الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

تشرين الثاني 2005

توأمة ألاسطورة لضرورتها و مخاطرها

 

كتابات - ظاهر شوكت البياتي

 

 dhaheralbayati@yahoo.com

 

الاهداء

 

الى كل من أمضى أيامه ولياليه يسعى الى تحقيق فكرة نافعة ، أو عمل مجد ، ليرفد الانسانية بعطاء يعمق حب الانسان لاخيه الانسان ، بدلا من اقتيادها الى هاوية التردي والسقوط .

 

همسة في أذن الزمان

     قال الشاعر الفرنسي ، باتريس دولاتور دوبان : (الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد ) وأضاف ادونيس موضحا : خصوصا برد التقنيه الآخذة في تدمير طفولة العالم(1).

ولكني اقول :

    إن البلاد التي تتفاخر بتراثها الثر من الأساطير ، قد تحترق بنارها ، إذا ظهر من يتقن إستغلالها في فن الدمار ، كما حدث في المانيا، والمعادلة قابلة للتكرار في ازمنة و أماكن كثيرة من العالم .

______________________________________

(1) ديوان الأساطير ، نقله إلى العربية ، قاسم الشواف ، اشرف عليه أدونيس ط1 دار الساقي ص8

 

 

إضاءات

1-السندباد كالاعصار ، إن يهدأ يمت (1). صلاح عبد الصبور

2- إن أساتذتي هم أولئك البشر الذين يسكنون في المدينة ، لا الأشجار ، ولا الريف(2) . سقراط

3- القلق الخصب هو الذي يضيء معنى الحياة (3) . الفلاسفة الأوائل

4- إن من تعلم كيف يموت ، سينسى معنى العبودية ، ومعرفتنا كيف نموت ، تحررنا من كل خضوع وقيود . مونتاني

5- إن فقراء العالم هم الذين ينقذون إقتصاد أغنى دولة في العالم(5) .

6- إن مدينة الفن خلق البشرية المشاع ،وهي ملكهم المشاع ،وأرضهم المشاع (6) . الكسندر اليوت

7- إن الخلاص الوحيد للإنسانية من ميكانيكية العلم والصناعة إنما يكون بالرجوع إلى الشعر (7) .ماثيو ارنولد

8- أنا يا صديقة متعب بعروبتي

فهل العروبة لعنة وعقاب ؟

أمشي على ورق الخريطة خائفا

 فعلى الخريطة كلنا أغراب (8) . نزارقباني

9- والخضوع الروحي لامة أخرى، هو شر أنواع الأستعمار (9) 0د0جواد علي

10- الإنسان ينهار الآن ، إننا نعيش في عالم مليْ بالعنف والفوضى إنه عالم الغابة ، وانهيار الحضارة الغربية  التي فرضت علينا قيمها ، ونمط حياتها (10). روجيه غارودي

11- الأسطوره مصدر إيجابي في إنتاج الثقافة  واستهلاكها 0(11) فراس السواح

12-إننا ندرس التاريخ لكي نستفيد منه لحاضرناومستقبلناهذا هو مقصد الشعوب الحية في دراسة التاريخ. د0علي الوردي

13-إننا نعيش في السياسة  دائما فوق أرض بركانية ، وعلينا أن نستعد لمواجهة أيه هزة ، وأي انفجار ، ولايمكن لأية قوة عقلانية، في الاوقات الحرجة ، أن تطمئن الى قدراتها على الحيلولة  دون عودة ظهور التصورات الأسطورية القديمة (13)0أرنست كاسيرر

14- لقد ملىء العالم بالمعجزات ، ولكن لا أشد إعجازا من الانسان 0 (14) سوفوكل

15- فاذا كان البحر يحده شاطئان، فالرغبة بلاشاطئين (15). شكسبير

16- إن الفن لازم للانسان حتى يفهم العالم ويغيره. وهو لازم ايضا بسبب السحر الكامن فيه .(16) ارنست فيشر

