الجيزاني . فحرارة المناخ ووضوح مشهد الفاقة , وجدران صلبة , تجعلنا نحنو بشكل مظاف على هذا المخلوق الصغير والذي هو مجرد طفل , والطفولة هي النقيض الماهوي للسجن والقضبان والشدة والدرب المسدود , اذ الطفولة هي الافق مشرعا ومفتوحا , بل الطفل هو ليس سوى الحلم و المستقبل ذاته .

وبهذا يكون الخطأ الثاني وهوما خلناه منظرا متجانساً , ماهو في حقيقة الحال , سوى حركة نحو تكثيف التناقض , فالطفل .. والعوز .. والحيرة .. والخسارة , امور تساوي الرقة والضعف . بينما شدة ضوء الشمس .. وسواد أسفلت الشارع .. وصلابة الجدران.. ومحركات عسكرية تتجه صوب اهدافها غير عابئة بشيء .. امور تساوي القسوة والشدة ... اذن ها نحن ازاء مشرط يسهل لنا تفسير :

 

(( لمَ تم تقديم صدر المشهد بالطفل دون سواه من العناصر الاخرى في هذه الصورة ؟!))

 

.......... ............(2)  ........ ...........                        

                 

حرارة المناخ .. الضوء الساطع بعنف وشدة , الذي يفضح ويعري ويجعل الاخرين يتفرجون اكثر, ... الجدران الصلبة ذات اللون الباهت .. الشارع الصامت الممتد بهربة الحزن ,اسفلت لايعرف سوى السواد الذي يحيل الى اليأس والفجيعة والحِداد .. السماء التي يقلل الجيزاني , من مساحة ظهورها الازرق , تقليلا لمساحة الامل .. امور كلها تؤثر سلبيا على المتلقي ثانيا , وعلى هذا الطفل اولا .. فهذه الامور لايملكها الطفل , بيد ان لا مندوحة ان تقع عليه دفع ضريبتها .

لكن الصينية المعدنية الفارغة  .. الحلوى المراقة التي هبطت من دون اي تعمد منه الى عالم الارض الملوث .. هذه اشياء الطفل , وتأمل الطفل الطويل , وحسرته العميقة  , علامة تدل على ان ما سقط الى الارض وتلوث , هو كل ما لديه و ليست هي ((بعض)) ممتكاته واشيائه .

 

الطفل منجمد النظرة شارد النظر الى الحلوى التي كان يريد بيعها اذن , فلو كان يريد ايصالها الى المنزل فقط , لصرخ او بكى ثم مضى كبقية الاطفال في حالة كهذه او ظرف كهذا . .. انحاء الطفل فجلوسه , ثم انجماده جامعا اعظاء بدنه ومنكمش بهذا الشكل , كعصفور امام العاصفه ,يعني انه طفل مرتبط بقيد الكد على عائلة بلغ بها البؤس ,توظيف فلذة كبدها الصغير هذا , فقذفته داخل اتون قيض مناخ وشارع  لايعرف سوى الشدة والقساوة .

والان ها هي الحلوى , التي هي حبله المشيمي للبقاء , تسقط وتتلوث , فيجد نفسه معلقا بحبل مشنقة اليأس والحيرة , بماذا سيعود للمنزل واي نقود سيعدها ويستزيد ,بلغة طفلنا السالف السياب ,.. الحلوى هي كل ماكنتَ تملك من قبضة رمل الامل والتمني , وهاهو موج الحياة يعصف بها ويبتلعها بحر رماد .

 

عليه يتبين لنا خطأ شعورنا السطحي الاول(= والذي هو خطأنا الثالث )  الذي واجهنا به هذه الصورة_ اللوحة , لاحسان الجيزاني هذه , فلسنا هنا امام طفل صغير محض بائس ليس الا .. فهذا الطفل مسؤول وكادح .. هذا الطفل لديه شعور ووعي بكبر خسارته .. ويمتلك شعور واع يوازي حجم فداحة المأزق الوجودي _ وليس المالي _ الذي هو فيه .

