|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
8 تشرين الثاني 2005 |
|
توأمة ألاسطورة لضرورتها و مخاطرها
كتابات - ظاهر شوكت البياتي
الاهداء
الى كل من أمضى أيامه ولياليه يسعى الى تحقيق فكرة نافعة ، أو عمل مجد ، ليرفد الانسانية بعطاء يعمق حب الانسان لاخيه الانسان ، بدلا من اقتيادها الى هاوية التردي والسقوط .
همسة في أذن الزمان قال الشاعر الفرنسي ، باتريس دولاتور دوبان : (الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد ) وأضاف ادونيس موضحا : خصوصا برد التقنيه الآخذة في تدمير طفولة العالم(1). ولكني اقول : إن البلاد التي تتفاخر بتراثها الثر من الأساطير ، قد تحترق بنارها ، إذا ظهر من يتقن إستغلالها في فن الدمار ، كما حدث في المانيا، والمعادلة قابلة للتكرار في ازمنة و أماكن كثيرة من العالم . ______________________________________ (1) ديوان الأساطير ، نقله إلى العربية ، قاسم الشواف ، اشرف عليه أدونيس ط1 دار الساقي ص8
إضاءات 1-السندباد كالاعصار ، إن يهدأ يمت (1). صلاح عبد الصبور 2- إن أساتذتي هم أولئك البشر الذين يسكنون في المدينة ، لا الأشجار ، ولا الريف(2) . سقراط 3- القلق الخصب هو الذي يضيء معنى الحياة (3) . الفلاسفة الأوائل 4- إن من تعلم كيف يموت ، سينسى معنى العبودية ، ومعرفتنا كيف نموت ، تحررنا من كل خضوع وقيود . مونتاني 5- إن فقراء العالم هم الذين ينقذون إقتصاد أغنى دولة في العالم(5) . 6- إن مدينة الفن خلق البشرية المشاع ،وهي ملكهم المشاع ،وأرضهم المشاع (6) . الكسندر اليوت 7- إن الخلاص الوحيد للإنسانية من ميكانيكية العلم والصناعة إنما يكون بالرجوع إلى الشعر (7) .ماثيو ارنولد 8- أنا يا صديقة متعب بعروبتي فهل العروبة لعنة وعقاب ؟ أمشي على ورق الخريطة خائفا فعلى الخريطة كلنا أغراب (8) . نزارقباني 9- والخضوع الروحي لامة أخرى، هو شر أنواع الأستعمار (9) 0د0جواد علي 10- الإنسان ينهار الآن ، إننا نعيش في عالم مليْ بالعنف والفوضى إنه عالم الغابة ، وانهيار الحضارة الغربية التي فرضت علينا قيمها ، ونمط حياتها (10). روجيه غارودي 11- الأسطوره مصدر إيجابي في إنتاج الثقافة واستهلاكها 0(11) فراس السواح 12-إننا ندرس التاريخ لكي نستفيد منه لحاضرناومستقبلناهذا هو مقصد الشعوب الحية في دراسة التاريخ. د0علي الوردي 13-إننا نعيش في السياسة دائما فوق أرض بركانية ، وعلينا أن نستعد لمواجهة أيه هزة ، وأي انفجار ، ولايمكن لأية قوة عقلانية، في الاوقات الحرجة ، أن تطمئن الى قدراتها على الحيلولة دون عودة ظهور التصورات الأسطورية القديمة (13)0أرنست كاسيرر 14- لقد ملىء العالم بالمعجزات ، ولكن لا أشد إعجازا من الانسان 0 (14) سوفوكل 15- فاذا كان البحر يحده شاطئان، فالرغبة بلاشاطئين (15). شكسبير 16- إن الفن لازم للانسان حتى يفهم العالم ويغيره. وهو لازم ايضا بسبب السحر الكامن فيه .(16) ارنست فيشر 17- الاسطورة دفء للعقل و الجسد . (17) أدونيس 18- إن التبرير اللاهوتي المزعوم للعدوانات المتكررة بالاعتماد على قراءة أصولية للنصوص الموحى بها ، يحول الاسطورة الى تاريخ . فالرمز العظيم المتجلي في خضوع إبراهيم اللاشرطي لأرادة الله ، ومباركة كل شعوب الارض ، كل هذا يتحول الى نقيضه القبلي ، أي أن الارض المغزوة ، تصبح أرضاً موعودة . (18)روجيه غارودي 19- إن الاسطورة قطعة من حياة الروح .إنها تفكير الشعب الحلمي مثلما أن الحلم أسطورة الفرد.(19) جين هاريسون 20- إذا لم يهلك الانسان نفسه بالقنبلة الذرية ، فانة سيدمر نفسه بوقت الفراغ الطويل الذي سيخلقة العصر الذري .(20) البروفسور: هتشنس 21- قال توينبي : إن الصفة الرئيسة التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الابداع.(21) مهزلة العقل البشري 22- إن ما ينشأ عن القراءة من سعة الافق ، واستقلال في الرأي ، ونمو في روح التسامح ، وكرم الاخلاق ، يمكن اعتباره فيما بعد ، حدثا من اهم احداث ايامنا الحاضرة 0 (22) سومر ست موم 23- فالفرق اليوم بين الشاعر الكبير والشاعر الصغير ، هو ان الصغير ، حين يعبر عن نفسه ، لا يعبر الا عنها ؛ أما الشاعر الكبير، فحين يعبر عن نفسه ، فانما يعبر عن عصره كله - أي عن جوهره الحضاري 0 (23) أدونيس 24- في داخل الصمت ، يسمع اللامسموع ، وفي الفراغ يرى اللامرئي 0 ومن هنا جاءت رسوم الكهوف0(24) جبرا ابراهيم جبرا 25- ويحكى أن أحد الفلاسفة العظام ، سئل عند موته ، ماذا تعلمت ؟ فاجاب: إن خير ما تعلمته في حياتي هو اني لا اعلم شيئاً.(25) من كتاب : خوارق اللاشعور 26-إن الموقف الاسطوري في صميمه شعري ، لأنه موقف صراع دائم بين الانسان وبين الوجود0(26) أنس داود 27- أن يحلم الانسان ، حياته اعظم من أن يعيشها 0 إن الروائيين يخلقون احلاما كبيرة يعيشونها ، ولذا فإن حياتهم الحلمية هذه هي أعظم من أية حياة0(27) بروست 28- الرواية تاريخ كان يمكن أن يقع ، والتاريخ رواية وقعت فعلأ .(28) اندرية جيد 29- إن مادة الفن ستبقى مادام الانسان باقيا . (29) 30- ان النفس الانسانية في احساساتها المختلفه لم تكن لتدرك نفسها لولا الفن . (30) عبدالعزيز المقالح (( الهوامش والمراجع )) 1- الديوان - رحلة في الليل، صلاح عبدالصبور ،دارالعوده بيروت 1986 ص 11 . 2- الشعر بين الرؤيا والتشكيل ، د. عبدالعزيز المقالح ، دار طلاس دمشق، 1985، ص24 . 3- إنتحار الحضارة / فوضى القرن العشرين ،شوقي أبوشعيرة دمشق ، 1994 ،ص7. 4- الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ، مطابع الهيئة المصرية 1975،ص74 5- إنتحار الحضارة ،ص.14 6- أفاق الفن ، الكسندر اليوت ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،ط2 بيروت 1979 ص12 . 7- في نقد الشعر ، د.محمود الربيعي ، دار المعارف بمصر 1977 ص44 . 8- الاعمال السياسية الكاملة ، نزار قباني ،ط3 ،بيروت 1983 ، منشورات نزار ،ج3 ص641 . 9- المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، د.جواد علي .بغداد ج6 ص58 10- إنتحار الحضارة ،ص30 . 11- الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، دمشق 1977 ص31 . 12- مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ،دار كوفان ، لندن 1994،ص53 . 13- الدولة والاسطورة ،آرنست كاسيرر ، ص369 . 14- أوديب يسيوس ، أندرية جيد ، ترجمة طه حسين دار العلم للملايين 1985 ص43 . 15- أسطورة فينوس وادونيس ، د. بديع محمد جمعة ، دار النهضة،1981 ص78 . 16- الاشتراكيةوالفن ، ارنست فيشر ،ترجمة اسعد حليم ، دار القلم ، بيروت ص25 . 17- ديوان الاساطير ،نقله الى العربية قاسم الشواف ، اشرف عليه أدونيس ، دارالساقي 1996ص8 . 18- الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ، روجيه غارودي، ترجمة حافظ الجمالي ..ط2 بيروت 1996ص17 . 19- الاسطورة ،ك. ك راثقين ، ترجمة صادق الخليلي ، منشورات عويدات ، بيروت، 1981،ص117. 20- أدب الاطفال ، هادي نعمان الهيتي، الهيئة المصريه للكتاب القاهرة بالاشتراك مع الشؤون الثقافيه العامه ، بغداد1977 ، ص58 . 21- مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ،ص22. 22- أدب الاطفال ، الهيتي ص58. 23- زمن الشعر، أدونيس ، دار العوده، بيروت ط2 1978 ص173 . 24- أفاق الفن ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا ، ص119. 25- خوارق اللاشعور ، د. علي الوردي ، دار الوراق لندن ، ط2 ، 1996 ، ص28 . 26- الاسطوره في الشعر العربي الحديث،انس داود مكتبة عين شمس ،القاهره،1975،ص41. 27- اقنعة الحقيقه واقنعة الخيال ،جبرا ابراهيم جبرا ، المؤسسةالعربية للدراسات والنشر، بيروت،1992ص85. 28- نفس المصدر السابق ص157. 29- نفس المصدر السابق ص78. 30- الشعر بين الرؤيا والتشكيل،د.عبدالعزيز المقالح ص45.
مدخل حين تذكر الاسطورة ، تتبادر الى الاذهان ، مفاهيم الخرافة ، والاباطيل ، والسحر ، واللامعقول ، والاهم من كل ذلك ، الماضي ، أجل الماضي الذي وقع ، وتحول الى ذكرى ، حيث وضعت نصوصه في زوايا المكتبات ،وتحت عنوان : ( للمراجعة عند الحاجة أو للاسمار ). وصار الحديث عن الاسطورة- في نظر الكثير- في عصر التقدم العلمي والتكنولوجي ( من المفارقات المدهشة)-(1)أو أن المرضى العصابيين وحدهم ، يحتاجون اليها في القرن العشرين كما يرى فرويد-(2) فاليوم لا توجد اسطورة حقيقية فاعلة على نطاق واسع في الحياة الفكرية والروحية والادبية للثقافات الحديثة ،00000 ولم يبق من الاساطير الاتأثيرها المتجسد بالنزوع الاسطوري المتجذر في السيكلولوجية الفردية والجمعية (3) . إن هذه الاراء - كما أعتقد - متأثرة بعاملين ، أولهما: المفهوم التقليدي المحدود للاسطورة المتجسدة في النصوص الملحمية ، وثانيهما :الانبهار لحد الدهشة بالتقدم العلمي والتكنولوجي ، الذي يصفونه- في كثير من الاحيان- ب(اللامحدود أو اللامتناهي) ، وبذا يتقنع الاسطوري أثواب العلمانية عندما يعتبر العلم نموذجا أمثل قابلآللتطبيق على الواقع ، وكفيلأ بتحقيق التقدم اللامتناهي ، وإن أدى الى سحق الانسان ، وإخراجه من دائرة إتخاذ القرار،وجعله مفعولا ، لافاعلا في التاريخ (4). إننا في هذا العصر ، وليس في هذا القرن - ومن حيث ندري ولاندري - ترتدينا الاسطورة أونرتديها .فلقد كتب على عصرنا التقني - كما يقول آرنست كاسيرر - النهوض بفن أسطوري جديد ،بل أصبح من الميسور صنع الاساطير على نفس الوجه الذي يتبع صنع أي سلاح (5) . وإذا كان كاسيرر يقصد بالفن الاسطوري الجديد، الاسطورة السياسية ، أو استثمار السياسة للاساطير لتكوين الايديولوجيات التي تخدمها ، فانه بالامكان أن نتوسع في المفهوم . فالاسطورة مادة لاتفنى ولاتخلق من العدم،فقد يتغير شكلها ، أولونها، أو حتى مذاقها، ولكنها لا تفنى ،أجل لايمكن أن تموت الاساطير ، مادام هذا الانسان على وجه البسيطة ، ومادامت رغباته وتطلعاته أكبر من البحر . فأذا كان للبحر شاطئان، فان الرغبة الى المطلق عند الانسان لايحدها شاطئان . أذكر أني قرأت قصة كتبها الكاتب الانجليزي H H.G.Wells قبل هذا القرن ، وتحت عنوان (المستقبل) ، تخيل فيها أن رجلا من لندن نام زمنا قد يقدر بمائة أو مئات الاعوام ، ثم استيقظ فاذا بلندن غير تلك التي عرفها من قبل،لقد تغير كل شيء فيها ، ليست هناك سيارات وانما توجد طرق متحركة ، وليست هناك إشارات ضوئية أو علامات للمرور ، وإنما هناك أنفاق وجسور ، ولم يعد الانسان يحار بطبخه ، فهناك حبوب Pills تعوض عن وجبات الغذاء ، أو مطاعم كبيرة تلبي طلبات البيوت ، وليس هناك عمل يدوي ، وإنما تقوم الالة بكل ما يحتاجه الانسان ، وليس هناك حاجة الى المال ، فالواقع الجديد خلق إنسانا ياخذ ما يريد بقدر حاجته ، أو انه لا يحتاج الى المال إطلاقا . المهم هناك شيء جديد واحد ، هو وقت الفراغ الكبير جدا ، فماذا سيفعل الانسان لمعالجة ذلك؟ لقد تخيل الكاتب أن الانسان سيلجأ الى الاهتمام الشديد بالفنون الجميلة ، وسيظهر التنافس بين بني البشر لاظهار الفروق الفردية والتفوق في قدراته الابداعية . لم يكن الكاتب هشاً أو مثيراً للسخرية في استخلاص هذه النتيجة ، الدراسات الخاصة بالطبيعة البشرية تؤكد على أن (التنازع) [ بالمفهوم الفلسفي الواسع لهذه الكلمة ] صفة أساسية فيها ، وذلك لسببين ، هما : 1- إستحالة إشياع الحاجات البشرية كلها . 