17- الاسطورة دفء للعقل و الجسد . (17) أدونيس

18- إن التبرير اللاهوتي المزعوم للعدوانات المتكررة بالاعتماد على قراءة أصولية للنصوص الموحى بها ، يحول الاسطورة الى تاريخ . فالرمز العظيم المتجلي في خضوع إبراهيم اللاشرطي لأرادة الله ، ومباركة كل شعوب الارض ، كل هذا يتحول الى نقيضه القبلي ، أي أن الارض المغزوة ، تصبح أرضاً موعودة . (18)روجيه غارودي

19- إن الاسطورة قطعة من حياة الروح .إنها تفكير الشعب الحلمي مثلما أن الحلم أسطورة الفرد.(19) جين هاريسون

20- إذا لم يهلك الانسان نفسه بالقنبلة الذرية ، فانة سيدمر نفسه بوقت الفراغ الطويل الذي سيخلقة العصر الذري .(20)  البروفسور: هتشنس

21- قال توينبي : إن الصفة الرئيسة التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الابداع.(21) مهزلة العقل البشري

22- إن ما ينشأ عن القراءة من سعة الافق ، واستقلال في الرأي ، ونمو في روح التسامح ، وكرم الاخلاق ، يمكن اعتباره فيما بعد ، حدثا من اهم احداث ايامنا الحاضرة 0 (22) سومر ست موم

23- فالفرق اليوم بين الشاعر الكبير والشاعر الصغير ، هو ان الصغير ، حين يعبر عن نفسه ، لا يعبر الا عنها ؛ أما الشاعر الكبير، فحين يعبر عن نفسه ، فانما يعبر عن عصره كله - أي عن جوهره الحضاري 0 (23) أدونيس

24- في داخل الصمت ، يسمع اللامسموع ، وفي الفراغ يرى اللامرئي 0 ومن هنا جاءت رسوم   الكهوف0(24) جبرا ابراهيم جبرا                                                             

25- ويحكى أن أحد الفلاسفة العظام ، سئل عند موته ، ماذا تعلمت ؟ فاجاب: إن خير ما تعلمته في حياتي هو اني لا اعلم شيئاً.(25) من كتاب : خوارق اللاشعور        

26-إن الموقف الاسطوري في صميمه شعري ، لأنه موقف صراع دائم بين الانسان وبين الوجود0(26) أنس داود

27- أن يحلم الانسان ، حياته اعظم من أن يعيشها 0 إن الروائيين يخلقون احلاما كبيرة يعيشونها ، ولذا فإن حياتهم الحلمية هذه هي أعظم من أية حياة0(27) بروست

28- الرواية تاريخ كان يمكن أن يقع ، والتاريخ رواية وقعت فعلأ .(28) اندرية جيد

29- إن مادة الفن ستبقى مادام الانسان باقيا . (29)

30- ان النفس الانسانية في احساساتها المختلفه لم تكن لتدرك نفسها لولا الفن . (30) عبدالعزيز المقالح

((   الهوامش والمراجع   ))

1-           الديوان - رحلة في الليل، صلاح عبدالصبور ،دارالعوده بيروت 1986 ص 11 .

2-           الشعر بين الرؤيا والتشكيل ،  د. عبدالعزيز المقالح ، دار طلاس دمشق، 1985، ص24 .

3-           إنتحار الحضارة / فوضى القرن العشرين ،شوقي أبوشعيرة دمشق ، 1994 ،ص7.

4-           الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ، مطابع الهيئة المصرية 1975،ص74

5-           إنتحار الحضارة ،ص.14

6-           أفاق الفن ، الكسندر اليوت ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،ط2 بيروت 1979 ص12 .

7-           في نقد الشعر ، د.محمود الربيعي ، دار المعارف بمصر 1977 ص44 .

8-           الاعمال السياسية الكاملة ، نزار قباني ،ط3 ،بيروت 1983 ، منشورات نزار ،ج3 ص641 .

9-           المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، د.جواد علي .بغداد ج6 ص58

10-         إنتحار الحضارة ،ص30 .

11-         الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، دمشق 1977 ص31 .

12-         مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ،دار كوفان ، لندن 1994،ص53 .