فوقفة الطفل كهذه الوقفة , لايتقوفها الطفل امام دمية تُكسر منه .. هذه الدهشة والانبهات , هي ادراك كبير لايعرفه سوى طفل قذفه مدفع المحتة من مرحلة الطفولة الى مرحلة الشيخوخة والانكسار والاحساس بالعجز والقهر .. ولكبر الادراك الذي يحمله هذا الطفل , فهو لم يكترث حتى للمصور الذي قام بتصويره , ولا يكترث بمن يتطلع اليها .. اذ ان الشعور حينما يكون صادقاً , يجعلك تتحد مع موضوع الشعور فلا تلتفت الى اي شيء سواه , بخلاف الشعور الكاذب او الشعور الطفيف العادي , الذي هو اقرب الى التقنع وليس القناعة ’, حيث تتبكى ظاهريا على شيء, وتضحك في سرك على هذا الموقف ذاته ,.. في مواجهة طفل كهذا نكون امام نوع قاس من التعرية يناظر قسوة تعسف تعميم الاقنعة .

 

...............(3)...............                              

                         

مصفحات عسكرية واجمة مكفهرة ..وجدران صلبة وشارع شبه نظيف اصلع .. وشمس متكبرة قاسية , لكن الذي امامنا هو طفل مضاع تائه مقهور ازاء خسارته قطع من الحلوى .. اين ذهب المجتمع ؟! ... واين تنام الدولة اذن ؟! .. اين خير بلد الشمس ؟!

هنا يتبين لنا انكشاف خطئنا الخامس مع هذه الصورة  , فما ظنناه محض لقطة لصورة طبيعية مباشرة , هو مشهد ترميزي , وصورة هي توثيق مشهد طبيعي حقيقي , والذي هو من اشد انواع الاحتجاج تعبيراً . خصوصا وان احسان الجيزاني سوف يوضح في لقطات اخرى توضيحية , مرور عناصر من جيش القوات الاجنبية في العراق, بالاضافة الى هذه المصفحات العابرة التي نراها في هذه اللقطه , على مقربة من هذا الطفل_ الموديل , ذاته .

 

وما دمنا قد ارتضينا مقولة جان دولوز بدءا هنا في لنعود اليه منتهاً ايضا , يقول جان دولوز :

 

((وسواء كان الزمن نقص الطاقة الحرورية , ام زمن العودة الابدية , فالزمن في كلتا الحالتين يجد منبعه في العالم الاصلي الذي يضفي عليه دور المصير او قَدَر يتعذر التكفير عنه ))

 

وهو تقريب معتمد على ما قد لاحظه جان دولوز سابقا من انه : ((كلما كانت الصورة مغلقة مكانياً , وحتى مختزلة الى بعدين , كلما كانت مهيأة للانفتاح على بعد رابع , الا وهو الزمن , وعلى بعد خامس الا وهو الروح )). وهذا يحقق لنا خلق عمليت تنافذ بين اعمال احسان الجيزاني تشرح لنا مكمن ارادة الاختزال في بعض الصور , وتنقي نوع من المباشرة في صور اخرى .. اضف الى ذلك انه وفق هذا الانعطاف  والتحقق ,يكون واضحا انه : مهما كان الفن هو تفكير في المطلق , فان الابدية هي ذاتها لابد ان يكون لها سابق مخيالي يرجعها الى الزمني في بقعة من بقاع الروح التي تتمرد على القيود عبر صناعة قيود مصاغة بشكل مختلف.. واذ ذاك تتبين لنا صورة احسان الجيزاني هذه , فالجيزاني قام بنشر هذه الصورة في مرحلة الانتخابات الرئاسية في العراق الجديد (= وبهذا هي صالحة لتجدد النشر عند تجدد ذات الحدث ) , وعندهاا يكون الجيزاني قد ربط بين المحنة في زمن النشر الجديد , و الرؤية عند التقاط هذه الصورة , برابطة المصير كنوع من مماهاة تجلي القدَر العراقي امام نفسه .

 

مزنجرات عسكرية ..واسفلت اسود , وجدران صلبة , وسماء مطبقة تشعرك بالضيق لقربها من رأسك فتجعلك منحن النظرة الى الارض بدل رفع رقبتك والتطلع الى جمال الاشياء .. شدة وطأ الخسارة تمحي الالوان عن الاشياء , وهل ثمة جمال بلا لون ؟! .. انه الحرمان ,بما فيه الحرمان من الالتفات الى الاشياء التي لانملكها ايضا .