2- حب الانسان نفسه ، وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة أمرها .كما أوضح ذلك البروفسور كارفر (6) نعود الى موضوع الاسطورة وحياتنا المعاصرة أو حياة البشرية المقبلة ،أقول إن الاساطير المتنوعة لا تنتهي إلا بفناء العالم ، وعند ذلك يتحول الفناء الى اسطورة جديدة . اننا -في هذا العصر -نعيش أساطير كبيرة وخطيرة جداً ، ولكنها -ومع الاسف الشديد- سلبية في غالبيتها كما أنها لم تكتب شعراً ،وإنما تكتب بلغات متنوعة : نثرية مكتوبة ، أو مسموعة أو مرئية ، غير أنها تلتقي بالاسطورة القديمة في كونها ، كلية تمثل نوازع جماعية لا فردية ،وانها لا معقولة اذا عرضنا محتواها وغاياتها على معايير ما ينبغي أن يكون عليه الانسان بعد هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الرائع ، والذي حول العالم الى قرية صغيرة .ومن أهم هذه الاساطير المروعة ، سوء توزيع الثروة في العالم ، الذي صار يؤدي الى موت ثلاثة عشر مليوناًونصف المليون من الاطفال سنوياً نتيجة وحدانية السوق المفروضة على الناس بحكم الهيمنة الامريكية (7) أوالنظام الدولي الجديد لاحقاً . وإن التبرير اللاهوتي المزعوم للعدوانات المتكررة بالاعتماد على قراءة أصولية للنصوص الموحى بها ، يحول الاسطورة الى تأريخ ، فالرمز العظيم المتجلي في خضوع إبراهيم اللاشرطي لارادة الله ، ومباركة كل شعوب الارض . كل هذا يتحول الى نقيضه القبلي ، أي : أن الارض المغزوة تصبح ارضاً موعودة !(8) . وهناك عشرات الاساطير التي تعكس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، إنهيار الانسان بالرغم من الجلسات الصوفية للامم المتحدة ، وادعاء وسائل الاعلام أسطورة التقدم والعدالة والمساواة . ففي الوقت الذي يموت الملايين من جراء الجهل والمرض والفقر ، يقيم-الانسان المتحضر- سباقاًللضفادع،وينفق ملايين الدولارات عليه ، وتتناقله وسائل الاعلام المرئية والمسموعة . في نفس الوقت يتوافد المتخمون بالمال لحد القيء ، من مختلف بقاع العالم ، للمشاركة بجدية اسطورية في المزاد العلني المقام-عبر نفس الوسائل- لبيع فستان إمرأة - قيل فيها ما قيل - أو لشراء سيارة محطمة كانت الاميرة " ديانا " تركبها مع عشيقها . ناهيك عن التوجه الى تألية الاشخاص ، وفي مختلف المجالات والاصعدة ، لاسباب متنوعة ، وتحت ذرائع مختلفة . فالنجومية في الرقص أو الغناء ، أو الالعاب مثل الملاكمة ، أو المصارعة الحرة لحد الموت ، تحول البعض الى انصاف آلهة ، تتسابق الشركات في إستثمار نجوميتهم ، لتصريف بضائعها وباسعار عالية جداً . فهذا الحذاء تلبسه الراقصة الفلانية ، وهذا القميص يلبسه الملاكم الفلاني ، وهذه التقليعة في حلاقة الشعر خاصة بالنجم المشهور فلان . أما الاساطير التي لجأت التقنية العصريةالى إستغلالها لتكوين الايديولوجيات التي تخدمها ، فقد قادت البشريةالى محرقة حربين عالميتين في أقل من نصف قرن ، وهي معادلة قابلة للتكرار ، فهي ما زالت توقد الحروب الاقليمية،العرقية والطائفية في أماكن مختلفة من العالم . لقد حولت القوى الطامعة هذا العالم الى جحيم تحول فيه المال الىإله يرسم خرائط الدنيا ، ويسلب الانسان حقه حتى في الحلم الفاعل . ولابد من أن يأتي اليوم الذي تكتب هذه الاساطير ، وربما شعراً ، لتطابق من حيث الشكل الاسطورة القديمة،أجل ، لأن الاسطورة فن ، وما دام الانسان باقياً على وجه البسيطة ، فلابد له أن يبحث في الماضي ، وينشغل بوجوده وعلاقاته مع ما يحيط به ، ويستشرف المستقبل . فالزمن بعد رابع ، وهو خط مستقيم يمتد من الماضي مروراً بالحاضر الى المستقبل كما اكتشفه آينشتاين(9). ومعذرة إذا قلت : إنني أرى بنات الاساطير المراهقات يقفن على قارعة الطريق في القرون القادمة ، ينتظرن الحب الاتي حتماً ، لاقتيادهن عرائس الى مدن المستقبل .
ظاهر شوكت البياتي 24/12/1999
الهوامش و المراجع (1) موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، د. محمد عجينة - دار الفارابي بيروت 1994ص38 (2) الاسطورة ك.ك.راثفين- ترجمة صادق الخليلي ، بيروت 1981ص89 (3) الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، دمشق 1977ص29 (4) موسوعة أساطير العرب ، د. محمد عجينه ص38 (5) الدولة والاسطورة ، ارنست كاسيرر ، مطابع الهيئة المصرية 1975 ص372 (6) مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ، دار كوفان ، لندن ،ط2 ، 1994ص89 (7) الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ، روجيه غارودي ، ترجمة حافظ الجمالي ط2بيروت1996ص11 (8) نفس المصدر ص17 (9) خوارق اللاشعور ، د. علي الوردي ، دار الوراق ، لندن ، ط2 ، 1996 ص26
لمحات عن النفس البشرية الاساطير من ثمرات النضال الدؤوب للانسان في جدله مع نفسه ، ومع الوجود . ولم تنضج هذه الثمرات من فراغ ، ولا من وهم أو رغبة مجردة أو هوس ، وإنما كانت حصيلة تفاعل حقيقي بين مجموعتين من المؤثرات في سياق زمكاني معين ، وتلك المؤثرات هي : 1- مؤثرات الطبيعة بشتى صنوفها ، والتي أيقظت في الانسان القلق والخوف ، ثم البحث المستمر عن وسائل لاسترضائها أو السيطرة عليها ، أو الانسجام معها . 2-عوامل بايولوجية وسيكولوجية في النفس البشرية ذاتها ، فطرية أو مكتسبة . إن التعرف على جوانب من الطبيعة البشرية ، والتي لها صلة بموضوع الاسطورة ،أمر ضروري في مساعدتنا على التقرب من فهم الاسطورة التي قال عنها يونغ - وهو أحد تلامذة فرويد - إن كل المحاولات التي بذلت لتفسير الاسطورة لم تساهم في فهمها ، بل على العكس ، لقد زادت في الابتعاد عن جوهرها وزادت حيرتنا نحوها (1) . فالانسان لا يستطيع أن يرى نفسه خارج العالم ألذي يعمل على تفسيره (2) ، والايمان بالخلود ورفض الموت عاملان يراهما فريزر من خصائص الانسان .فالبدائي يرى الموت حادثاً طارئاً لا مفر منه ، وهو ناجم عن تدخل قوة شريرة ، وحول هذا الموضوع قامت طقوس ، اهدافها تنمية القوى الحيوية وكبح النفوس المنافسة(3) . والانسان وحده ،هو الكائن الذي لا يقنع بما هو موجود ، أو بما هو واقعي محض ، أو عقلاني محض ، فينشيء الرموز والانظمة الرمزية ، إعراباً عن توقه الابدي الى آفاق اخرى ، غير التي يقع عليها من الحس والادراك ، والى نزوعه الى أن يصنع عالماً معبراً عنه ، الا إنه لا يستوي وإياه ، فاذا هو يطمح الى تجاوزه باستمرار(4) وهذا ناشيء من إستحالة إشباع الحاجات البشرية كلها ومن حب الانسان نفسه وتقديره إياها أكثر مما تستحق في حقيقة أمرها كما عبر عن ذلك البروفسور كارفر ، وقبله إبن خلدون الذي قال في مقدمته : إن التنازع عنصر أساسي من عناصر الطبيعة البشرية (5). والانسان يطمح أن يكون أكثر من مجرد كيانه الفردي . يريد أن يكون أكثر إكتمالاً ، فهو لا يكتفي بأن يكون فرداً منعزلاً ، بل يسعى الى الخروج من جزئيته ، حياته الفردية ، الى كلية يرجوها ويتطلبها(6) وان للفرد رغبته العميقة في التحرر من ربقة فرديته والانغمار في تيار الحياة الكلية ، ورغبته في فقدان ذاته والفناء في الطبيعة في جملتها (7) . والانسان يمتلك عقلين : ظاهر وباطن أو ما يعبر عنه بالوعي واللاوعي ، هذه القنبلة التي القاها فرويد فكشف أمامنا آفاقاً جديدةً للبحث في النفس البشرية ، فصار العقل البشري يمكن تشبيهه بجبل الجليد الطافي في البحار القطبية ، لا يظهر منه الا جزء صغير فوق سطح الماء . أما الجزء الاكبر ، فقد انغمس في الماء ، ولا يرى منه شيء . إن أغلب حركات الانسان وسكناته يسيرها ذلك الجزء المنغمس من العقل ، وليس العقل الظاهر إذن إلا خدعة .(8) والخوف غريزة بايولوجية كلية لا يمكن قهرها أو قمعها كل القمع ، ولكن من المستطاع تغيير صورتها ، والاسطورة مشبعة باعنف الانفعالات والرؤى المزعجة ، ولكن الانسان يستطيع عن طريق الاسطورة تعلم فن جديد غريب : هو فن التعبير ، وهذا يعني اكتسابه القدرة على تنظيم غرائزه البعيدة الغور وآماله ومخاوفه ، وتظهر هذه القدرة التنظيمية في أقوى صورها عندما يواجه الانسان أعظم مشكلاته أي مشكلة الموت . والموت حقيقة ستحير فهم الانسان الى الابد وتقلق مضجعه ، - كما قال مالينوفسكي - هنا يتقدم الدين ويؤكد الحياة بعد الموت ، وخلود الروح ، وإمكان الاتصال بين الحي والميت . هذا الكشف يضفي معنى للحياة ، ويحل النقائض والصراعات المتصلة ببقاء الانسان عابراً على الارض .(9) والانسان يستجيب في خوفه لفكرة مسبقة كونها خلال تأمله لوسطه الطبيعي ، وتصنيفه لما هو خطر ، وما هو آمن بالنسبة اليه ، بخلاف الخرفان الصغيرة التي تميز رائحة الذئب ، وتفزع لظهوره المفاجيء ، قبل أن تتكون لديها أية خبرة بهذا الخصوص .(10) إن الانسان الحديث بقلقه - وربما بسبب هذا القلق - لم يستطع التغلب بالفعل على احوال الحياة الهمجية ، إنه يرتد في سهولة ، إذا تعرض لنفس المؤثرات ، الى حالة الاستسلام الكاملة ،أي يتوقف عن البحث عن أسرار بيئته ، ويقبلها كأمر مسلم به .إن هذه الحالة تذكر بتكرار أسطورة قديمة . إن الالهة سيرسيه في جزيرتها ، قد حولت أصدقاء أوديسوس ورفاقه الى أشكال حيوانية مختلفة أما ما حدث هنا ، هو تنازل فجائي لاناس يتصفون بالعلم والذكاء والمعرفة والاخلاص والاستقامة عن أعظم مميزاتهم الادمية . فلم تعد لهم شخصية أو صفات حرة فعالة(11). ويرىالدكتور قيس النوري أن الاساس في الفكر الميثولوجي الانساني الدائر حول الاصل البايولوجي ، يرجع الى وحدة النفسية البشرية التي دفعت الى هذا التماثل في التفسير (12). ويرى المؤرخ الفيلسوف توينبي : أن رجل الشارع في أوربا مثلاً لا يختلف في طبيعة تفكيره عن رجل الشارع في أفريقيا أو آسيا . كلاهما بليد ، يميل الى الخرافة ، وسرعة التصديق . ويتفق توينبي مع برجسون موافقة تامة في أن الفرد العادي محافظ جامد يميل الى التمسك بالعادات الموروثة . أما العبقري فهو على النقيض من ذلك يحب الابتداع والثورة على التقاليد . ويشترك شوبنهور الالماني ، وبرجسون الفرنسي ، وتوينبي الانجليزي في أن العبقرية خروج من الذات والانغمار في عالم أسمى وأوسع .(13) لقد مليء العالم بالمعجزات ، ولكن لا أشد اعجازاً من الانسان ، كما قال سوفوكل (14) فلذا يسمع المرء الصمت ، ويرى الفراغ ، وهذان ينسابان الى دخيلة الانسان ، والانسان ينساب اليهما . في داخل الصمت يسمع اللامسموع . وفي الفراغ يرى اللامرئي . من هنا جاءت رسوم الكهوف .(15) ففي المنحدرات الثلجية العليا ، لن تتثائب ثانية قطة كهفية ، بعينيها الصفراوين في وجه القمر ، كلا لم تصنع الصور لكي تتكاثر في الطبيعة ، بل في النفس البشرية ، وهي ما زالت تتكاثر . وعندما ينام الزائر ، تستفيق القطة الكهفية ، وتأتي لتشم ظلمة احلامه .(16) في المغامرة وحدها حيوية الفكر . في المغامرة وحدها حيوية الذهن . كما قال الفرد نورث وايتهد .(17) ومما تقدم نستطيع أن نقترب من فهم إمتياز الاساطير بالكلية والشمولية في مدلولاتها النفسية وتحليل الحوافز الداخلية العميقة للانسان الذي ابتدعها ، وجديتها في تناول القضايا المصيرية للانسان ، عبر الخيال الجمعي الذي يبتدع حوادث ، تبدو غير منطقية أو غير معقولة لاشتمالها على عناصر خرافية بالنسبة الينا في هذا العصر ، بينما كانت معتقدات تقترن بطقوس متنوعة أو تقترن الطقوس بها .