13-         الدولة والاسطورة ،آرنست كاسيرر ، ص369 .

14-         أوديب يسيوس ، أندرية جيد ، ترجمة طه حسين دار العلم للملايين 1985 ص43 .

15-         أسطورة فينوس وادونيس ، د. بديع محمد جمعة ، دار النهضة،1981 ص78 .

16-         الاشتراكيةوالفن ، ارنست فيشر ،ترجمة اسعد حليم ، دار القلم ، بيروت ص25 .

17-         ديوان الاساطير ،نقله الى العربية قاسم الشواف ، اشرف عليه أدونيس ، دارالساقي 1996ص8 .

18-         الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ، روجيه غارودي،  ترجمة حافظ الجمالي ..ط2 بيروت 1996ص17 .

19-         الاسطورة ،ك. ك راثقين ، ترجمة صادق الخليلي ، منشورات عويدات ، بيروت، 1981،ص117.

20-         أدب الاطفال ، هادي نعمان الهيتي، الهيئة المصريه للكتاب القاهرة بالاشتراك مع الشؤون الثقافيه العامه ، بغداد1977 ، ص58 .

21-         مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ،ص22.

22-         أدب الاطفال ، الهيتي ص58.

23-         زمن الشعر، أدونيس ، دار العوده، بيروت ط2 1978 ص173 .

24-         أفاق الفن ، ترجمة جبرا  إبراهيم جبرا ، ص119.

25-         خوارق اللاشعور ، د. علي الوردي ، دار الوراق لندن ، ط2 ، 1996 ، ص28 .

26-         الاسطوره في الشعر العربي الحديث،انس داود مكتبة عين شمس ،القاهره،1975،ص41.

27-         اقنعة الحقيقه واقنعة الخيال ،جبرا ابراهيم جبرا ، المؤسسةالعربية للدراسات والنشر، بيروت،1992ص85.

28-         نفس المصدر السابق ص157.

29-         نفس المصدر السابق ص78.

30-         الشعر بين الرؤيا والتشكيل،د.عبدالعزيز المقالح ص45.

 

مدخل

    حين تذكر الاسطورة ، تتبادر الى الاذهان ، مفاهيم الخرافة ، والاباطيل ، والسحر ، واللامعقول ، والاهم من كل ذلك ، الماضي ، أجل الماضي الذي وقع ، وتحول الى ذكرى ، حيث وضعت نصوصه في زوايا المكتبات ،وتحت عنوان : ( للمراجعة عند الحاجة أو للاسمار ).

    وصار الحديث عن الاسطورة- في نظر الكثير- في عصر التقدم العلمي والتكنولوجي ( من المفارقات المدهشة)-(1)أو أن المرضى العصابيين وحدهم ، يحتاجون اليها في القرن العشرين كما يرى فرويد-(2) فاليوم لا توجد اسطورة حقيقية فاعلة على نطاق واسع في الحياة الفكرية والروحية والادبية للثقافات الحديثة ،00000 ولم يبق من الاساطير الاتأثيرها المتجسد بالنزوع الاسطوري المتجذر في السيكلولوجية الفردية والجمعية (3) .

    إن هذه الاراء - كما أعتقد - متأثرة بعاملين ، أولهما: المفهوم التقليدي المحدود للاسطورة المتجسدة في النصوص الملحمية ، وثانيهما :الانبهار لحد الدهشة بالتقدم العلمي والتكنولوجي ، الذي يصفونه- في كثير من الاحيان- ب(اللامحدود أو اللامتناهي) ، وبذا يتقنع الاسطوري أثواب العلمانية عندما يعتبر العلم نموذجا أمثل قابلآللتطبيق على الواقع ، وكفيلأ بتحقيق التقدم اللامتناهي ، وإن أدى الى سحق الانسان ، وإخراجه من دائرة إتخاذ القرار،وجعله مفعولا ، لافاعلا في التاريخ (4).

