|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
7 تــمــوز 2005 |
|
غريب على الطريق شوارع خاليه في منتصف الليل والالم بحثاً عن السيسستاني : دولة فزاعة الفقيه ! كتابات - عبداللطيف الحرز (1) ادرك تماما اني اصرخ في ربع خال , فليس هناك من يقرأ سوى ثلة من الفقراء فقط , فالقلم لاتأثير له الا بانقلابه عصا , وقد سبقنا الكاتب المسرحي المصري (( توفيق الحكيم)), الى قول قاله في لحظات عمره الاخيرة: (( لقد اكتشفتُ مؤخراً ان من يمسك عصا , ترك من الاثر اكثر ممن امسك قلما )) .
لكني مع ذلك لازلتُ أؤمن بان مشكلتنا ليست في الاقتصاد ولا في السياسه , مشكلتنا في القراءة , فهذه الامة التي افتتح دينها بكلمة ((اقرأ)) , وهي آية اعظم من البسملة كما كان يعتقد علي بن ابي طالب مخطئاً, انها اعظم مافي القرآن , هذه الامة التي دينها القرآءة , فضيحتها اليوم هي كونها لاتقرأ . وطبعا ليست القراءة هي مطالعة حروف وانما هي اساسا مطلع يقذف بك في كنه الاشياء وجوهر المفاهيم , فالامية الثانية اشد خطورة من الامية الاولى , فالانسان الامي بالامية الاولى يدرك انه لايقرأ اذن هو لايفهم , اما الانسان في الامية الثانية فمشكلته انه لايتسطيع ادراك كونه لايفهم, لذا يزاحم الاخرين على كل شيء ويدس انفه بلا اي تورع للذي امامه .
اعطي مثال بسيط على ذلك : تقوم الدنيا وتقعد على الفقيه اللبناني محمد حسين فضل الله لكونه لايؤمن بشيء اسمه الولاية التكونية لائمة , رغم ان محمد باقر الصدر وصادق الصدر , كلاهما يؤمن بان امام الشيعه المسمى بالمهدي , غاب لا لاجل الناس , وانما كي يتعلم ويفهم هو الحضاره , بينما اشهر عالمين للشيعة الصدوق قديما والخوئي حديثا , يؤمنان بنظرية مشهور المذهب السني بان نبي الاسلام مثل جدنا المشترك بين الانبياء والساقطين , رجل يصيب ويخطىء , ومن اجل ترك الاموات هاك نص لعلي خامنائي صاحب منصب الولي الفقيه في ايران اليوم , اذ يقول في الجزء الثاني كتابه ((الاستفتاءات )) , مانصه : (( س 194 : هل يجوز تلقيح زوجة الرجل الذي لاينجب بنطفة رجل {اجنبي }عن طريق وضع النطفة في رحمها ؟
ج : لامانع شرعاً من تلقيح المرأة بنطفة رجل اجنبي ))
هل سمعتم ان هنالك احد تنفس امام هكذا كلام ؟! .. ابدا رغم ان كل ماقاله محمد حسين فضل الله وامثاله من الفقهاء (= ارجو ان لا يفهم احد اني ادافع لطرف ما ,فانا اعتقد ان هناك نوع واحد للعمامه ) , لم يعترض احد على كلام الخامنائي هذا , لسبب بسيط هو :كونه يملك العصا لمن عصى .
ولعله حسب قانون انقلاب العلم الى سلطه ,عاش السيستاني دهرا في العراق , فلم يكن له صيت او اسم الا حينما جاء تبدله هذا الذي لايدري احد هل هو تبدل من باب الانقلاب الفقهي ام غيره مادام الرجل لايزال يصر على انه ليس سياسياً؟! فالسيستاني الان عنوان سياسي وليس ديني , وعمليا يتم طرح السيستاني بانه المرشد الروحي للدولة العراقية , فليس ثمة شيء في هذه الدولة لم يتم دبغه بختم السيستاني صدقا او كذبا .