الهوامش و المراجع (1) مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ط11 دمشق ص17 (2) ديوان الاساطير ص21 (3) الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ترجمة هنري زغيب - منشورات عويدات 1982 ص110 (4) موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، د. محمد عجينه-دار الفارابي ، بيروت 1994ص6 (5) مهزلة العقل البشري ، د. علي الوردي ص89 (6) ضرورة الفن ، أرنست فيشر ، ص8 (7) الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ، ص64 (8) خوارق اللاشعور ، د. علي الوردي ص33 (9) الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ، ص74 (10)الاسطورة والمعنى ، فراس السواح دمشق 1977 ص19 (11)الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ، ص377 (12)الاساطير وعلم الاجناس ، د. قيس النوري ، عرض الكتاب قاسم خضير عباس في مجلة التراث الشعبي ، العدد الفصلي الثاني 1989، بغداد ص176 (13) خوارق اللاشعور ، د. علي الوردي ص69-70 (14)أوديب يسيوس ، أندريه جيد ، ترجمة طه حسين ص43 (15)آفاق الفن . الكسندر اليوت ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا ص119 (16)نفس المصدر ص116 (17)أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،بيروت ،1992ص7
الاسطورة لغةً إقترنت الاسطورة في لغة العرب بمفهوم الاحاديث المنمقة ، أو المزخرفة التي لا نظام لها . فهي مشتقة من السطر من الشيء : بمعنى الصف من الكتاب والشجر والنخل ونحوها . وسطر : إذا كتب كما ورد في قوله تعالى ( ن والقلم وما يسطرون ) وسطرها بمعنى ألفها ، وسطر علينا : أتانا بالاساطير ، وسطر فلان على فلان ، إذا زخرف له الاقاويل ، ونمقها ، وتلك الاقاويل : الاساطير(1) وكلمة ( أساطير ) وردت في القرآن الكريم جمعاً ، ولم ترد مفردةً (أسطورة ) ، كما إنها جاءت دائماً مضافة الى (الاولين) في تسع آيات هي : 1- يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين الانعام / 25 2- قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا الا أساطير الاولين الانفال / 31 3- واذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالو أساطير الاولين النحل / 24 4- إن هذا إلا أساطير الاولين المؤمنون /83 5- قد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا الا أساطير الاولين النمل / 68 6- فيقول ما هذا الا أساطير الاولين الاحقاف / 17 7- وقالوا أساطير الاولين إكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً الفرقان / 5 8- إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين القلم / 15 9- إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين المطففين / 13 وهي بمعنى الاباطيل مقابل مصطلح الحق الذي جاء به القرآن الكريم ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) الاسراء / 81 وقال الزجاج في قوله تعالى : ( وقالوا أساطير الاولين ) خبر لابتداء محذوف ، والمعنى : وقالوا الذي جاء به أساطير الاولين ، معناه سطره الاولون . (2) وعند الاوربيين ، انضمت الاساطير تحت فرع جديد من فروع المعرفة يعنى بدراستها وتفسيرها ، دعى بM ythology . والشق الاول من الكلمة Mytho مأخوذة من اليونانية M utho ألتي تعني حكاية تقليدية عن الآلهة وألابطال ، أما الشق الثاني L ogy فيعني العلم . (3) وإن كلمة اسطورة تعارض العقل ( لوغوس) في اليونانية(4). وقد ذهب أحد المستشرقين الى أن ( أسطورة ) قريبة الصلة بقرينتها اليونانية اللاتينية ( ايسطوريا H istoria ) بمعنى إنها أخبار تؤثر عن الماضين ، لا سيما أن ( أساطير الاولين ) إنما وردت في القرآن الكريم بهذا المعنى في سور مكية ، وفي سياق جدل واحتجاج بين النبي (ص) وكفار قريش ،لانهم إعتبروا تلك الاخبار من الاوهام والاباطيل .(5) وقد وردت في اللغة الفرنسية بمعنى حادث Histoireوفي اللغة الانجليزية بمعنى التاريخ Historia(6).
الهوامش و المراجع (1)و(2) لسان العرب لابن منظور ، المجلد الرابع ، دار الفكر ، سطر ص363-364 (3) مغامرة العقل الاولى / فراس السواح ، ص12 (4) الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ترجمة هنري زغيب ، منشورات عويدات 1982 بيروت 5 (5) موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها . د. محمد عجينة ص16-17 (6) الاسطورة عند العرب في الجاهلية ، د. حسين الحاج حسن ، بيروت 1998 ص19
الاسطورة إصطلاحا أو محاولة لتعريف الاسطورة ما هي الاسطورة ؟ إنني أعرف جيداً ما هي ، بشرط ألا يسألني أحد عنها ، ولكن إذا ما سئلت ، وأردت الجواب ، فسوف يعتريني التلكؤ . هذا ما كتبه سنت أوغسطين في ( اعترافات ) (1). هناك من الاشياء ما لا تؤديه الصفة المباشرة ، فحين سئل إسحق الموصلي عن النغم قال : ( إن من الاشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا يدركها الوصف ) (2) فنحن نعرف جميعا ما الضوء ولكن ليس من السهل أن نقول ما هو.(3) فلذا قال يونغ - وهو أحد تلامذة فرويد - إن كل المحاولات ألتي بذلت لتفسير الاسطورة ، لم تساهم في فهمها ، بل على العكس زادت في الابتعاد عن جوهرها ، وزادت حيرتنا نحوها . (4) فالاسطورة ممتنعة عن الادراك بوصفها متاهة عظمى .(5) إننا يجب أن ننتبه الى الفروق الدقيقة بين محاولة تعريف وتحديد الاسطورة وبين تفسيرها . فالمتاهة حاصلة في الخلط بين التعريف والتفسير في كثير من الابحاث . إن زئبقية تعريف الاسطورة ناشئة من عدة أسباب ، هي : 1- الاساطير متنوعة في مواضيعها ، فهناك من يرى أنواعها خمسة هي : أ- الاسطورة الطقوسية : وهي تمثل الجانب الكلامي لطقوس الافعال ألتي من شأنها أن تحفظ للمجتمع رخاءه . ب-اسطورة التكوين : وهي التـي تصور لنا عملية خلق الكون . ج- الاسطورة التعليلية : وهي ألتي يحاول الانسان البدائي عن طريقها ، أن يعلل ظاهرة تستدعي نظره ، ولكنه لا يجد لها تفسيراً ، ومن ثم فهو يخلق حكاية أسطورية ، تشرح سر وجود هذه الظاهرة . د- الاسطورة الرمزية : وهي ألتي تتضمن رموزاً تتطلب التفسير ، ومن المؤكد أن هذه الاساطير قد ألفت في مرحلة فكرية أكثر نضجاً ورقياً . هـ- أسطورة البطل الاله : وهي التي يتميز فيها البطل بانه مزيج من الانسان والاله ، (ألبطل المؤله ) ألذي يحاول بما لديه من صفات إلهية أن يصل الى مصاف الالهة ، ولكن صفاته الانسانية دائماً تشده الى العالم الارضي .(6) بينما نجد الدكتور : أحمد كمال زكي يقسمها الى أربعة أنواع هي : أ- الاسطورة الطقوسية ب- الاسطورة التعليلية ج- الاسطورة الرمزية د- التاريخسطورة ، وهي تاريخ وخرافة معاً (7) هذه التقسيمات تتناول الاسطورة قديما ، فنحن الآن في هذا العصر نمتلك نوعاً جديداً من الاساطير ، ذلك هو الاسطورة السياسية ، التي لعبت وتلعب دوراً في صناعة الايديولوجيات ألتي تخدم أغراضها ، بخلقها الوعي الزائف ، باعتمادها على الظلال السحرية للكلمة ، وهذا ما سنفصل ألقول فيه لاحقاً . إن تنوع الاساطير ، يؤدي حتماً الى تنوع تعاريفها ، لان كل تعريف يتأثر بنوع الاسطورة ، أو بنوعين أو ثلاثة أنواع ، ولذا يبقى التعريف قاصراً عن أن يكون جامعاً مانعاً . 2- إن تنوع الاساطير أدى الى تنوع المناهج التي تتناول الاساطير بالدراسة ، فلذا ظهرت المناهج التالية : أ- المنهج اليوهيمري الذي يعد من أقدم تلك المناهج ، ويرى الاسطورة قصة لامجاد أبطال وفضلاء غابرين . ب-المنهج الطبيعي ألذي يعتبر أبطال الاساطير ظواهر طبيعية ، ثم تشخيصها في أسطورة ، أعتبرت بعد ذلك قصة لشخصيات مقدسة . ج-المنهج المجازي بمعنى أن الاسطورة قصة مجازية ، تخفي أعمق معاني الثقافة . د-المنهج الرمزي بمعنى أن الاسطورة قصة رمزية ، تعبر عن فلسفة كاملة لعصرها ، لذلك يجب دراسة العصور نفسها لفك رموز الاسطورة . هـ-المنهج العقلي ألذي يذهب الى نشوء الاسطورة نتيجة سوء فهم إرتكبه أفراد في تفسيرهم ، أو قراءتهم أو سردهم لرواية أو حادث . و-منهج التحليل النفسي الذي يحتسب الاسطورة رموزاً لرغبات غريزية وإنفعالات نفسية . وإن علم الميثولوجيا ، حتى الآن ، لم يصل الى مرحلة النضج التي تؤهل مدارسه المتنافرة ، المتعارضة للاندماج.(8) 3- إن للاسطورة جوانب متعددة ومتنوعة ، فهي إن صح التعبير - كما وصفها البعض أنها متاهة عظمى ، فلذا نجد الكثير ينطلق في تعريفه متأثراً بجانب أو عدة جوانب منها فتبدو التعريفات قاصرة ، وقد نجد العكس حيث يلجأ البعض الى تعابير فضفاضة تمتاز بالتعمية والمطاطية الى حد يفقدها الدقة والتشخيص والتمييز . 4- إن للاسطورة خاصية الشعر الذي يكاد يظل عصيا على أي وصف محدد ، (ولعل صعوبة الحد والتعريف كامنةفي المطلق الذي تنزع اليه الاسطورة أو الذي ينزع اليه الانسان من خلال الاسطورة ، كما قد يكمن في كونها على حد تعبير بعضهم نظاما رمزياً ، وفي أن المنهج أو المنظور الذي يتعين النظر اليه منها لا ينبغي أن يكون جزئياً انتقائياً حيال هذه الحقيقة الثقافية المعقدة ) .(9) ناهيك عن اننا لم نمر بتجربة الاسطورة مروراً مباشراً ، عدا بعض منها ، وهو بعض مشوش الاصل ، متلون الشكل ، غامض المعنى ، والظاهر أنها على الرغم من امتناعها على التفسير العقلاني ، تستدعي البحث العقلاني الذي تعزى اليه شتى التفسيرات المتضاربة ، والتي ليس فيها ، على كل حال ، ما يستطيع تفسير الاسطورة تفسيراً شافياً .(10) 5- إن القدماء انفسهم لم يعملوا على تمييز النص الاسطوري عن غيره، ولاهم دعوه باسم خاص يساعدنا على تمييزه بوضوح بين ركام ما تركوه لنا من حكايا وأناشيد وصلوات وما اليها . ففي بيوت الالواح السومرية والبابلية ، نجد أن النصوص الاسطورية مبعثرة بين البقية . ثم أن عنوان الاسطورة غالباً ما كان يتخذ من سطره الافتتاحي الاول ، شأنه في ذلك شأن بقية النصوص الطقسية أو الملحمية أوالادبية البحتة .وهذا ما حدث في التراث الاغريقي كذلك .(11) 6- إشتراك أجناس أدبية أخرى مع الاسطورة في بعض عناصرها ، مثل الخرافة ، اللامنطق ، اللامعقول ، اللازمكان في بعض الاحيان ، فلذا أرى من الضرورة بمكان ، أن نحاول التوصل الى ايجاد معايير ، يمكن أن نفرق بها بين الاسطورة و تلك الاجناس ، قبل الشروع في محاولة لصياغة تعريفات تختص بالاسطورة دون غيرها . فالخرافة هي الحديث المستملح المكذوب ، وقالوا حديث خرافة ، ذكر إبن الكلبي قولهم حديث خرافة ، أن خرافة رجل من بني عذرة ، أو من جهينة ، إختطفته الجن ، ثم رجع الى قومه ، فكان يحدث باحاديث مما رأى يعجب منها الناس فكذبوه ، فجرى على السن الناس ، وروى عن النبي (ص) أنه قال (وخرافة حق ) وفي حديث عائشة قال لها حدثيني ، قالت ما أحدثك حديث خرافة والراء فيه مخففة ولا تدخله الالف واللام لانه [ أسم خرافة ] معرفة ، وتوضع أل [ الخرافة أو الخرافات ] إذا أرادوا الخرافات الموضوعة من حديث الليل ، أجروه على كل ما يكذبونه من الاحاديث وعلى كل ما يستملح ويتعجب منه (12) وراوي الخرافة والمستمع اليها على حد سواء يعرفان منذ البداية ، أنها تقص أحداثاً ، لا تلزم أحداً بتصديقها ، أو الايمان برسالتها(13).وهي تختلف عن الاساطير في أن الخرافة تناقلها الناس بلغتهم الدارجة ، في الوقت الذي إحتفظت فيها الاساطير بلغة فصيحة . كما أن الاسطورة ترجع الى ما قبل الاديان ، أما الخرافة فقد ظهرت بعد الوثنية ، ولذا يغلب عليها الطابع التعليمي والتهذيبي (14)والبطل في الحكاية الخرافية يكون نموذجاً متخيلاً بعيداً عن الواقع الى درجة لا يصلح لأن يكون مثالاً يحتذى به على أي صعيد . (15) فالمزج الصبياني بين اللامعقول و الواقع، يتميز في الجني الذي لا يعرف من أي مكان يأتي عندما يفرك علاء الدين المصباح ، وبعد أن ينهي مهمته ، يرجع ولكن لا يعرف الى أين (16) ويقصد بها الامتاع والمؤانسة .