 

 العالم الاصلي المحالة اليه هذه الصورة , تعيد الصورة لملتقطة للفرد الى الجماعة كوضع شامل . اذ كما تعود الكلمة _الكتابية , الى الحرف والحرف الى النقطة , فان الشعب مرجعيته الطفل (= لماذا نحن نختار الطفل وليس الام مثلا ؟! ) .. نحن بهذا امام اعادة تقنية لمشهد طوطمي قديم , حيث كان العقل البدائي يضحي بالعنصر الاكثر طهارة وقداسة لمعبد الاله القديم الاول في تلكم المجتمعات البدائية المتخلفة , وقد تم اختيار الفتاة العذراء الصغيرة ككبش فداء من أجل ارضاء الرب وحماية القبيلة , فكانت عملية الذبح تتم بطقوس صاخبة بالفرح والابتهاج بالسعادة المقبلة .. وهذا المشهد بحذافيره يتم تقديمه هنا عبر عناصر اكثر اثارة سواء في تطوير اودات الاعدام والذبح .. او في عملية تطوير فكرة الاله .. هنا يتم قتل وذبح الاطفال بشكل يومي , ارضاءا لألهة الدين او الهة السياسة من جهة  ,باعتبارههما استمرار للشكل القديم من الالهة , وذبح على معبد التكنلوجيا والتطور الصناعي والعكسري , باعتبارهما الشكل الحداثوي الجديد من الربوبية وصناعة السيطرة ... حيرة هذا الطفل هنا هي حيرة شعب محاصر بامور لاتعنيه ثمارها وعليه من يجب دفع ضرائب خسرانها او ربحها .. هي حيرة شعب وضع يده على خده مبهوتاً من تساقط العناصر الخيرة التي كان يمتلكها , فاذا بها تسقط دفعة واحدة, لتتلوث بشكل لامثيل له من الفساد وبلا اي تورع لشيء او التفكر بالتوقف عند حد معين من الجشع وتراب الانانية ... هي حيرة وصمت شعب انجمد لهول المحنة وذبحه اليومي قربانا لارضاء العقل الطائفي لأشقائه العرب من جهة الشرق .. واسعافا لمصالح الدول الكبيرة في جهة الغرب .. هي صفنة التحسر  امام نصل الغدر من عناصره الوطنية في الداخل التي كان يعول عليها ذات يوم .. وفاجعة تفجر الكراهية لمحيط كان يظنهم اخوته واشقائه حتى الامس القريب .. الشعب_الطفل واضع يده على خده مبهوت عاجز متوقف عن اي حراك, رغم الذبح والتقتيل وسرقة ممتلكاته وتلوث ماهو ((حلو)) وجميل كان يحرص عليه واضعا اياه في صينية القلب والصدر ذات يوم .. شعب_طفل , متوقف  عن اي حراك سوى التحديق بخسارته .. هذه الصورة التي يقدمها احسان الجيزاني تجيبنا على سؤال اساسي :

 ((لماذا كان الاطفال هم الضحايا الاكثر عددا في زمن حكومة صدام حسين وحزب البعث , وهم الاكثر عددا في زمن الدولة الجديدة وتفجر الكره العربي ؟!))

فليس ترحيل العقول الكبيرة عن البلد هو اغتيال للشعب , وانما عبر اجهاض وريقات المستقبل المسماة بالاطفال , فانت لاتقتل الشعب الا عبر اغتيال البراءة فيه,  .. فعند ذاك سيتحول المجتمع الى حيوانات مفترسة ينهش بعضها بعضا ,وهذا مانسميه اليوم بالعراق الجديد والشعوب الاسلامية والوطن العربي , فنحن بعد مرور مئتي عام على حركة النهضة لم يتطور لدينا شيء ويستمر سوى الحرب فقط , وحتى الثقافة هي مقلوب شكلي يبرر نوع آخر من تلكم المذبحه ! .

 

(سدني - استراليا)