(2)
لستُ انا وحدي من يبحث عن هذه العنقاء وطائر الرخ المثير , آلاف بل ملايين الناس, مسلمين وغير مسلمين , يبحثون عن هذا الكائن ماهو وكيف هو ؟! .. من اين جاء بكل هذه الطاقة والى اين يصل ؟! .. ماهو حجم هذه المولّدة او الجمجمة التي اتسعت لدراسات القانون وصياغة الدستور والفصل بين قضايا دولية وجماهيرية .. سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية , وامور وامور , كل واحد منها اختصاص ذو فروع يعجز عمر الفرد عن استيعاب واحد منها فكيف باجمعها.. نحن هنا امام ((سوبر مان)) وسوبر فقيه , تماما كما كان يتم طرح صدام حسين بانه ((سوبر طاغيه )) , و محمد حسين الطباطبائي و محمد باقر الصدر بانه ((سوبر مفكر )) , وعلى الجميع الرضوخ فقط, والذي هو تزويق لمقولة ((نفذ ثم ناقش )) , وهو امر معناه ان جميع المذاهب الاسلامية لديها انغلاق في الاجتهاد وليس ثمة مذهب مشرع الاجتهاد , وهو تنظير بكون الحوزة والازهر علم مكنون غير قابل للنقاش بتاتا مهما بدا الفعل والامر متناقضا مثل تأييد الديمقراطية والحث على دولتها ثم التدخل بتعيين الطرف الذي يراد انتخابه ! , الامر محصور بالخواص حسب عقلية الغزالي واتباعه الاشاعره بـ((لجم العوام عن الكلام )) , فليس للعوام العلم وانما العمل والطاعة فقط ,وبالعكس فليس لرجالات العلم, العمل والشقاء وكدح لقمة العيش , وانما لهم الكلام والثرثرة الدائمة والتنظير لامور لاتأتي ابدا. فما الاصرار على قول المطلقات والحديث عن المجردات والعموميات , الا لسبب واحد هو كونها (( لن تتحقق )) .
قد يقال : ((ان هذا حديث سابق لأوانه , وانه حتى لو كان ثمة خطأ هناك فهو خطأ مفيد , فنحن بحاجة للسيطرة على مشاكل الناس بعمامة السيستاني )) .
وهو كلام يستند الى تغطية الكذب بكون الكذب ينقسم الى اسود وابيض , وهي جريمة اغتيال اللغة ,واللعب بالكلمات بذريعة الحيلة الشرعية , فالحيلة والشرعية متناقضان فكيف تؤيد احدهما الاخرى ؟! و ما يؤسس على خطأ لاينتج الا خطأ مثله , وجمع خطأ الى خطأ لاينتج عنه صح ابدا, وانما هو تكديس للاخطاء والتي سوف تكبر وتتضخم مثل كرة الثلج تماماً.
لقد كانت الدولة والسياسة في السابق مبنية على كارزمية الرجل الواحد , وهي فكرة الزعيم القومي , بينما اليوم نحن امام دولة كارزمية الفقيه الفرد , واذا كان رجل الدولة الاولى يحرص على الظهور , فان الرجل الثاني يلعب ((القميضة)) والاستخفاء , ليس الامر زهدا كما قد يبرر ذلك بعض المهوسيين , او ((المهوشيّن )) حسب ما كان يسميهم احد اهم مجددي الفكر الديني وباني لاهوت عقلاني شيعي بل ومسلم , يتردد الجميع من ذكر اسمه اعني الكاتب الفذ الشيخ ((محمد جواد مغنيه)) , وانما لسبب شخصه ابن ذات الكار وابن ذات النفق المظلم الرطب , محمد صادق الصدر , وهو ان هولاء الفقهاء لايحسنون الكلام ولايستطيعونه, فلقد كان يعلم : ان هولاء ماكانوا ينطقون . واليوم نحن بحاجة الى وضع الفأس برقبة كبير اصنام المعبد : اليست كل هذه الفضائيات العالمية يمكن ان تكون منبر للتعريف بالمذهب الشيعي الذي يدعي القائمون عليه بانه ((المذهب المظلوم )) , فلمَ لايستغله السيستاني خصوصا في هذا الظرف الذي لو تكلم السيستاني بحرف, لتمت ترجمته الى كل لغات الكرة الارضية الخربه التي كانت تسمى يوما بـ((المعموره )) ؟! .. اليست كل هذه القنوات التلفزيونية العراقية بخدمة السيستاني فلم لايظهر فيها فيكون صوته انجع وابلغ واكثر حصانة من ان تزوره هذه الصحيفة او تتقول عليه هذه الاذاعة ويتم نشر كلام لم يقله ؟! الجواب لايحتاج الى دراسة علم الذره , مادام حتى عالم الذره العراقي نفسه, قد بات مكوكاً يلتف اكثر من العمامه , بامكان الجميع الانصات الى صوت ابو القاسم الخوئي وهو يلق دروسه المسجله ليعرف السبب , ولا اظن احد نسى او يتناسى تلعثم لسان الخوئي في مقابلته التلفزيونية مع صدام حسين , بعد مجزرة انتفاضة شعبان . ليس عيبا ان لايستطيع الفارسي او الباكستاني او الهندي التكلم بطلاقة في لغة كرس كل عمره فيها , لكنه عيب فيمن نريده نحن ان يكون زعيماً للامتنا المفوهة وشعبنا الطليق الكلام ,وانا اقول هنا ((نحن نريد )) لا ان السيستاني هو الذي يريد, تبنياً للاحمق ومن في قلب مرض او في يده سوط من القراء .