(17) ولكنها ذات بنية معقدة ، فهي تسير في إتجاهات متداخلة ، ولا تتقيد بزمان حقيقي أو مكان حقيقي. (18) أما الحكاية البطولية ، فهي تتسم ببعض ما تتسم به الخرافة من إغراق في الخيال ، وبعدها عن الواقع ، الا أن لها أصلاً في الحقيقة الموضوعية ، ضخّم وبولغ فيه ، وعمل الخيال البشري الخلاق عمله ، غير انه خال من طابع الجد والقداسة ، فهي قصص دنيوية وغير مقدسة ، ومحددة تحديداً زمانياً ومكانياً ، وهو ما يبرر قيام الباحث ، بالعملية العكسية ، أي الصعود من الادب الى الاسطورة(19) . وان البطل فيها ، ولما يملك من القوة الخارقة ولما يقوم به من تصرفات فروسية ، يشكل صورة مثالية عن الانسان ، وعن ما هو إنساني ، يستثير الرغبة في السامع الى تحقيق هذه الصورة المثالية(20). وهناك الحكاية الشعبية التي يميزها هاجسها الاجتماعي بشكل رئيسي عن الحكاية الخرافية والحكاية البطولية ، فموضوعاتها تكاد تقتصر على مسائل العلاقات الاجتماعية والاسرية منها خاصة ، مثل زوجة الاب وحقدها ، وغيرة الاخوات في الاسرة من البنت الصغرى التي تكاد تكون في العادة الاجمل والاحب…الخ. والحكاية الشعبية واقعية الى أبعد حد وتخلو من التأملات الفلسفية والميتافيزيقية ، مركزة على أدق التفاصيل وهموم الحياة اليومية ، وهي رغم استخدامها لعناصر التشويق ، الا أنها لا تقصد الى إبهار السامع بالاجواء الغريبة ، أو الاعمال المستحيلة ، ويبقى أبطالها أقرب الى الناس العاديين الذين نصادفهم في سعينا اليومي ، وأن البطل فيها يلجأ الى الحيلة والفطنة والشطارة للخروج من المأزق. إن استخدام العناصر الخيالية - في بعض الاحيان - يهدف الى التشويق والاثارة . أما بنيتها فتمتاز بالبساطة ، فهي تسير في إتجاه خطي واحد وتحافظ على تسلسل منطقي ، ينساب في زمان ومكان حقيقي ، ولها رسالة تعليمية ، تهذيبية ، وذلك مثل جزاء الخيانة ، فضل الاحسان ، مضار الحسد000الخ . (21) ومن خلال ما تقدم ذكره ، نستطيع أن نضع أيدينا على بعض خصائص الاسطورة ، على نحو يميزها عن غيرها من الاجناس القريبة منها ، تمهيداً للأقتراب من تعريفها على نحو يساعدنا على إدراكها . فالاسطورة - لحد هذه اللحظة من البحث - يمكن أن نقول إنها : 1- تكتب أو تنقل مشافهة باللغة الفصحى . 2-خطاب الجد والحقيقة ، وليست أحاديث للامتاع والمؤانسة . 3- مقدسة ، تمتلك قوة الاعتقاد الملزم للمجتمع قبل ظهور الاديان . 4- تصدر عن تأملات وإنفعالات وخيالات جمعية ، لا فردية . 5- تتناول موضوعات إنسانية كبرىوشاملة، تخص جدل الانسان مع نفسه ، ومع ما يحيط به . وحين نزعم تعريف الاسطورة - هذه المتاهة العظمى - ينبغي أن ندرك إستحالة حصولنا على تعريف كامل وشامل ، وإنما تكمن محاولتنا في الوصول الى أقرب نقطة منها ، فلذا نحرص على أن ندرك الاسطورة قبل تعريفها ، ولذا نتدرج من الشكل الى المضمون مع التأكيد على أن إتحاد هذين الجانبين ، وتفاعلهما تفاعلاً جدياً ، ينتج عنهما نمط من أنماط التعبير يطلق عليه اسم الاسطورة . فمن حيث الشكل وردت المصطلحات التالية : أ-الاسطورة : حكاية ، قصة ، رواية. وقد إتفقت غالبية المصادرعلى هذه التسميات . ب-الاسطورة : حادث ، حادثة ، أحداث ، خبر ، أخبار ، وعاء ، وقد وردت هذه التسميات في بعض المصادر. ج-الاسطورة : شكل من أشكال التعبير ( نسيج وحده ) رحمه المولد له الفكر والخيال والوجدان ، وأداته الرمز ، وان الشكل السردي أحد أشكال الاسطورة لا غير .وأن لغتها ( نسيج وحدها ) ولا سبيل الى التعبير عما تعبر عنه بسواه ، تماماً كالشعر ، لا يمكن نقله من صورته التي هو عليها وترجمته ، والاَ حصل ما حصل للشعر المترجم من تفكك نظمه ، وبطل وزنه ، وسقط موضع التعجب منه على حد تعبير الجاحظ . وهذا رأي إنفرد به الدكتور محمد عجينه (22) مخالفاً رأي كلود ليفي ستروس الذي يجد قيمة الاسطورة تظل قائمة رغم أسوأ أنواع الترجمة في كل أنحاء العالم ، لان كنه الاسطورة لا يكمن في أسلوب صياغتها ، ولا نمط سردها ، ولا في تركيبها النحوي ، بل في التاريخ الذي ترويه . (23) وإختلف الباحثون في الصفات التي تطلق على ما ورد في الفقرة أ والفقرة ب. فقد وردت الصفات المتنوعة التالية : (( مقدسة ، تقليدية ، خرافية ، ملفقة ، حقيقية ، تاريخية ، تعليلية ، تكفيلية ، متداولة ، بدائية ، صبيانية ، رمزية ، مجازية ، لعب مجانية ، مبالغ فيها ، إنفعالية ، غير عقلانية ، جمعية ، مدهشة ، مجهولة المؤلف غير منطقية ، لا زمكانية ، لا شعورية ، واعية ، لا واعية .)) وعلى سبيل المثال لا الحصر ، نذكر بعض التعاريف التي تحتوي مثل هذه الصفات ، لغرض المراجعة لمن شاء ، ولمساعدة أنفسنا في الاقتراب من الاسطورة ، فمثلاً : يقول الباحث الفرنسي كلود ليفي ستراوس : (( الاسطورة : حكاية تقليدية ، تلعب الكائنات الماورائية أدوارها الرئيسية )).(24) وفي الموسوعة العربية العالمية ، نجد أن الاسطورة : حكاية تقليدية تروي أحداثاً خارقة للعادة (25). يقول بول ريكو : الاسطورة : حكاية تقليدية ، تروي وقائع حدثت في بداية الزمان ، متفقاً مع الفيلسوف الفرنسي جيلبار دوران الذي يعرفها بأنها (( نظم لوقائع رمزية في مجرى الزمان )) .(26) يعرف مرسيا إلياد الاسطورة بأنها (( قصة مقدسة تروي حدثاً وقع في بداية الزمان )) .(27) والاسطورة حكاية مقدسة ، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الانسان. (28) كما يرى السواح .وانها سجل أفعال الالهة ، تلك الافعال التي أخرجت الكون من لجة العماء ، ووطدت نظام كل شيء قائم ، ووضعت صيغة أولى لكل الامور الجارية في عالم البشر . (29) ويرى شلهود أنها قصة تعليلية ، ويرى آخرون أنها قصة حقيقية ، جرت في بداية الزمان ، وتصلح إنموذجاً يمكن أن يحتذى به من قبل البشر في سلوكهم . (30 ) ويرى الناقد السوري ، خلدون شمعة أن الاسطورة : قصة متداولة أو خرافية ، تتعلق بكائن خارق أو حادثة غير عادية . فهي قصة مخترعة أو ملفقة . (31) ومنهم من يرى الاسطورة : قصة مجازية تخفي أعمق المعاني أو أنها قصة رمزية تعبر عن فلسفة كاملة لعصرها.(32) ويرى الدكتور محمد فتوح أحمد نفسه متفقاً مع مؤلفي كتاب (( نظرية الادب )) ( رينيه ويليك و أوستن وارين ) في أن الاسطورة : حكاية مجهولة المؤلف تتحدث عن الاصل والعلة والقدر ، ويفسر بها المجتمع ظواهر الكون والانسان تفسيراً ، لا يخلو من نزعة تربوية تعليمية . (33) ويرى الدكتور قيس مؤلف كتاب ( الاساطير وعلم الاجناس ) أن الاسطورة : ليست سجلاً تاريخياً مظبوطاً للاحداث الجارية عبر ماضي الجماعات ، بل هي تمثل تاريخاً قبلياً ، تتوارثه الاجيال المتعاقبة عن طريق التلقين .(34) ويصف الدكتور عبد الرضا علي الاسطورة بأنها : الوعاء الاشمل الذي فسر فيه البدائي وجوده ، وعلل فيه نظرته الى الكون ، محدداً علاقته بالطبيعة ، من خلال علاقته بالآلهة التي اعتبرها القوة المسيرة والمنظمة والمسيطرة على جميع الظواهر الطبيعية ، وتعاقب الفصول ، والليل والنهار ، والخصب والجفاف ، مازجاً فيها السحري بالديني ، وصولاً الى تطمين نفسه ووضع حد لقلقه و أسئلته الكثيرة .إنها أسلوب لشرح معنى الحياة والوجود صيغ بمنطق عاطفي كاد يخلو من المسببات ، إمتزج فيها الدين بالتاريخ ، والعلم بالخيال ، والحلم بالواقع . (35) ويرى K.O.MULLER أن الاسطورة : أحاديث مصورة لأحداث تاريخية حقيقية واقعية .(36) ويرى ب كوملان أن الاساطير هي في الحقيقة مجموعة من الاكاذيب ولكنها اكاذيب كانت لقرون طويلة حقائق يؤمن بها الناس .(37) وفي قاموس اللاروس ، وردت الاسطورة أنها خبر تاريخي أو حكاية تاريخية بالغت فيها المخيلة الشعبية أو الابتكار الشعري .(38) ومن وراء هذا الاستعراض ، نكتشف إتجاهين ، لكل إتجاه خصائصه ، فاذا أخذنا بالمنهج العقلي الذي يرى أن الآلهة كانت في أصلها ، طائفة من الملوك ، بلغوا من القوة والتأثير شأواً عظيماً ، جعل الناس يتجاوزون بهم عالم الواقع الى عالم الخوارق ، ويؤلهونهم ، فان هذا الاتجاه يجعل من الاساطير واقعاً تاريخياً ، أو لعل الاصح أن يقال : إن الاساطير قد أصبح لها بفضل هذا الاتجاه واقع فيما قبل التاريخ ، وأخذت الاساطير منذ ذلك ، تمثل ذاكرة الانسانية عندما تستدعي مرحلة بلغ من بعدها في الزمان ؛ أن إكتنفها الغموض من كل جانب . وأعان ذلك الخيال على تصوير الملوك تصويراً خارقاً في عصور سحيقة ، غلبت عليه البداوة . وهذا هو رأي يوهوميروس الذي مات في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد .(39) وهناك رأي مناقض لهذا ، ولكنه في نفس الاتجاه التاريخي ، ومضمونه : أن البشر الاولين إذ صعقتهم ظواهر الطبيعة ، بدأوا يعطونها أسماء انتقلت تدريجياً الى أشخاص ، على إعتبار الفكر البدائي ، عاجز عن تشخيص المجردات وهكذا صارت الحياة الكونية تكتسب حياة . (40) وكان البطل الاسطوري إلها أو إبن إله أو شبه إله ، وهذا يدل على أن أدوات الانسان التقنية كانت قاصرة ، وغير مؤدية للغرض ، مما أضطر الانسان الى أن يصوغ نموذجه البطولي على غرار الآلهة المقتدرين ، الذين يمكنهم التحكم في هذا العالم 00فقد صورت الآلهة من خلال سمات انسانية بحتة .(41) فالاغريق لم يؤمنوا بأن الآلهة خلقت الكون ، بل على الضد ، فالكون هو الذي خلق الآلهة .(42) إن هذا الاتجاه بشقيه المتضادين ، يحصر الاسطورة في اهتمامها بظواهر الطبيعة ، التي حاول الانسان أن يفهمها ويسيطر عليها عن طريق الاسترضاء أو التحدي ، وعند عجزه ، حاول أن ينسجم معها قدر الامكان أما الصفات الاخرى ، فقد حولت الاسطورة الى نظرة الانسان الفلسفية والجمالية لحياته الاجتماعية التي يعيش واقعها ، بعد فتور إهتمامه بتعليل الظواهر الطبيعية ، بمعنى آخر ، أصبحت الاسطورة حاجة روحية لا غناء للانسان عنها ، ففيها تظهر إنفعالاته الشعورية واللاشعورية ، تأملاته في المستقبل أو ما ينبغي أن تكون عليه الحياة الافضل ،خيالاته التي تحقق ما يعجز عن تحقيقه في الواقع ، آماله ، توقه الابدي الى الجديد ، محاولته الجدية للتخلص من فرديته ، أي أنها أصبحت فناً وضرورة له ، ليفهم الحياة ، بل ليجعلها أكثر إنسانية ، وقد ظهر هذا في أواخر القرن الرابع ق.م ، حين دخلت البشرية في أخطر تجربة وإمتحان ، ولا تزال تعانيهما ، بانتقالها الى طور الحضارة الناضجة ، وقد تحقق ذلك لاول مرة في تاريخ الانسان بانتقال وادي الرافدين ووادي النيل ، الى حياة التحضر والمدنية ، كظهور المدن وأنظمة الحكم والكتابة والتدوين والقوانين المنظمة للحياة .(43) والاهم من ذلك ، أن هذا التحول في الاسطورة ، لم يكن مرحلياً وإنما اكتسب صفة الديمومة حتى يومنا هذا ، وستبقى الاسطورة حاجة روحية ، وضرورة موضوعية للانسان كالشعر في القرون القادمة . فما دام هذا الانسان على وجه البسيطة ، فانه يحتاج الى هذا الفن ، لاسباب مختلفة . والاسطورة والشعر توأم ، وعودة الشعر اليها ، إنما هو حنين الشعر الى ترب طفولته .(44) وسنفصل القول في ضرورة الاسطورة وتأثيرها السحري لاحقاً . ويرى ستراوس أنه إذا شئنا أن نعرب عن المواصفات المخصوصة والتي يختص بها الفكر الاسطوري ، علينا أن نعتبر الاسطورة تقع في داخل الكلام وخارجه في آن معاً .(45)وربما احتاج هذا التعبير الى ايضاح على النحو التالي: أللغة تنتمي الى مجال الزمن القابل للاسترجاع Retrospectif لانها نظام ، ويمكن النظر في أي نظام ، يصرف النظر عن الزمن ، بينما ينتمي الكلام الملفوظ الى زمن غير قابل للاسترجاع .أما الاسطورة فتجمع بينهما ، وتتميز علاوة على ذلك ، بأنها قد تتعلق إيضأ بالمستقبل، لانها تقص دوما قصة ، وقعت احداثها في الماضي ، ولها في آن واحد امتداد الى الحاضر ، وارتباط بالمستقبل ، فحقيقتها إذن آنية وزمانية ولاتاريخية او سرمدية . (46) يقول ميشلية ، وهومفكر سياسي ومؤرخ في الوقت نفسه.