    إننا في هذا العصر ، وليس في هذا القرن - ومن حيث ندري ولاندري - ترتدينا الاسطورة أونرتديها .فلقد كتب على عصرنا التقني - كما يقول آرنست كاسيرر - النهوض بفن أسطوري جديد ،بل أصبح من الميسور صنع الاساطير على نفس الوجه الذي يتبع صنع أي سلاح (5) .

    وإذا كان كاسيرر يقصد بالفن الاسطوري الجديد، الاسطورة السياسية ، أو استثمار السياسة للاساطير لتكوين الايديولوجيات التي تخدمها ، فانه بالامكان أن نتوسع في المفهوم . فالاسطورة مادة لاتفنى ولاتخلق من العدم،فقد يتغير شكلها ، أولونها، أو حتى مذاقها، ولكنها لا تفنى ،أجل لايمكن أن تموت الاساطير ، مادام هذا الانسان على وجه البسيطة ، ومادامت رغباته وتطلعاته أكبر من البحر . فأذا كان للبحر شاطئان، فان الرغبة الى المطلق عند الانسان لايحدها شاطئان .

    أذكر أني قرأت قصة كتبها الكاتب الانجليزي H H.G.Wells قبل هذا القرن ، وتحت عنوان (المستقبل) ، تخيل فيها أن رجلا من لندن نام زمنا قد يقدر بمائة أو مئات الاعوام ، ثم استيقظ فاذا بلندن غير تلك التي عرفها من قبل،لقد تغير كل شيء فيها ، ليست هناك سيارات وانما توجد طرق متحركة ، وليست هناك إشارات ضوئية أو علامات للمرور ، وإنما هناك أنفاق وجسور ، ولم يعد الانسان يحار بطبخه ، فهناك حبوب Pills تعوض عن وجبات الغذاء ، أو مطاعم كبيرة تلبي طلبات البيوت ، وليس هناك عمل يدوي ، وإنما تقوم الالة بكل ما يحتاجه الانسان ، وليس هناك حاجة الى المال ، فالواقع الجديد خلق إنسانا ياخذ ما يريد بقدر حاجته ، أو انه لا يحتاج الى المال إطلاقا . المهم هناك شيء جديد واحد ، هو وقت الفراغ الكبير جدا ، فماذا سيفعل الانسان لمعالجة ذلك؟ لقد تخيل الكاتب أن الانسان سيلجأ الى الاهتمام الشديد بالفنون الجميلة ، وسيظهر التنافس بين بني البشر لاظهار الفروق الفردية والتفوق في قدراته الابداعية . لم يكن الكاتب هشاً أو مثيراً للسخرية في استخلاص هذه النتيجة ، الدراسات الخاصة بالطبيعة البشرية تؤكد على أن (التنازع) [ بالمفهوم الفلسفي الواسع لهذه الكلمة ] صفة أساسية فيها ، وذلك لسببين ، هما :

1-           إستحالة إشياع الحاجات البشرية كلها .

2-           حب الانسان نفسه ، وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة أمرها .كما أوضح ذلك البروفسور كارفر (6)

    نعود الى موضوع الاسطورة وحياتنا المعاصرة أو حياة البشرية المقبلة ،أقول إن الاساطير المتنوعة لا تنتهي إلا بفناء العالم ، وعند ذلك يتحول الفناء الى اسطورة جديدة .

    اننا -في هذا العصر -نعيش أساطير كبيرة وخطيرة جداً ، ولكنها -ومع الاسف الشديد- سلبية في غالبيتها كما أنها لم تكتب شعراً ،وإنما تكتب بلغات متنوعة : نثرية مكتوبة ، أو مسموعة أو مرئية ، غير أنها تلتقي بالاسطورة القديمة في كونها ، كلية تمثل نوازع جماعية لا فردية ،وانها لا معقولة اذا عرضنا محتواها وغاياتها على معايير ما ينبغي أن يكون عليه الانسان بعد هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الرائع ، والذي حول العالم الى قرية صغيرة .ومن أهم هذه الاساطير المروعة ، سوء توزيع الثروة في العالم ، الذي صار يؤدي الى موت ثلاثة عشر مليوناًونصف المليون من الاطفال سنوياً نتيجة وحدانية السوق المفروضة على الناس بحكم الهيمنة الامريكية (7) أوالنظام الدولي الجديد لاحقاً .    وإن التبرير اللاهوتي المزعوم للعدوانات المتكررة بالاعتماد على قراءة أصولية للنصوص الموحى بها ، يحول الاسطورة الى تأريخ ، فالرمز العظيم المتجلي في خضوع إبراهيم اللاشرطي لارادة الله ، ومباركة كل شعوب الارض . كل هذا يتحول الى نقيضه القبلي ، أي : أن الارض المغزوة تصبح ارضاً موعودة !(8) .