على ان الحل موجود ايضا : يمكن مثلا ان يحضر السيستاني ويقوم احد الناطقين باسمه بالكلام عوضا عنه امامه , وبهذا تنحل عقدة الغيبه وعقيدتها, الا اللهم اننا نخشى فضيحة كون فلان نصفه فقيه ونصفه قبو . (3) ليست المشكلة في آلية التقليد , فحتى في الدول العلمانية المتطورة يرجع الجميع الى الفقيه ذاك الدين كي يعقد لهم ميثاق الزواج , او يقيم مراسم الدفن على موتاهم , لكن تلك الدول حلت قضيتها مع الفقيه في تلك المرحلة الوسطى مابين الزواج وبين الموت , وهذه المساحة المتوسطة هي مصيبتنا مع الفقيه نحن ابناء الامة الوسط التي اخرجت للناس تائهة لاتنتمي لا الى الحضارة ولا الى التخلف . وحتى المذهب الشيخي الشيعي يؤمن بالتقليد لابدليل ان الصدوق نفسه وضع كتبه كرسالة فتوى (= انظر مثلا مقدمته لكتابه المقنع ) بل لوجود كل هولاء المشايخ الذين لديهم مئات كتب الفتوى والرسائل لاتباع المذهب المعاصرين اليوم . لكن الامر لايقف عند طرح مصطلح قديم كالتقليد , وانما الامر بات يصل الى جلد مصطلحات معاصرة وقديمة لا علاقة لها بالموضوع اصلا , كل ذلك بغية ان يأكلها رجال ((الايكليروس )) وحاشيتهم وسدنة معابدهم .
فاذا كان بالامكان طرح اماكنية وجود اقتصاد اسلامي , او نظام سياسي سني او شيعي , فهل يعقل ان يتم طرح مثقف اسلامي فضلا عن طرح ((مثقف شيعي )) ؟!!.. فهذه لايفعلها الا احمق عظيم الحماقه , او كاتب لعوب يستدر المال بكتابته , او مسكين قضى عمره مضحوك عليه بانه فهيم زمانه , وفطحل اقرانه وكاتب عصره ... لايعني هذا ان المثقف لايكون متدين بدين ما , لا .. وانما لكون المثقف بماهو مثقف ,لايضاف اليه الا المعرفة والسؤال فقط , فالمثقف موضوعه التفكير حراً بلا قيد ,لذا فهو ينتمي للعقل بلا واسطة , اما كونه شيعي او سني , مسلم او مسيحي , متدين .. علماني .. الخ , فهذه اضافات حقلها الدين , ومن يخلط بين الموضوعات اما هو هاو كتابه, او هو متحزب او متاجر يتعامل مع الكتابة والثقافة بانها وسيلة للسلطة الاجتماعية او السياسية او الدينية. ومن هنا تعرف سذاجة مقولات كثر مثل قولنا الفلسفة الاسلامية , والفلسفة الالحادية , .. الفلسفه العربيه .. الفلسفه الغربيه ..الادب الاسلامي والادب الاباحي , واسلمة العلوم .. الخ , فهذه جميعا مثل مقولة ((طب النبي )) او الطب النبوي , لايقولها الا جاهل , او حريف تجارة مربحة تتخذ من عقائد الناس وعواطفهم سترا لها , وهو امر يسهل التعرف عليه بتتبع الصعود المادي لهذا النوع من الكتاب وزمنية طباعتهم مقالاتهم وكتبهم وصعود شهرتهم , وايضا: هذا فصل عنصري وطائفي للعقل يمارسه العرب والاسلاميون هولاء الذين يقولون عن الغرب بانه عنصري !!.