عن يوم الثورة الفرنسيه :في ذلك اليوم بات كل شيء ممكنا ، صار المستقبل حاضرا، أي أنه يعد ثمة زمان ، ومضة من ومضات الخلود . إن هذه البنية المزدوجة التي هي تاريخية وخارج التاريخ في آن معا ، تفسر كيف أن الاسطورة باستطاعتها أن تنتمي في الوقت نفسه الى حقل الحكي والى حقل اللغة، وفضلا عن إتصافها على صعيد ثالث بصفة الشيء المطلق. (47) وتعتمد الاسطورة في تقنياتها على إستخدام الظلال السحرية للكلمة فالكلمات في أية لغة ذات وجهين ، وجه دلالي يرتبط بالمعاني المباشرة للمسميات ، ووجه آخر سحري ، متلون بظلال متدرجة بين الخفاء والوضوح ، قادرة علي الايحاء بمعان مباشرة ، واستثارة مشاعر وأهواء كثيرة . فكلمة شمس على سبيل المثال ، تدل على الجرم السماوي المضيء ، ولكنها في الوقت نفسه ، تعكس في النفس معاني اخرى . فهي الوضوح ، وهي الانتظام ، وهي الصحو والعقل ، وهي الحقيقة .(48) وعن طريق الاسطورة ، اكتشف الانسان نوعاً جديداً من التعبير ، هو التعبير الرمزي ، ويعد هذا التعبير الرمزي عاملاً مشتركاً في كل الافعال الحضارية ، أي في الاسطورة ، والشعر ، واللغة والفن والدين والعلم . وتتميز هذه الافعال باختلافاتها الكثيرة وإن كانت تحقق مهمة واحدة ، وهذه هي الموضعة Objectification . فنحن نموضع مدركاتنا الحسية في كلمات اللغة ، وتتخذ مدركاتنا الحسية ، بتأثير التعبير اللغوي ذاته ، صورة جديدة ، تختفي فيها صور المعطيات المنعزلة ، وتتنازل عن طابعها الفردي . فنحن لا نصادف في الفكر الاسطوري والخيال الاسطوري إعترافات شخصية ، إذ تعني الاسطورة بموضعة تجربة الانسان الاجتماعية ، وليس تجربته الشخصية .(49) والاسطورة - كما مر بنا - عرض جماعي ، وقد ذهب دوركهايم الى القول باستحالة قيام أي فرد بوضع أسطورة ، وأن ما يبتدعه أدباء مثل ملفيل وكفكا ليس أسطورة في رأي هايمان ، وإنما تخيل فردي يمثل عملاً رمزياً يوازي الاسطورة ، لانها تعبر عن طقس عام ، فالاسطورة نتاج الشعب كله بدلاً من شاعر واحد .(50) فلذلك كانت الاساطير التي إخترعها إفلاطون قبل هؤلاء ، خارج كتاب ( الجمهورية ) مثل أسطورة أسرى الكهف ، واسطورة إختيار النفس لمصيرها ، واسطورة الحساب بعد الموت ، لشرح وتوصيل أفكاره المجردة ، ولعلمه بما للاسطورة من سيطرة على النفوس ، ومن مقدرة على تثبيت الافكار والمعتقدات ، كما أنه وافق على صناعة اساطير يجري تلقينها للصغار ، وفق خطة مدروسة ، من شأنها تدريب هؤلاء على تلمس فكرة الخير الكامنة وراء العالم 000هذه الاساطير كانت تفتقد الى خصيصة النمو التلقائي التي تميز الاسطورة ، وتعبيرها عن تجربة جمعية مشتركة . ومثل هذه المحاولات ، تقدم لنا مثالاً شديد الوضوح على صلة المعتقدات بالاساطير ، وضرورة الثانية للاولى بسبب النزوع الطبيعي عند الانسان نحو البيان ، والايمان ، وعزوفهم عن البرهان .(51) والاساطير الشفهية ، بشكل عام ، تلجأ كل اللجوء الى تكرار المقطع الواحد ، مثنى وثلاث ورباع ، ليجعل بنية الاسطورة بادية للعيان .(52) إن الجمعية في الاساطير ، مصدر من مصادر قيمتها المعرفية ، وهي سبب مهم في أن يكون التوصل الى رؤية شاملة أو متكاملة أكثر من سواها من أنواع الخطاب ، فضلاً عن أنها أقل عرضة للتزييف .(53) الاسطورة إجمالاً ، إذ هي من مخبأ الفكر آلت الى حياة لها خاصة في وسط المسافة بين العقل والايمان . ومنها تنبع جميع تأملات اليونان [ الناس ] ومن بعدهم ، تأملات أحفادهم .(54) لقد استخدم صاحب الفكرة كلمة اليونان لان كتابه قد إختص بالميثولوجيا اليونانية ، ولكن هذا لا يمنع أن تنطبق الفكرة على غير اليونان ، فلذا وضعت كلمة [ الناس ] بين قوسين معقوفين ، ليعرف القائل أنها من عندي . إن الاسطورة ليست واقعا مستقلا ، لكنها تتطور مع الظروف التاريخيه ، واحياناً تحافظ علىشهادات غير متوقعه حول حالات منسية ، ودول زائله 0هنا تبدوالاسطوره وسيلة تقص ثمينة .( 55) وللاسطورة مقدرة فائقة على الافصاح عن مكنونات النفس البشرية ، وعن عالم الافكار المجردة ، تعجزعنها اللغة المحكية ، وذلك لأنها تمتلك لغة خاصة ، بها قادرة على ترجمة اللامعقول ، واللامفهوم ، الى صورة ناطقة مفعمةبالحياة ، صارخة بالاحداث .(56) والاساطير دائمة الهجرة والترحال ، وانها تتلون دوماً بلون الحضارة التي تحل بها واليها تفد ، حتى ليغدو من الصعب ، بل ولربما من المتعذر ، القطع بصحة نسبتها الى بلاد بعينها ، وأبرز مثال على ذلك الاساطير اليونانية التي يستشهد بها دائماً على أنها أساطير ، وكيف أن كثيراً منها مستمد من تراث الشعوب المجاورة .(57) فأوربا أخذت الافكار الاساسية من أساطير الشرق القديم ، ومزجتها مع ما كانت تحمله في مواطنها من بذور أسطورية خاصة بتاريخها القديم .(58) ويرى ستروس أن في الاسطورة متسعاً لحصول أي شي ، وتتابع الاحداث لا يخضع لأية قاعدة من قواعد المنطق أو من العلاقات ، ممكنة الحصول . غير أن هذه الاساطير التي تبدو إعتباطية في ظاهرها ، تخضع لنفس المواصفات ، بل كثيراً ما نجد فيها نفس التفاصيل ، وذلك في أنحاء مختلفة من العالم . يتساءل ستروس : فكيف نفهم تشابه الاساطير الى هذا الحد من أقصى الارض الى أقصاها ؟ يجيب قائلاً : إن حل هذه المفارقة الاساسية التي هي من صلب طبيعة الاسطورة ، يتوقف بالدرجة الاولى على وعيها .(59) وفي الاسطورة ، يمتزج البشري والفوق البشري ، وهذا هو السبب الذي جعل الملحمتين : الالياذة والاوديسة أساطير في المعنى الواسع للكلمة .(60) ويرى صلاح عبد الصبور أن الاسطورة نزوع الى تجاوز العلاقات ، وردود الافعال العادية للحياة ، أي أن لها منطقاً يختلف عن المنطق العادي، يعتمد على استمداد الخيال الطليق ، ولا يخضع للعقل وإن كان لا يجافيه في احتوائه عادة على منطق العلة والمعلول . فالاسطورة إذن لا معقولة ولكنها ليست منافية للعقل .(61) والاسطورة تسجيل للوعي الانساني واللاوعي معاً .(62) والاسطورة نظام فكري متكامل ، إستوعب قلق الانسان الوجودي .(63) ويرى سمث أن الاسطورة تستنبط من العادات والشعائر لا بالعكس ، وأن العادات والتقاليد مستقرة ثابتة ، والاسطورة متحولة ومتغيرة.وفي موقف آخر يقول سميث نفسه : إن الاسطورة تفسير وتأويل لشعائر دينية ، وهي على العموم لا تؤلف إلا بعدما تزول أو تضيع الفكرة البدائية التي دعت الى إتخاذ تلك الشعائر أو التقاليد.(64) ومن العناصر المهمة في الاسطورة ، أنها تمثل السعي نحو السعادة الذي يجده الانسان فيها ، وانها بأختصار تعبر عن الاحساس بان في الطبيعة ازدواجية وأن في الانسان إزدواجية وضديداً لم يجد له حلاً في حياته كما يقول بيريه .(65) وإذا كان هذا الفصل يهدف الى محاولة الوصول الى أقرب نقطة في الاسطورة ، ويهتم بادراك عناصرها وأشكالها أكثر من تعريفها ، فاني أرى نفسي أقرب الى رأي الدكتور محمد عجينه من حيث الجوهر ، وإن أضفت هوامش قد تكون بسيطة فاقول : الاسطورة : نمط من أنماط التعبير ، أو شكل من أشكال التعبير نسيج وحده ، يمتاز بروح قصصية ، بدأ استجابة لضرورة موضوعية وسيلةً معرفية ، تعليلية لظواهر الطبيعة لغرض فهمها من قبل الانسان - الذي يرمز الى المجتمع الانساني - والسيطرة عليها ، وعندما عجز عن ذلك - في قديم الزمان - سعى الى التآلف معها . وبعد دخول الانسان مرحلة المدنية ، تحولت الاسطورة الى حاجة روحية له ، والى نظرة فلسفية الى نفسه والى وجوده الاجتماعي ، معبراً عن إنفعالاته الشعورية واللاشعورية ، مفجراً الطاقة التخيلية المكتنزة في وعي الجماعة ولاوعيها ، فامتزج المعقول باللامعقول ، والمنطق باللامنطق ، والزمكان باللازمكان وذلك محاولةً لفهم الحياة أو لجعلها أكثر إنسانية في حاضره ، مستعيناً بها ليستشرف المستقبل بالصورة المثلى التي ينبغي أن تكون حياته عليها، وبذا صارت الاسطورة تمتاز بالاستمرارية الحيوية من الماضي ، وعبر الحاضر الى المستقبل ، إنه الخط المستقيم للزمن ( البعد الرابع ) كما وصفه آينشتاين ، وبعبارة أوضح ، تحولت الاسطورة الى فن والى ضرورة ، لا يمكن للانسان الاستغناء عنها أبداً ، لاسباب متنوعة سوف نطلع عليها في الفصول القادمة وبخاصة وهي تتناول بجدية موضوعات مصيرية للانسانية . إن هذه المحاولة المتعبة للاقتراب من تعريف الاسطورة ، لا تعفي القاريء من متابعة الفصول اللاحقة ، ليدرك مميزات الاسطورة ، وإن عجز عن تعريفها . ومن المحتمل أن يكتشف مميزات أخرى حين يطلع على أسباب الاسطورة أو وظيفتها أو سبل استخدامها في الادب والحياة …الخ ، وحينئذٍ ينفعنا باضافاته وايضاحاته لهذه المتاهة العظمى التي سميت بالاسطورة . ألهوامش و المراجع 1- الاسطورة ، راثفين ، ص 9. 2- ما لا تؤديه الصفة ، حاتم الصكر ، دار كتابات ، بيروت 1993 ص5. 3- في نقد الشعر ، محمود الربيعي ، ص9. 4- مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص 17. 5- مجلة التراث الشعبي ، العدد الاول ، 1993 ص 179 ، بغداد ، عرض لرسالة جامعية للدكتور أحمد اسماعيل النعيمي . 6-أشكال التعبير في الادب الشعبي- د. نبيلة ابراهيم - دار نهضة مصر ، القاهرة ص 15-22 . 7-الاسطورة في شعر السياب ، عبد الرضا علي ، بغداد ، 1978 ص 17. 8-الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ، سينا للنشر ،1991 ص 26-27. 9-موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، د.محمد عجينه ص 71. 10-الاسطورة ، راثفين ، ص 9. 11-الاسطورة و المعنى ، فراس السواح ،ص 8-9. 12-لسان العرب لابن منظور ، المجلد التاسع ، دار الفكر ، باب الخاء فصل الراء ص 65. 13-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص 16. 14-أدب الاطفال ، هادي نعمان الهيتي ، ص 203. 15-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ص 16. 16-الميثولوجيا ، اديث هاملتون ، ترجمة حنا عبود، 1990، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، ص16. 17-موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، د. محمد عجينة ص65. 18-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص18. 19-موسوعة اساطير العرب 000، د.محمد عجينه ، ص65. 20-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ص16. 21-نفس المصدر ص 17-18. 22-موسوعة اساطير العرب 000، د. محمد عجينه ص 5 وص111. 23-الاناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس ، ترجمة حسن قبيسي المركز الثقافي العربي 1995، بيروت ص229 24-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص8. 25-الموسوعة العربية العالمية ، السعودية ،ج1 ، مادة اسطورة ، ص734. 26-موسوعة اساطير العرب 000د.محمد عجينه ص72. 27-نفس المصدر ص63. 28-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح، ص14. 29-مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ص19. 30-موسوعة اساطير العرب 000، د.محمد عجينه ص63. 31- الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر ، د. عبد الحميد حيدة ، مؤسسة نوفل بيروت1980ص105. 32-الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ،سينا للنشر 1991 ص27. 33-الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، د. محمد فتوح أحمد ، دار المعارف ، ط3، 1984،ص289. 34-مجلة التراث الشعبي ، العدد الفصلي الثاني 1989، بغداد ،ص176عرض الكتاب قاسم خضير عباس. 35-الاسطورة في شعر السياب ،عبد الرضا علي ، بغداد1978،وزارة الثقافة والفنون ، ص19. 36-الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ،ص26. 