    وهناك عشرات الاساطير التي تعكس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، إنهيار الانسان بالرغم من الجلسات الصوفية للامم المتحدة ، وادعاء وسائل الاعلام أسطورة التقدم والعدالة والمساواة .

    ففي الوقت الذي يموت الملايين من جراء الجهل والمرض والفقر ، يقيم-الانسان المتحضر- سباقاًللضفادع،وينفق ملايين الدولارات عليه ، وتتناقله وسائل الاعلام المرئية والمسموعة . في نفس الوقت يتوافد المتخمون بالمال لحد القيء ، من مختلف بقاع العالم ، للمشاركة بجدية اسطورية في المزاد العلني المقام-عبر نفس الوسائل- لبيع فستان إمرأة - قيل فيها ما قيل - أو لشراء سيارة محطمة كانت الاميرة " ديانا " تركبها مع عشيقها . ناهيك عن التوجه الى تألية الاشخاص ، وفي مختلف المجالات والاصعدة ، لاسباب متنوعة ، وتحت ذرائع مختلفة . فالنجومية في الرقص أو الغناء ، أو الالعاب مثل الملاكمة ، أو المصارعة الحرة لحد الموت ، تحول البعض الى انصاف آلهة ، تتسابق الشركات في إستثمار نجوميتهم ، لتصريف بضائعها وباسعار عالية جداً . فهذا الحذاء تلبسه الراقصة الفلانية ، وهذا القميص يلبسه الملاكم الفلاني ، وهذه التقليعة في حلاقة الشعر خاصة بالنجم المشهور فلان .

    أما الاساطير التي لجأت التقنية العصريةالى إستغلالها لتكوين الايديولوجيات التي تخدمها ، فقد قادت البشريةالى محرقة حربين عالميتين في أقل من نصف قرن ، وهي معادلة قابلة للتكرار ، فهي ما زالت توقد الحروب الاقليمية،العرقية والطائفية في أماكن مختلفة من العالم . لقد حولت القوى الطامعة هذا العالم الى جحيم تحول فيه المال الىإله يرسم خرائط الدنيا ، ويسلب الانسان حقه حتى في الحلم الفاعل .

    ولابد من أن يأتي اليوم الذي تكتب هذه الاساطير ، وربما شعراً ، لتطابق من حيث الشكل الاسطورة القديمة،أجل ، لأن الاسطورة فن ، وما دام الانسان باقياً على وجه البسيطة ، فلابد له أن يبحث في الماضي ، وينشغل بوجوده وعلاقاته مع ما يحيط به ، ويستشرف المستقبل . فالزمن بعد رابع ، وهو خط مستقيم يمتد من الماضي مروراً بالحاضر الى المستقبل كما اكتشفه آينشتاين(9).

    ومعذرة إذا قلت : إنني أرى بنات الاساطير المراهقات يقفن على قارعة الطريق في القرون القادمة ، ينتظرن الحب الاتي حتماً ، لاقتيادهن عرائس الى مدن المستقبل .