وبهذا فليس صدفة ان تتكاثر هذه العناوين عند كل نقلة سياسية جديدة , فمثل هذه العناوين تقتل الفكر وتحول المفاهيم الى جثث وتوابيت يصلي عليها المعمم كي تدفن وتصبح مزارات تدر الربح , فليس هنالك من وسيلة تجارية انجح من الدين والجنس وكلاهما دعارة نستعين بالله والضمير ان يحرسنا منها .
وخطورة هذا الامر : انه بما انه الفقيه هنا يحنط كتمثال خرافي الحجم يحجم كل شيء بعمامته , يغدو كل عمل ثقافي وفكري خارج نطاقه نوع من الكفر الذي يعني ضرورة انطباق عقوبة الاعدام والقصاص , ووضع كهذا لا يشعر مالم يكن للدين وفي الدين , ولا مسرح ولا رسم , بل ولا حتى الحلاق يستطيع ان يؤدي دوره الجمالي مرتباً شَعر الناس وذوقنهم في مجتمع كهذا يكون على ذات القياس : حلاقه اسلاميه وحلاق غير اسلامي , على وزن كاتب اسلامي وكاتب غير اسلامي , كما هو حال العراق اليوم الذي يسمى مجازا بالجديد .
(4)
كثير مايتم تصوير الرجوع الى الفقيه بكونه من قبيل رجوع المريض الى الطبيب .. او رجوعنا الى مهندس البناء .. او الحداد , فالفقه هو اختصاص ما كغيره تماما , وبهذا يظن المبتدء بان القضية انتهى وانه ألجم العوام حجرا عن الكلام , ومادرى بان هذه المقايسة حتى لو قبلناها جدلا فهي تنفي مدعاه وتعدينا الى ذات الشائكه : فالطبيب والمهندس والنجار , كل واحد منهم اختصاص محدد الموضوع , بينما مشكلتنا مع الفقيه انه لايحدد موضوعه بشيء فهو يتابعك من صياغة الدستور وحتى جلوسك في المرحاض وفتح فخذي زوجتك او عشيقتك . ان اقلد الفقيه بامر محدد امر يقبله العقل كقبوله اخذي دواء لااعرف كيف ُصنع وما هو اسمه , لكن ان اراجع الفقيه بكل شيء , فهذا ما لاطاقة حتى للمجانين على حمل اثقاله التي يجب ان يحملها سفارا بدون ان يعرفها , وهو امر لم يتم توجيهه حتى في نقد العقل الحماري , فضلا عن العقل العربي او الانساني !.
باجماع الفقهاء ان التقليد هو آخر وثالث الثلاثة (= الاجتهاد والاحتياط والتقليد ) , فهو يصار اليه اضطراراً كي لاتعطل الفنون والاشغال , ومن هنا كان الاجتهاد واجب اساسا , لكنه واجب كفائي , اي يسقط الامر بوجوبه عند امتثال بعض الناس به ,وهذا الفارق الاول بين الفقه وبين الطب والنجارة والحدادة التي اعتاد سدنة الفكر الديني قرن الفقه بها , فالطب ليس واجبا بدءا , فلو استوردنا اطباء ولم يكن في الشعب طبيب واحد لايجب على احد ان يدرس الطب , بينما طلب التعرف على الشريعة امر متوجه بدءا حتى الى الطبيب نفسه .