37-الاساطير الاغريقية والرومانية ، ب. كوملان، ترجمة أحمد رضا ،الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992ص5. 38-الاسطورة عند العرب ، د. حسين الحاج حسن ، بيروت 1998 ص19. 39-موسوعة الآداب والفنون الشعبية ، مجلة الهلال المصرية ، يوليو 1968 ص16. 40-الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ص109. 41-مجلة التراث الشعبي / عدد ممتاز / العدد السابع والثامن / بغداد 1984 ص73. 42-الميثولوجيا ، أديث هاملتون ، ترجمة حنا عبود 1990 ص31. 43-ملحمة جلجامش ، طه باقر ، منشورات وزارة الثقافة والاعلام ، بغداد 1980 ص9. 44-لغة الشعر ، رجاء عبد ، منشأة المعارف بالاسكندرية ، 1985 ص295. 45-الاناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس ، ص227. 46-موسوعة اساطير العرب00000د. محمد عجينه ، ص47. 47-الاناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس ، ص228-229. 48-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص22. 49-الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ، ص69 ، ص72. 50-الاسطورة ، ك.ك.راثفين ، ص117. 51-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص23. 52-الاناسة البنيانية ، ستروس ، ص251 53-موسوعة اساطير العرب 000د. محمد عجينه، ص10. 54-الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ترجمة هنري زغيب ، منشورات عويدات ، 1982 ص9. 55-نفس المصدر ، ص13. 56-قاموس الآلهه والاساطير في بلاد الرافدين ( السومرية والبابلية ) في الحضارة السورية . تأليف د. ادزارد و م.ه.بوب و ف.رولينغ . عربه عن الالمانية محمد وحيد خياطة ، حلب 1987 ص6. 57-موسوعة اساطير العرب 000د.محمد عجينه ،ص22. 58-قاموس الآلهه والاساطير ،ص8. 59-الاناسة البنيانية ،ستروس ص227. 60-الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ص7 61-لغة الشعر ، رجاء عبد ، ص296. 62-الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ، ص21. 63-مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص19. 64-الاساطير والخرافات عند العرب ، د. محمد عبد المعيدخان ، دار الحداثة ، ط3 ، بيروت 1981ص17. 65-الاسطورة والرمز ، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا ، بغداد ، 1973ص73. نشأة الاسطورة تكاد المصادر كلها تتفق على أن الاسطورة ، قد نشأت في مرحلة طفولة الشعوب ، حين كان العالم فتياً ، وكان الناس مرتبطين بالارض وبالاشجار والبحار والازهار والتلال ، مما لا نشعربه نحن ، وحينذاك لم يكن ثمة فرق كبير بين الواقعي وغير الواقعي ، كان الخيال منتعشاً حياً، لم يكن العقل قد أخضعه للاختبار ، فيمكن لاي كائن في الغابات أن يبصر بين الاشجار حورية تهيم ، أو ينحني فوق غدير صاف ليشرب فيرى وجه حورية الينابيع من الاعماق . الرعب هو الذي يملأ الغابات الوحشية وليس الحوريات 00لقد ترعرع الرعب هناك مع تابعه الحميم (1)، السحر الذي كان من أهم الوسائل التي لجأ اليها البشر واقدمها في التأثير على الارواح ، وكان آنذاك جزءً من الدين ، بخلاف من يفرق اليوم بينه وبين الدين 0(2) إنها باختصار كانت تعبر عن عجز الانسان عن ايجاد الاسباب الحقيقية في جدله مع نفسه ، ومع ما يحيط به ، فاستعان بالخرافة ، واللامعقول ، واللامنطق وربما اللازمكان 0 هذا ملخص لافكار كثيرة ، تشكل الصياغة المتقدمة ، القاسم المشترك بينها0 ولحاجتنا الى مزيد من الايضاح ، لادراك ما نحن بصدده على وجه الدقة ، أرى ضرورة التمهيد ببعض الافكار التي ستعيننا على تفهم الاراء الواردة في نشأة الاسطورة ، وعلى أيجاد مواقف منها 0 1- الاساطير متنوعة ، ولم تظهر مرة واحدة ، وإنما تأثر كل نوع بالسياق التاريخي لها وباسبابها ووظائفها 0 من هنا نقسم نشأة الاسطورة الى فترتين هما: أ-فترة إهتمام الانسان بالظواهر الكونية ، بعيدة عن حياته نفسه ،(3) حيث تطلع الى النجوم والكواكب ، وتأمل الظواهر الطبيعية ، بغية التعرف اليها ، ومحاولة ترويضها 0 في هذه الفترة ظهرت اساطير التكوين ، والاساطير الطقوسية0 ب- فترة إهتمام الانسان بوجوده الاجتماعي ، وتكوين النظرة الفلسفية والجمالية ، لما يحيط به ، وبخاصة بعد دخوله مرحلة التمدن 0 في هذه الفترة ظهرت الاساطير التعليلية ، والرمزية ، والمجازية ، وأسطورة البطل الإله ، ثم الاسطورة السياسية في القرن العشرين 0 2- مرور الانسان بمراحل التطور اللغوي ، حين تحولت انفعالات الانسان الى أفكار وتسمية ذلك التحول بالترميز الذاتي ، ثم جاءت الخطوة الحاسمة الثانية ، عندما انتقل الانسان الى ابتكار معادل موضوعي لأفكاره من خلال الكلمات ، مع تطويره للغة البدائية الاولى 0 فبعد تكوين " فكرة " أو " مفهوم " عن الشجرة مثلاً ، نختزل عدداً لا يحصى من المعطيات الحسية المنعزلة ، لتقوم مقام كل الصور التي كوناها لانفسنا عن الاشجار التي واجهت مدركاتنا الحسية 0 وبذلك يتم الانتقال من الترميز الذاتي ، وهو صياغة الافكار ، الى الترميز الموضوعي ، وهو تثبيت هذه الافكار من خلال الكلمات وموضعتها هناك (4) والموضعة المقصودة هي O bjectification0 3- يرى تايلور Tylor وهو الاب للنظرية الاحيائية الذي طبق مباديء دارون على عالم الحضارة ، بعدم وجود اختلاف اساسي بين عقلية البدائي والمتحضر ، وبأن العقل الانساني يتصف بالسلامة ، حتى لدى الانسان البدائي ، رغم افتقاره الى الخبرة والتجربة 0 وقد تأثر بأقوال ماكس مولر فلذا قال : إن الاسطورة ظاهرة مرضية ، ناشئة عن زيف الكلمات وبطلانها0 بينما يقول ليفي برول Levy Bruhl المؤمن من موقع المستعمربتفوق أوربا ، وريثة العقل اليوناني ، والمهيمنة على العالم آنذاك ، والمعتدة بقوتها ، بوجود قطيعة فكرية وذهنية بين الاوربيين والهمج ، وأن من العبث البحث عن مقياس مشترك بين العقلية البدائية وعقلية الاوربي ، لان المجتمعات البدائية عنده تتميز ب (نظام ذهني ) ذي طبيعة اسطورية ، وبفكر غبي أو سابق للمنطق 0كل هذا طبعاً انطلاقاً من القول بمعقولية واحدة ، هي المعقولية الاوربية 0(5) بينما صار واضحاً أن علم الآثار الذي نتحدث عنه في النقطة التالية يدحض مثل هذا الزعم0 4- أن علم الاركيولوجيا A rchaeology ( علم الآثار ) ، هذا العلم الفتي ، الذي نشأ في منتصف القرن الماضي ، أحدث إنقلاباً خطيراً في معرفة الانسان بتاريخه وتطوره في اكتشاف حضارات ومدنيات قديمة ، سبقت حضارتي اليونان والرومان بعشرات القرون ، وغيرت آراء مؤرخي الحضارات عن أصول التمدن البشري وجذوره ، فقد كان الباحثون الغربيون يحصرونها تقريباً في تراث الحضارة اليونانية . ويجمع الباحثون من مؤرخي الحضارة ، على أن أقدم الحضارات التي كشف عنها ذلك العلم الحديث ، أي علم الآثار ، هي حضارتا وادي الرافدين، ووادي النيل ، اللتان نشأتا وتطورتا ، من الادوات البدائية في عصور ما قبل التاريخ ، وبلغتا طور النضج منذ أواخر الالف الرابع ق . م ولذلك أطلق عليها بعض الباحثين ، مصطلح الحضارة الاصلية أو الاصيلة ri Original.(6) 5-قال أحد المفكرين : إن الاسطورة تخضع قوى الطبيعة بالتصور الوهمي وتهيمن عليها ، وتكيفها تكييفاً إعتباطياً ، فلا يصح أن تظل قائمة حين يسيطر الانسان بالفعل على قوى الطبيعة .(7) لم تتحقق هذه النبوءة ، لان شيئاً جديداً قد ظهر ، ذلك هو سبب ديمومة الاسطورة لانها تحولت الى فن ، وضرورة للانسان المعاصر ولان الاسطورة ليست ظاهرة منعزلة وانما تمتاز ب( النمو التلقائي )(8) فقد استطاعت الرومانسية أن تعيد للاسطورة مكانتها المهمة في عالم الادب ، حتى صار شليكل يقول : (( الاسطورة والشعر شيء واحد لا انفصال بينهما . وان ما نجده عند ( يوريبيدز ) أو ( أوفيد ) ليس في الحقيقة اسطورة ، وانما أدب صنع من الاسطورة .)) (9) ويرى ( مارك شور ) أن الاسطورة أساس لا غنى للشعر عنه ويرى ( ريتشاردنشيز ) أن الشعر أساس لا غنى للاسطورة عنه .(10) ففي فترة اهتمام الانسان بالظواهر الكونية ، بعيدة عن حياته نفسه ، هالته ضخامة الجبال الرواسي ، وانبساط الارض الواسعة ، وسعة البحر وعمقه ، والسماء المرفوعة بغير عمد ، والكواكب المضيئة ومما زاد في الامر عجبا ،صغر حجمه مقارنة بها ، فلذا دعاه تأمله فيها الى مسألتين متناقضتين : الخوف منها والاعجاب بها . حاول في بداية الامر التعرف عليها ، عن طريق التأمل والملاحظة واكتشاف العلاقة بين العلة والمعلول ، وظن أن اكتشافه لترابطات بينها سيعينه على ترويضها ، وحين خانته الوسائل الوهمية ، استنتج أن هناك قوى خارقة تكمن وراء تلك الظواهر وتتحكم بها ، وليس أمامه إلا طريقان : إما أن يتجاوزها ، وهذا أمر مستحيل ، وإما أن يسترضيها عن طريق المحاكاة والتقاليد ، والحركات الايقاعية والاناشيد الجماعية وتقديم النذور ، ليحثها على استجلاب الخير له أو لدرء الشر عنه ، فظهرت الطقوس والعبادات لتلك الظواهر . لذلك أراد سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو أبو الانبياء عليهم السلام أن يثبت فساد هذا الرأي ، بطريقة تعليمية ، مجسدة . إنه نبي يعرف ربه بالتأكيد ، ولكنه أراد أن يوضح لبني البشر بطريقة حسية ، مادية أن لهذا الكون خالقاً عظيماً يتحكم في أمره ، وأمر هذه الكواكب التي بهرت الانسان وأعتقدها أرباباً . فالغرض من تنقل إبراهيم عليه السلام في عبادته هو التعليم وليس التجريب، فلذا ورد في القرآن الكريم : 1- ( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لاأحب الآفلين ) 76 الانعام . 2- ( فلمارأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين ) 77 الانعام إن قوله : ((لم يهدني ربي )) ، يؤكد ماذهبت اليه ، في أن ابراهيم عليه السلام كان يعرف الله ولكنه أراد أن يعلم البشر بأن هذه الكواكب لاتكون أربابأ لانها تملك من الصفات التي تجعلها خاضعة لقوة اخرى ، والافلماذا تأفل ؟ 3- (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما أفلت قال ياقوم إني يرىء مما تشركون ) . 78 الانعام . بينما وقع البشر في الخطأ الذي اراد سيدنا إبراهيم ( ع ) إبعادنا عنه ، حين اكتشف الهدهد قوماً يعبدون الشمس من دون الله . ((إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن سبيل فهم لايهتدون ))23، 24 ( النمل ) . واقترنت الطقوس بالاساطير أو إقترنت الاساطير بالطقوس وظهرت الاراء المتنوعه في نشأة الاسطورة أو في أسباب نشأتها ، كما ظهرت الآراء المتنوعة في وظيفتها للترابط الموجود بين النشأة والسبب والغاية . ويمكن تلخيص الآراء ومناقشة بعضها على النحو التالي : فالسير جيمس فريزر ، صاحب كتاب الغصن الذهبي ، يرى أن الاسطورة قد أستمدت من الطقوس ، وحجته في ذلك أنه بعد مرور زمن طويل على ممارسة طقس معين ، وفقدان الاتصال مع الاجيال التي أسسته ، يبدو الطقس خالياً من المعنى ، ومن السبب والغاية ، وتخلق الحاجة لاعطاء تفسير له وتبرير .هنا تأتي الاسطورة لاعطاء تبرير لطقس مبجل قديم ، لا يريد أصحابه نبذه أو التخلي عنه.( 11 ) ويرى تايلر في كتابه (( الحضارة البدائية )) ، لندن 1871 : أن الاسطورة نشأت أصلاً من نظرة الانسان البدائي اللامنطقية الى العالم من حوله . ثم يقول : أنا اعتبر الاسطورة المادية هي الاساس والاسطورة اللفظية ثانوية .(12) ويعتقد روبرت سمث في كتابه ( دين الساميين ) ، أدنبرة 1889 ، أن الاسطورة في جميع الاديان القديمة ، تقوم مقام العقيدة ولكن هذه الاسطورة لم تكن جزءاً جوهرياً من الدين القديم ، إذ لم يكن لها قانون مقدس ولا قوة ملزمة للعباد . (13) ويعترض راثفين على هذا الرأي قائلاً : فاذا كان الامر كذلك ، فلا لفظية الاسطورة ، ولا محتواها الفكري بذات أهمية خاصة ، إذ كل ما تفعله هو تسجيل اجراء شعيرة من شعائر وجود سابق . وما دامت الاساطير تفسيرات للشعائر ، فقيمتها ثانوية عموماً. ثم يعلن عن رأيه قائلاً : ولنا أن نؤكد واثقين ، بانه في كل حالة تقريباً تكون الاساطير مشتقة من الطقوس ،لا الطقوس من الاساطير .