 

ظاهر شوكت البياتي

24/12/1999

 

الهوامش و المراجع

(1)          موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، د. محمد عجينة - دار الفارابي بيروت 1994ص38

(2)          الاسطورة ك.ك.راثفين- ترجمة صادق الخليلي ، بيروت 1981ص89

(3)          الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، دمشق 1977ص29

(4)          موسوعة أساطير العرب ، د. محمد عجينه ص38

(5)          الدولة والاسطورة ، ارنست كاسيرر ، مطابع الهيئة المصرية 1975 ص372

(6)          مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ، دار كوفان ، لندن ،ط2 ، 1994ص89

(7)          الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ، روجيه غارودي ، ترجمة حافظ الجمالي ط2بيروت1996ص11

(8)          نفس المصدر ص17

(9)          خوارق اللاشعور ، د. علي الوردي ، دار الوراق ، لندن ، ط2 ، 1996 ص26

 

لمحات عن النفس البشرية

    الاساطير من ثمرات النضال الدؤوب للانسان في جدله مع نفسه ، ومع الوجود . ولم تنضج هذه الثمرات من فراغ ، ولا من وهم أو رغبة مجردة أو هوس ، وإنما كانت حصيلة تفاعل حقيقي بين مجموعتين من المؤثرات في سياق زمكاني معين ، وتلك المؤثرات هي :

1- مؤثرات الطبيعة بشتى صنوفها ، والتي أيقظت في الانسان القلق والخوف ، ثم البحث المستمر عن وسائل لاسترضائها أو السيطرة عليها ، أو الانسجام   معها .

2-عوامل بايولوجية وسيكولوجية في النفس البشرية ذاتها ، فطرية أو مكتسبة .

    إن التعرف على جوانب من الطبيعة البشرية ، والتي لها صلة بموضوع الاسطورة ،أمر ضروري في مساعدتنا على التقرب من فهم الاسطورة التي قال عنها يونغ - وهو أحد تلامذة فرويد - إن كل المحاولات التي بذلت لتفسير الاسطورة لم تساهم في فهمها ، بل على العكس ، لقد زادت في الابتعاد عن جوهرها وزادت حيرتنا نحوها (1) .

    فالانسان لا يستطيع أن يرى نفسه خارج العالم ألذي يعمل على تفسيره (2) ، والايمان بالخلود ورفض الموت عاملان يراهما فريزر من خصائص الانسان .فالبدائي يرى الموت حادثاً طارئاً لا مفر منه ، وهو ناجم عن تدخل قوة شريرة ، وحول هذا الموضوع قامت طقوس ، اهدافها تنمية القوى الحيوية وكبح النفوس المنافسة(3) .

    والانسان وحده ،هو الكائن الذي لا يقنع بما هو موجود ، أو بما هو واقعي محض ، أو عقلاني محض ، فينشيء الرموز والانظمة الرمزية ، إعراباً عن توقه الابدي الى آفاق اخرى ، غير التي يقع عليها من الحس والادراك ، والى نزوعه الى أن يصنع عالماً معبراً عنه ، الا إنه لا يستوي وإياه ، فاذا هو يطمح الى تجاوزه باستمرار(4) وهذا ناشيء من إستحالة إشباع الحاجات البشرية كلها ومن حب الانسان نفسه وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة  أمرها كما عبر عن ذلك البروفسور كارفر ، وقبله إبن خلدون الذي قال في مقدمته : إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية (5).

    والانسان يطمح أن يكون أكثر من مجرد كيانه الفردي . يريد أن يكون أكثر إكتمالاً ، فهو لا يكتفي بأن يكون فرداً منعزلاً ، بل يسعى الى الخروج من جزئيته ، حياته الفردية ، الى كلية يرجوها ويتطلبها(6) وان للفرد رغبته العميقة في التحرر من ربقة فرديته والانغمار في تيار الحياة الكلية ، ورغبته في فقدان ذاته والفناء في الطبيعة في جملتها (7) .

    والانسان يمتلك عقلين : ظاهر وباطن أو ما يعبر عنه بالوعي واللاوعي ، هذه القنبلة التي القاها فرويد فكشف أمامنا آفاقاً جديدةً للبحث في النفس البشرية ، فصار العقل البشري يمكن تشبيهه بجبل الجليد الطافي في البحار القطبية ، لا يظهر منه الا جزء صغير فوق سطح الماء . أما الجزء الاكبر ، فقد انغمس في الماء ، ولا يرى منه شيء . إن أغلب حركات الانسان وسكناته يسيرها ذلك الج