الفقه من العلوم الانسانية لذا خرافة ان يقال مثلا الحوزة او الازهر يجب التخلص منها لكونها لم تنتج مصباح كهرباء او سماعة هاتف او ابرة خياطه , فمثل هذا الاعتراض يجعلنا نلغي الرسم والنحت والموسيقى والشِعر وعلوم النفس والاجتماع والاثار ونقد العماره وعلوم السياسه .. الخ , وهنا يظهر الفارق الثاني بين الفقه وبين علم الطب والنجارة وامثلها , فهو علم ذهني يلامس المفاهيم , بينما تلك العلوم علوم عملية تلامس امور مادية , وبما ان الفقه علم انساني اذن لابد ان يكون هناك تدخل ما للعوام فيه , تماما كما يطالع الناس الشِعر ولوحات الفن وافلام السينما , وزيارة الاثار , وكما يطالع الجميع التحليلات النفسية والاجتماعية , وعليه ينهدم ذلك القياس الغبي الذي قرن الفقه بالطب وامثاله , فلا فرق بين كتاب ((طبيعة الشخصية العراقية )) لعلي الوردي مثلا , وبين رسالة الفتوى لهذا الفقيه او ذاك , فالامر هنا متوجه الى ذات الانسان مباشرة , لذا كان كل منا يطالعه قدر وسعه وطاقته , وهذا لايعني اننا اصبحنا علماء اجتماع او فقهاء , تماما كما اننا نقرأ الشِعر والقصة والرواية والنقد وننصت للموسيقى وافلام السينما والمسرح , ونناقش ونسأل بدون ان يعني هذا اننا ساوينا اهل الاختصاص اختصاصهم ,رغم ان الاحمق منا يغتر بهذه المطالعات فيحسب نفسه فطحل الزمان, وهذه ليست عيبا في هذه العلوم وانما العيب فينا .
على انه مهما قلنا عن الفقه فهو حسب تعبير القدماء (( الفقه الاصغر )) اما الفقه الاكبر , فهو علم العقائد , وقد كان للفقهاء القدامى خصلتين زالتا اليوم وبزولهما زال جوهر الفقه باجمعه.
الاولى : هي ان الفقيه كان عاملا كادحا لقمة عيشه بعرق جبينه , فهو مثل بقية مخلوقات بني البشر , وبهذا كان الفقهاء ارفع من الشعراء الذين كانوا يقتاتون على ماتجود به القبائل او السلطات التي كان يمدحونها ( والتي هي اليوم مستمرة بعنوان جوائز المهرجانات والاحتفالات ) .
والميزة الثانية : ان الفقه كانوا يرفدون كتب فتاويهم بفصول تعرض عقيدتهم بالاستدلال , اذ انهم اجمعوا على حرمة التقليد في اصول الدين , وهنا كيف نلجم الناس عن الحديث عن الفقيه وفتواه وهي من فروع الدين اساساً ؟!
على انه لم يقل احد بان قول الفقيه هو الواقع , الا اللهم كاظم الحائري في كتابه الفقيه والقيادة الذي تملق للنظام الايراني وقال بان خطاب الولي الفقيه هو حكم واقعي وذات الواقع نفسه, وهو فقيه يكفي ان تطلع على كتابه ((دليل المجاهد )) كي تشفق عليه وتدخله الى اقرب مصحة عقلية ممكنه.
وعليه فلو قال لك القرضاوي او السيستاني بان هذا ماء وانتَ تعلم بانه خمر فهذا لايعني حلية الشرب بذريعة كونك تقلد هذا الفقيه , واذ ذاك يتبين انه لااساس ان ارى انا الانسان العادي ان فلان هو احق بالرئاسه فلا انتخبه لكون السيستاني يقول لي انتخب ذاك .