(14) ولكن راثفين يعود في صفحة 65 قائلاً : فالموقف المعتدل إذن ، هو القول بان الاساطير والطقوس تتبادل المواقع ، حيث تقف الاسطورة على المستوى الفكري ، وتقف الطقوس على المستوى العملي . ويرى ويليك في نظرية الادب : أن الاسطورة هي القسم المنطوق من الشعائر، القصة التي تمثلها الشعائر التي تقدم الى المجتمع على أيدى ممثليه الكهنوتين ، رغبة أورهبة ، فهيىجدول أعمال متكرر وضروري على الــدوام كا لمحاصيل والخصب البشري . (15) ورأى بعض الاجتماعيين والنياسين الذين إهتموا بالصلات القائمة بيـن الاسطورة والشعائر منذ لانغ حتى مالينوفسكي ، مرورأ بدوركها يم وليفــي برويل ، قد تصور تلك الصلات بمثابة الحشو . كان بعضهم يرى في كـل أسطورة من الاساطير إنعكاسا أيديولوجيا لطقس من الطقوس ، من شأنـــه أن يوفر أساسا ومستندا لهذا الطقس . بينما كان بعضهم يعكس الايــه ، فيعالج الطقس الواحد يوصفه ضربا من ضروب تجسيد الاسطورة وعلــــى شاكلة لوحات معينة من الأفعال . وهكذا يصار الافتراض في كلا الحالتين أن هناك تجاوبا مرتبا بين الاسطورة والطقس أو أن هناك _ بتعبير آخر _ تماثـلا بينهما . فكائنا ماكان الطرف الذي يعزي اليه دور الاصيل أو دور الدخيــل، فان الاسطورة ينتج أحدهما عن الاخر ، الواحد على صعيد العمل والاخــرى على صعيد المقولات . (16) ويرى فراس السواح أن الاسطورة تنشأ عن المعتقد الديني ، وتكون إمتدادأ طبيعيأ له . فهي تعمل على توضيحه وإغنائه وتثبته في صيغ تساعد على حفظه ، وعلى تداوله بين الاجيال . كما أنها تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه الي العواطف والانفعالات الانسانية _ ومن ناحية آخرى فان الاسطورة تعمل على تزويد فكرة الالوهيه بألوان وظلال حية ، لانها ترسم للالهة صورها التي يتخيلها الناس ، وتعطيها أسماءها وصفاتها وألقابها ، وتكتب لها سيرتها الذاتية ، وتاريخ حياتها ، وتحدد صلاحياتها ، وعلاقاتها بعضها ببعض . وبما إن الخبرة الدينية ليست في اساسها خبرة عقلية ، بل إنفعالية ، فانها لا تتطلب بطبيعتها البرهان ، ولا تتطلع اليه ، وانما تتطلب معادلاً موضوعياً ، يموضعها في الخارج ، ويسبغ عليها مشروعية ومعقولية .(17) ومن الجدير بالذكر أن أوضح ، أنه من خلال ما تقدم فان السواح يقصد بكلمة (الدين) تلك المعتقدات التي سادت قبل الرسالات والنبوات ، بمعنى الاديان ما قبل السماوية وهي معتقدات وضعية إحتاجت الى الوسائل التي ذكرها . ويبدو لي أن راي راثفين أقرب الى الموضوعية ، فالطقس لا يمكن أن يتكون من تلاوة أسطورة التكوين وحدها . وكما كان يجري في إحتفالات رأس السنة في بابل ، فقد كان يجري تمثيلها دراميا بواسطة مجموعة من الممثلين ، يتخذون أدوار الالهة المتصارعة . أما بقية العباد فكانت تمارس الصلوات ، والابتهالات فتعطي من إيمانها دفعاً للآلهة وسنداً . وبذا يكون دور الانسان إيجابياً لانتاج زمن جديد ، وعالم جديد .(18) ويذهب عالم الانتروبولوجياالشهير ، مالينوفسكي 1942 - 1884 الي أن الاسطورة لم تظهر إستجابة لواقع المعرفة والبحث ولاعلاقه لها بالطقس او البواعث النفسية الكامنة ، بل هي تنتمي للعالم الواقعي وتهدف الي تحقيق نهاية . فهي تروى لترسيخ عادات قبلية معينة أو لتدعيم سيطرة عثيرة ما ، أو أسرة أونظام اجتماعي وماالى ذلك . فهي والحالة هذه عملية في منشئها وغايتها.(19) فهي بمثابة الدستور الاعتقادي الذي يفسر الحاضر ، ويؤمن المستقبل . (20) بينما اعتمد ماكس مولر في كتابه الاساطير المقارنة على المبدأ القائل باستحاله فهم الاسطورة فهماً صحيحاً ، ما دمنا ننظر اليها على أنها ظاهرة منعزلة . ولن نستطيع الاسترشاد في بحثنا باية ظاهرة طبيعية ، أو أي مبدأ بايولوجي ، فليس هناك أي تماثل حقيقي بين الظاهرة الطبيعة والظاهرة الحضارية. لذا يتحتم علينا دراسة الحضارة الانسانية باتباع مباديء ومناهج خاصة . وهل يمكننا مصادفة ما هو أفضل من الكلام الانساني مرشداً ؟! أي الناحية التي يحيا فيها الانسان ويتحرك ، والتي يتمثل فيها كيانه . وكان مولر مقتنعاً بفضل إشتغاله بعلوم اللغة والفيلولوجيا بان اللغة هي الوسيلة العلمية الوحيدة لدراسة الاساطير . واللغة ليست مدرسة للحكمة فحسب ، ولكنها مدرسة للحماقة أيضاً . وهكذا تبدو الاسطورة ظاهرة مرضية من حيث اصلها وماهيتها على السواء . إنها مرض يبدأ في ميدان اللغة وينتشر بتأثير عدوى خطيرة في جسم الحضارة الانسانية كلها . ولمزيد من الايضاح لفكرة مولر القائلة بأن الاسطورة ظاهرة مرضية ناشئة عن قصور اللغة أو بتعبير آخر أنها خطأ لغوي ، ننقل ما شرحه في هذا المجال . فاللغة تتألف من كلمات عامة ، ولكن التعميمات تدل على الغموض والايهام على الدوام000 فلو أسمينا الشمس خمسين أسماً مختلفاً ، نعبر عن خصائصها المختلفة ، فان بعض هذه الاسماء ، سيستعمل للدلالة على أشياء أخرى ، يتصادف دلالتها على نفس الصفات . وفي هذه الحالة ستشترك أشياء مختلفة في نفس الاسم ، وهذا يؤدي الى ظهور الجناس . هذه هي نقطة ضعف اللغة ، وتمثل - في الوقت نفسه - الاصل التاريخي الذي انبعثت منه الاسطورة .(21) أما هربرت سبنسر ، فانه حسب الاولين قاصرين عن فهم معنى الموجودات ، وانهم مخطئون في ادراكها 000 وان اول مصدر اساس لكل الاديان ، هو عبادة الاسلاف ، وان اول صور العبادة لم تتجه الى قوى الطبيعة ، ولكنها اتجهت الى عبادة الاموات . ويخالفهما ارنست كاسيرر قائلاً : لو صحت نظريتا ماكس مولر وهربرت سبنسر ، لوجب علينا أن نستخلص من ذلك اعتماد تاريخ الحضارة الانسانية على مجرد سوء فهم ، واساءة تفسير الكلمات والمصطلحات .وإن الاعتقاد بأن الحضارة الانسانية من نتاج وهم فحسب ، أو أنها نتيجة الشعوذة في استعمال الكلمات ، أو مجرد عبث صبياني ليس فرضاً مقبولاً ولا مستصوباً .(22) ويرى الدكتور : محمد عبد المعيد خان أن الاساطير في سباق تطوري مزعوم وقد مرت باربعة أطوار منها : أنها كانت جزءاً من العبادة يتم إداؤه داخل المعبد. وهو يرى أن الاسطورة العربية مبنية على تصور لا على خيال . وأن الاسطورة هي التاريخ في صورة متنكرة (23) ويرى الدكتور محمد عجينة أن كتاب الدكتور محمد عبد المعيد خان هو بحث في الوثنية أكثر من دراسة الاساطير .(24) وذهب الدكتور حسين الحاج حسن الى القول : وإني أرى عرب الجاهلية كانوا عاجزين عن الاعراب عن ضمائرهم بلسان مبين ، كما أنهم كانوا قاصرين عن فهم معنى الموجودات ، فأخطأوا في ادراكها ادراكاً علمياً ، سواء أكان من الناحية الدينية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الحربية . وكل عنصر من هذه العناصر يدخل في حياكة (السدى) في الاسطورة .(25) انه يتفق مع مولر وسبنسر في بعض الجوانب وليس له الا جهد الايضاح باسلوب مبسط . دعا فريدريك شليكل 1800 الى خلق أسطورة جديدة توحد الادب الحديث بمثل ما كانت الاسطورة الكلاسيكية توحد أدب القدامى . ومن جملة ما توقعه أنها تظهر من اعمق اعماق الروح أو من الاساطير غير المعروفة : الهندية والاجنبية . لقد صدقت نبوءة شليكل بصرف النظر عما حدث ، لقد ظهر فرويد وسبر اعمق أغوار الروح وقال : ( إن نظرية الغرائز هي اسطورتنا ).(26) في كتابه (تفسير الاحلام) إجتذبت الاسطورة فرويد . فقد وجد تشابهاً في آلية العمل بين الحلم والاسطورة ، وتشابه الرموز لكليهما ، فهما نتاج العمليات النفسية اللاشعورية . ففي الاسطورة ، كما في الحلم نجد الاحداث تقع حرة خارج قيود الزمان والمكان ، فالبطل في الاسطورة كما هي حال صاحب الحلم ، يخضع لتحولات سحرية ، ويقوم بافعال خارقة هي انعكاس لرغبات وامانٍ مكبوتة ، تنطلق من عقالها ، بعيداً عن رقابة العقل الواعي الذي يمارس دور الحارس على بوابة اللاشعور . فالاسطورة ، والحالة هذه ملأى بالرموز التي إن فسرت ، زودتنا بفهم عميق لنفس الانسان الخافية ، ورغباته المكبوتة ، واتخذ من اسطورة أوديب نموذجاً ، وهي أشهر من حاجتنا الى تفسيرها وشرحها هنا . وان احساس البشر المتوارث بخطيئة ما ، وإن الاساطير التي تروى عن تضحية الاله الابن ، وكأنما يقدم البشر كفارة رمزية عن خطيئتهم الاولى ،أي تعاون الاولاد على قتل أبيهم في القبيل الابتدائي في صراع كان دافعه الحصول على زوجات الاب ، وعندما تم لهم ذلك ، إنتابهم الاحساس بالندم والاثم ، فحرموا على أنفسهم زوجات الاب ، وكان ذلك أول قانون وضع للبشر ولكن بعد أن تركت تلك التجربة بصماتها على ضمير الجنس البشري .(27) ثم جاء يونغ _ وهو أحد تلامذة فرويد _ واقتفى أثره في النظر الى الاسطورة، كنتاج للاشعور ، ولكنه افترق عنه جذرياً عندما قرر أن اللاشعور الذي تنتج عنه الاسطورة ، هو اللاشعور الجمعي للبشر ، وهو يناقض نظرية فرويد القائلة بان الاسطورة والحلم إنما يشفان عن مكنونات العناصر المكبوتة في لاشعور الفرد ، وإنها تعويض عن رغبات لم يقيض لها ارضاء حقيقي ، فالصور والخيالات المتبدية في الحلم والاسطورة ، لم تكن في وعي الفرد الشخصي في يوم من الايام ، ولذا فانها لم تكبت . والاصح أن نقول إنها قد عاشت في اللاشعور الجمعي وةلكن انبثاقها كان من خلال الفرد . فنحن عندما نتنفس لا نستطيع تفسير هذا التنفس فردياً 000 فمن خلال رموز الاسطورة ، نجد العالم يتكلم ، وكلما ازداد الرمز عمقاً ، كلما كان أقرب للعالمية والشمول الانساني . أما أريك فروم ، آخر عمالقة التحليل النفسي ،فقد قدم في كتابه (( اللغة المنسية )) دراسة عميقة للاسطورة منطلقاً من فكرة فرويدعن العلاقة بين الاسطورة والحلم ، ولكنه خالف فرويد في النظر الى الاسطورة والحلم على أنهما نتاج العالم اللاعقلاني . فعند أريك فروم : العقل في حالة الحلم إنما يعمل ويفكر ، ولكن بطريقة أخرى .فعندما ندخل ملكوت النوم نتحرر من عبء العمل ، ومشاغل الحياة اليومية وقلق الصحو ، وندلف الى عالمنا الداخلي ، بعيداً عن قواعد الواقع ، فتغدو فكرة ال ((أنا)) بؤرة تفكيرنا . فاذا كان الصحو دعوة للعمل والفعل ، فان النوم دعوة للتأمل من نوع خاص ، يستخدم لغة خاصة ، هي لغة الرمز . النوم انفلات من وهم التحكم بعالم المادة ، وتفرغ للذات ، يجعلنا أكثر شفافية وحساسية ، فتغدو معرفتنا بانفسنا أكثر وضوحاً وصدقاً وحكمة . فحالة السبات هي القطب الثاني لوجودنا مقابل حالة اليقظة . وليست كماً زمنياً معطلاً، يعطينا الراحة لبدء يوم جديد . ولغة الرمز تنطق عن الخبرات والمشاعر والافكار الباطنة ، كما تنطق لغتنا المحكية عن خبرات الواقع مع فارق هام يكمن في شمولية لغة الرمز وعالميتها ، وتجاوزها الفوارق في الزمن والثقافة والجنس .(28) وهناك من يرى في نشوء الاسطورة وسيلة معرفية ، تعتمد على التامل والملاحظة لما أثارته مظاهر الطبيعة والكون من خوف أو إنبهار ولم يكن الانسان قد استطاع بعد ، أن يحلل الظواهر ويمنطق الاسباب والنتائج ، فوصفها كلها في رموز تعكس طريقة الانسان في حياته ، وتحمل في ثناياها كل ما يعرفه من توق ، وخوف ، ودهشة ، وشهوة أزاء البقاء والخلود(29) ثم اكتسبت الاسطورة عمقاً أكثر ، بعد دخول الانسان مرحلة التمدن في أواخر القرن الرابع ق.م حين أخذ يسأل نفسه السؤال التالي : إذا كان الخلود الجسدي مستحيلاً ، فماذا ينبغي أن يعمل ليحصل على الخلود المعنوي .