لستُ اقصد من هذا الكلام تأليب الناس ضد السيستاني او الفقه , لا لكوني لازلتُ انصتُ لمقولة محمد باقر الصدر بان هذه المؤسسة الدينية ((فشلت في عقر دارها )) , والتي هي تتجاوز ان تكون المعادل الموضوعي لمقولة الروائي العظيم ((كافكا)) عن رجالات الدين بكونهم ((عكازات الروح المصابة بالشلل )) . وانما ايضا لايماني بان الفقيه (اي فقيه كان سني او شيعي .. مسلم ام يهودي او مسيحي او صابئي) لايتحمل مسؤلية جميع حركات وافعال اتباعه بشتى انواعها , وليس هنالك من امثال افضل من الفقيه ابو حنيفه , فهذا الفقيه الفذ كان يحرم التقليد , لكن الناس اتخذت الاقتداء به مذهبا يتوارثونه حتى بات هناك مذهب يسمى باسمه , تماما كما حصل للفقيه ابن مالك فهذا الرجل بح صوته وهو يعترض على جعل كتابه وافكاره, مذهب وحيد ملزم على الناس , لكن فتواه باتت طائفة كاملة تحمل اسمه , وقل ذات الامر بالنسبة للامام جعفر الصادق الذي كان يوصي دائما بتعليم تلاميذه على الانصات لكلامه بعنوان مستند الى دليل ((اذا قلتم لكم شيء فقولوا لي : اين هذا من كتاب الله )) لكنه بات رمز لاطنان من الكتب الخالية من الدليل , حيث ينقلب ((التلاميذ )) الى ((اتباع )) وهذه هي المصيبة ليست في الفقه وانما في الفكر عموما , وما ماركس واتباعه الامثال واضح جلي . وهنا بات هناك ملايين يؤمنون بان الامام الصادق كلامه حق لكونه كلام الصادق وليس لكونه كلام مستند الى القرآن او العقل (= تماما مثل ماركس والماركسيين !) , فاخذ المذهب الشيعي يفرخ فروعا اسرع من ماكنة الدجاج (حاله حال المذاهب الاسلامية الاخرى بلا فرق ) وصل الامر ببعضها بطرح ان الائمة ليسوا رواة حديث عن النبي واصحاب اجتهاد يعلمون بتأمل عقلهم مثل بقية البشر , وانما هم كائنات نورية فوق مستوى التعقل والادراك . .. وقديما كان استاذ الدهر علي بن ابي طالب يقول ((اشيروا عليّ فانا لستُ فوق الخطأ )) , لكن القوم اصروا على تحويل استاذ العقل الى خراقة ضد العقل بان كلامه هذا محض تأديب وتواضع لاغير .
ليس ذنب السيستاني في كثير مما حصل ويحصل ( وان كان يتحمل بعضها بالتأكيد ) , ونحن نعلم ان اسواقنا وبيوتنا, مليئة بالكفران وشتم الله والملائكة وكل شيء , ونحن نعلم ان مجتمعنا مجتمع قبلي عشائري له اعراف وقوانين خاصة مستمرة لم تبال يوما بالفقه وتعزيراته وقوانين قصاصه , القصاص كان للثأر البدوي والعشائري مهما اعطينا خمس امالنا للفقيه في نهاية السنه . فليس من احد يتشاجر في السوق او في المحلة ويُقتل , او يتم الاعتداء على زوجته او اخته , فلا يحمل سلاحه ويفرغه ليس بمرتكب الذنب ,بل وباكبر عدد ممكن من اقرابه , فينتظر ناطرا على عتبة باب الفقيه : سيدنا .. مولانا فلان ركب اختي فما حكمه؟! (= ولستُ بمستطيع تعقل ان احد ما سوف يمتثل فتوى بالاحتياط مثلا ) , نحن نستفتي فالفقيه في البول وفي حكومة الدولة.. في احتصار البول واحتصار السياسة , ومابينهما الفقه يكون هو للعشيرة فقط , وحتى قصة ثورة العشرين (= والتي ابي احد رجالاتها المباشرين ) هي كذبة نحن سطرنا عللها واسبابها بعدما وقعت وانتهت , تماما كما نصور اليوم لانفسنا مذهب حنفي او مالكي او شافعي او شيعي , لا وجود له الا في اذهاننا فقط , ولو اجلسنا من نصورهم صحابة وأئمة وحنفية وشيعة وشافعية وحنابة وخوارج ومعتزله , لقالوا لنا :انتم تؤمنون برب غير ربنا ونبي غير نبينا وتؤمنون بافكار وشخصيات لانعرف عنها شيء وان اتحد بعضها بالاسم .
(5)
ليس هذا ذما للسيستاني ابدا , على العكس فالرجل محنته انه ليس يوحنا بولص الثاني , والا لوجدتَ المثقفين يتهالكون على رسمه وتسطير مدحه , القضية كل القضية هي في ضرورة تحديد اسوار الجيتو الاسلامي , والا فهي كارثة ان يؤدي السيستاني دور الفزاعه , فكلما ظهرت فتنة او ازمه بدءا بالحرب الاهلية وحتى الكهرباء , يكون على السيستاني طرد غربان التخريب والدمار , فان نجح نسيناه وان فشل شتمناه هو والمذهب الديني الذي ينتمي اليه . هناك مسؤولية يجب على من طرح نفسه مسؤلا ان يقوم هو بها كي يتحمل فشلها او نجاحها , ومن ثم يجري الاستفادة من تجربته والا استبداله .فالعيب بالمؤسسة الدينية و استغلال سذاجة رجالاتها وطيبتهم (او خبثم , فالله وحده العالم بمافي الصدور ) ووضعهم فزاعات تؤمن للسياسة غاياتها , امر لايعود بالضرر على السياسة فقط , وانما سوف يسلب الناس دينهم وعقيدتهم , فيغدون بلا دين ولا دنيا, ويكون في كل مرحلة نظام جديد ورئيس جديد وفقيه جديد , بينما المحنة كما هي .
جميل من السيستاني هذا التحول ( رغم بقاء الكثير من قذارات مرحلة مرجعيته السالفه مثل ابقائه على وكيله ونسيبه,: جواد الشهرستاني , الذي يدير بامواله الكثير من هذه الكتابات السخيفه ) , وجميل من السيستاني هذا الاحساس بازمة البلد ,وحتى كلامي هذا , هو لصالحه اكثر مما هو ضده اذ كل شيء بات يمكن ان يُحمّل على عمامته , او يجررها بعبائته وهو لايدري . واني لاؤمن بان السيستاني بوضعه الجديد افضل بكثير من محمد صادق الصدر الذي هو اكثر جنوناً من ابنه صاحب مليشيات جيش المهدي , فصادق الصدر كان يحث سائقي وسائل النقل ,على ضرورة منع النساء السافرات الرأس من صعود السيارات , اما في كتابه ماوراء الفقه , فقد وصل به الامر انه حرم كرة القدم بكونه فعل لاعقلائي (وهو استدلال عجيب فعقلائية الشيء تستنبط من اقبال الناس عليه اصلا.. وعليك ان تتأمل لتعرف مستوى هذا الرجل الذي كان يقول عن نفسه اعلم الفقهاء ! )
لسنا نعني اننا نريد من السيستاني ان يعود الى الكهف الذي كان يعيش فيه ويلتصق مرة اخرى مع تلك الخفافيش بالجدران , على العكس نحن الفقراء سنة وشيعة يسرنا وجود صوته بيننا , فقد شوهنا المذهب الوهابي وازلام سلاحه على السواء بلافرق لسني وشيعي , ونحن المسيحيون والصابئة واليهود والماركسيين , سعداء بهذه الروح الانسانية العامة , لكننا نريد ان يحدد صوته هو فلا يختلط بغيره , ونريده صوت يعكس بنيته هو, بكونه ليس سوى احد رجالات دين وعقيدة روحية ,يدعو الى صفاء النية والخير للناس جمعاء,وليس فزاعة يقف ورائها هذا الطرف او ذاك ويهش بها الاخرين ساعة الانتخابات ووقت الحصاد ونمو الزرع, فنحن نعلم بان الفزاعة ليس لها من المحصول شيء وعليها كل المذمه .
وايضا اننا نقول ذلك لكوننا نطمح اساسا ,الى بناء شعب يحركه عقله , فليخطأ الشعب في اختيار هذا او ذاك اذ ليس هناك من ثابت بمنصبه (=او هكذا يجب ) , فما دمنا نريدها دولة ديمقراطية ( والتي هي مجرد امنية فيلسوف حتى الان ) فان الصح لاياتي الا عبر تعلم الانسان بنفسه , اما ولاية الفقيه او ولاية المثقف او ولاية الشاعر , فهذي ليست سوى ارهاصات العقل المريض ليس الا .
(سدني - استراليا) |