هنا ظهرت قضية أخلاقية ساهمت في ظهور الاسطورة المنظمة والمهذبة لحياة الجماعة البشرية ،وقد أضفى الانسان أو حاول أن يضيف عليها صفة المنطقية والعقلانية في كل جزيئاتها ، فظهر منهج الاسطورة الاتيولوجيا AETIOLOGY لتقديم الاسباب الكامنة وراء كثير من الظواهر التي يراها الانسان في العالم الواقعي . ووضحت ملامح ومنهج الاسطورة المجازية التي تخفي أعمق معاني الثقافة . وظهر منهج الاسطورةالرمزية التي ترى الاسطورة قصة رمزية ، تعبر عن فلسفة كاملة لعصرها ، لذلك يجب دراسة العصور نفسها لفك رموز الاسطورة .(30) وعند البعض تظهر مصطلحات ( الطبقية ) ، ( وتقسيم العمل ) ، ( والظاهرة الاجتماعية ) على نحو واسع ، وهم يتحدثون عن نشأة الاسطورة وأسباب ظهورها . فالدكتور سيد القمني يرى أن ضعف قوة الانتاج في المجتمع البدائي ، لم يساعد الانسان على اكتشاف الاسباب الحقيقية ، لما يقع أمامه من ظواهر ، وهناك تقدمت الاسطورة لتقوم بهذه المهمة للتفسير ، والتعويض عن عجز الانسان عن الوصول لاجابات صادقة مع تبرير مرارة الواقع ، وتقبل هذا الواقع على اساس خلاص قادم واستعجال هذا القادم بتقديم القرابين بطقوس معينة.(31) وفي موقف آخر يقول : أما الاساطير الاولى التي سبقت تقسيم العمل في شكله الحاد والالزامي ، ولازمته في أطواره الاولى ، لم تكن صنعة طبقية قدر ما كانت إستجابة لضرورات موضوعية . وظهر الدين مع الطور الطبقي ، وتقسيم العمل والكون على عقل وجسد. ومع التفرغ اللازم في العمل اليدوي ، تمكنت الطبقة المسيطرة من تنمية ثقافتها الدفاعية ، واستثمار التراث الاسطوري السابق، بعد تفريغه من محتواه الموضوعي وتحويله الى خدمة الاغراض الجديدة . (32) ويرى الدكتور خليل أحمد خليل في كتابه ( مضمون الاسطورة في الفكر العربي ) والذي استعرضه منير ياسين في مجلة التراث الشعبي ببغداد ( الاسطورة وليدة التصور الفكري . وهي على ترابط وثيق واتصال بحالات الانتاج وبنى المجتمع وتغيراته . فالاسطورة تعبير ونتيجة لبناء اجتماعي معين .) انها لا يمكن ان تنشأ من لا شيء كما يقول ليفي ستروس في كتابه ( ميثولوجيات ) . وما من أسطورة منقولة أو مقتبسة من شعب الى شعب مجاور الا لسببين : أما لاخذها والاستفادة منها وتطويرها ، وفقاً للتصور الفكري الخاص بهذا الشعب ، أو لدحضها ، ووضع البديل الاسطوري .(33) وبعد هذا الاستعراض الواسع لنشأة الاسطورة ، قد يسأل سائل : ما مهمتي؟ أو بتعبير أوضح : وأنت ماذا ترى من الاسباب في نشأة الاسطورة ؟ أقول : لقد كتبت تمهيداً قبل استعراض الآراء ، ومن أهم النقاط في ذلك التمهيد ، أن الاساطير متنوعة فلذا تتنوع أسباب ظهورها ، وقد تزول أسباب ظهورها بحكم العامل الزمني وتقدم الانسان التكنولوجي والعلمي واكتشافه الاسباب الحقيقة لتلك الظواهر التي الحت عليه ، فاوجد لها الاساطير المناسبة ، ولكن ينبغي الانتباه الى تطور نوعي في هذا المجال ، فزوال أسباب ظهور الاسطورة لم يلغ الاسطورة في حياتنا المعاصرة ، وانما ظهرت أسباب ديمومة واستمرار الاسطورة في حياتنا المعاصرة . فالاسطورة الموجودة ، إنما موجودة لاسباب نشأة جديدة ، وهذا ما سيتوضح أكثر في فصلنا اللاحق : وظيفة الاسطورة . لقد تضافرت عوامل متعددة في نشأة الاسطورة ، ولكنني لا أرى معقولية في راى ماكس مولر على صعيد مقبول ، ولا اوافق الذين حاولوا تطبيق منهج جاهز على الاسطورة مما أضطروا الى استعمال مصطلحات ، تبدو متكلفة ، في التحليل كما ورد عند الدكتور سيد القمني ، والدكتور خليل أحمد خليل . أما ماحاول فرويد تبريره في نشأة الاسطورة فالامر واضح ومعروف في أن فرويد إتخذ من العصابيين والمرضى حقلاً لتجاربه ، فلذا بالغ كثيراً في عملية الكبت ، واتخذ من العامل الجنسي الكل في الكل في تصرفات الانسان . وربما كان تلميذه يونغ وأريك فروم أقرب الى التحليل المقبول في جوانب منه .
الهوامش والمراجع
1-الميثولوجيا ، أديث هاملتون ، ص11 . 2-المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، د. جواد علي ، دار العلم ، ج6 ، ص739 . 3-أدب الاطفال ، هادي نعمان الهيتي ، ص71 . 4-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص19 . 5-موسوعة أساطير العرب 000 ، د. محمد عجينة ، ص41 . 6-ملحمةجلجامش ، طه باقر ، منشورات وزارة الثقافة والاعلام بغداد 1980 ص 10-11 . 7-فن الشعر الملحمي ، أحمد أبو حافة ، بيروت 1960 ص52 . 8-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص23 . 9-الاسطورة ، راثفين ، ترجمة الخليلي ص93 . 10-نفس المصدر ، ص96 . 11-مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ،ص15 . 12-الاسطورة ، راثفين ص6 . 13-نفس المصدر ص61-62 . 14-نفس المصدر ص62-63 . 15-نظرية الادب ، رينيه ويليك وأوستن وارين ، ترجمة محي الدين صبحي ط3 1985 ، ص198 . 16-الاناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس ، ترجمة حسن قبيسي المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1995 ص253 . 17-الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص24 . 18-مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص28 . 19-موسوعة أساطير العرب 000 ، د. محمد عجينة ص42 ومغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ص15 . 20-الاسطورة والتراث ، سيد القمني ، ص24 . 21-الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ص33-38 . 22-نفس المصدر ، ص39-41 . 23-الاساطير والخرافات عند العرب ، د. عبد المعين خان ص16-17 . 24-موسوعة أساطير العرب 000 ، د. محمد عجينة ، ص23 . 25-الاسطورة عند العرب ، د. حسين الحاج حسن ، بيروت 1998ص25. 26-الاسطورة ، راثفين ، ص111 . 27-مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص16 . 28-نفس المصدر ص17-18. وكذلك نجد هذا الاستعراض عند الدكتور سيد القمني في كتابه : الاسطورة والتراث ، ص27 ، كما نجد هذه الآراء في كتب أخرى كثيرة تتناول الاسطورة . 29-أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال ، جبرا إبراهيم جبرا ، ص19-20 . 30- ملحمة جلجامش ، طه باقر ، ص42 . مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص13-14 . الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ، ص27 . 31-الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ، ص24-25 . 32-نفس المصدر ، ص26 . 33-مجلة التراث الشعبي ، العدد الرابع ، بغداد 1975 ،ص177-178 .
لمحات عن ألأسطورة وألأدب
إن مسافة التلازم بين الاسطورة والادب عامة ، والشعر بخاصة ، لا تتجاوز أبداً ، المسافة الفاصلة بين كتلة صفار البيضة ، والطبقة الزلالية البيضاء المحتضنة لها . فالعلاقة بين العنصرين جدلية ، لا يمكن لاحدهما الاستغناء عن الآخر لتكوين بيضة ، كما لا يمكن النفاذ الى الصفار بدون المرور بالطبقة الزلالية ، ولا يمكن للفرخة - عند التفقيس - أن تخرج من الصفار وحده ، بدون تمزيق الطبقة الزلالية التي أسهمت في تكوينها كذلك ، هكذا تكون الولادة ، مزيجاً متداخلاً ، يصعب علينا فصل عناصره ، أو الاستغناء عن أحدهما . وينفرد هربرت ريد وسي. أس. لويس عن الباحثين المختصين بالاسطورة والادب في رأييهما حول هذه العلاقة ، متأثرين بخصائص الشكل والمحتوى ، فلذا قال هربرت ريد : ((تختلف الاسطورة عن الشعر بما يلي : الاسطورة تحيا بالمجاز ، وهذا يمكن ايصاله بالرموز اللفظية لأية لغة ، الاأن الشعر يحيا بفضل لغته ، فجوهره مرتبط بتلك اللغة ولا يمكن ترجمته))(1) ويقول لويس (( الاساطير جميعاً خارج نطاق الادب ، وان قيمة الاسطورة ليست حتماً قيمة أدبية ، كما ان تثمينها ليس تجربة أدبية حتماً . إن الحوادث التي تسجلها الاسطورة أهم من الاشكال التي صيغت بها .)) (2) بينما يرى فراس السواح أن ( الشعر هو السليل المباشر للاسطورة وابنها الشرعي ، وقد شق طريقه لنفسه مستقلاً ، بعد أن أتقن عن الاسطورة ، ذلك التناوب بين التصريح والتلميح بين الدلالة والاشارة ، بين المقولة والشطحة ، وبعد ان أتقن عنها أيضاً ، كيف يمكن للغة السحرية أن تقول دون أن تقول ، وأن تشبعك بالمعنى دون أن تقدم معنى مجرداً دقيقاً ، وذلك من خلال رسالة كلانية غير تفصيلية ) (3). أما الباحثون الاخرون _ وهم كثر _ يرون تقارباً وتمازجاً وتوحداً بينهما الى حد يصعب الفصل فيه ومعرفة الاصيل من الدخيل أحياناً . يرى شليكل أن ( الاسطورة والشعر شيء واحد ، لا انفصال بينهما )(4) . ويرى ( نور ثروب فراي ) أن الاسطورة عنصر بنائي في الادب ، لان الادب ككل أسطورة منحولة .(5) ويرى مارك شورر أن (( الاسطورة أساس لا غنى للشعر عنه(6)ويرى ريتشارد تشيز(( أن الشعر اساس لا غنى للاسطورة عنه ))(7) بينما يحاول راثفين -كعادته - أن يتحفظ أكثر فيقول : إنه لم يثبت لحد الان ، أن الادب اسطورة أم لا ، ولا يقدر أحد أن يحل الخلاف بين المقولتين .(8) إن هذا التقارب وربما التوحد ، أو ضرورة التمازج يدفعنا الى أن نرى في دعوة يونك نوعاً من المعقولية حين قال : الاسطورة أكثر نتاج البشرية الفنية نضجاً عندما يدرك الادباء ، أن عليهم الا يتوقعوا النمو بعيداً عن الاسطورة ، بل عليهم أن ينموا باتجاهها ، فلسوف تنتصر الرومانسية ، ويعود الطفل ليكون أبا للانسان .(9) وربما من هذا المنطلق دعا شليكل 1800 الى خلق اسطورة جديدة توحد الادب الحديث ، بمثل ما كانت الاسطورة الكلاسيكية توحد أدب القدامى .(10) وبذا ندرك عمق حديث جبرا إبراهيم جبرا وإمكانيته حين قال : ( الشعر سحر ، ولكن الشعر بالاضافة الى ذلك ، نوع من الكشف . إنه بعبارة شلي :( رفع الحجاب عن الجمال الكامن في الدنيا ) ولكنه يرفع الحجاب عما هو اكثر من الجمال . فشعرنا الحديث يخلق صوراً جديدة لعالمنا المعاصر ، وحياته في هذه الصور . إنه يخلق اسطورة لزماننا ، تتكشف فيها الرموز ، ثم تنطلق علينا بمعانيها المتكسرة كالنور في كل اتجاه . أهمية الاساليب الجديدة : هي أنها تجعل خلق هذه الاسطورة الشاملة أمراً ممكناً . وما هذه الاسطورة في النهاية الا قصة (( المدينة )) العربية المثلى التي نتحرق الى بنائها من جديد.(11) وسياق الحديث يقودنا حتماً الى السؤال التالي : ما أسباب إقتراب الشعر من الاسطورة أو إقتراب الاسطورة من الشعر ؟ أو بعبارة أدق وأشمل : ولماذا هذا التقارب الى حد الامتزاج وولادة أحدهما عن الآخر بالتناوب ؟ إن هذه الاسئلة قد تختلط بسؤال آخر هو : لماذا يلجأ الشاعر الى استخدام الاسطورة ؟ من الضروري _بدءً _ أن نوضح أن هناك فرقاً دقيقاً وحساساً بين المجموعة الاولى والسؤال الثاني . فالاسئلة الاولى تبحث عن المضمون المشترك والشكل المشترك بين الاسطورة والشعر ، أي الارضية المشتركة بينهما ، بينما يهدف السؤال الثاني الى معرفة أسباب وكيفية تحول الاسطورة الى وسيلة فنية يستخدمها الاديب أو الشاعر بصورة خاصة . يرى آرنست فيشر في ضرورة الفن أن الرغبة المزدوجة في تبسيط هذا الواقع المعقد الى حد غير محتمل ، والاكتفاء منه بالجوانب الجوهرية ، والرغبة في إبراز كون ما يربط الكائنات الانسانية ، هو الروابط الانسانية الاولية ، لا الروابط المادية . هذه الرغبة المزدوجة تؤدي الى ظهور الاسطورة في الفن (12) ويرى السواح أن الاسطورة باعتبارها ميلاً ونزوعاً ، تعمل كخميرة لكل أشكال التعبير الفني ، وتضع بين أيدينا منظاراً ملوناً يعيد البهجة والمعنى الى الحياة . فان باستطاعتنا الركون اليها ، واعتبارها مصدرا إيجابياً في إنتاج الثقافة واستهلاكها . (13) ويرى مالينوفسكي في الاسطورة جنين الملحمة والقصة التراجيديا المستقبلية (14) ويرى نيكولاس فريدة أن الخرافة ميراث الفنون ، وهي معين لا ينضب للافكار المبدعة ، وللصور المبهجة ،وللمواضيع الممتعة وللاستعارات والكنايات . (15) ويرى كاسيرر أن الانسان اكتشف [ من خلال استخدام الاسطورة ] نوعاً جديداً من التعبير ، هو التعبير الرمزي . وبعد هذا التعبير الرمزي عاملاً مشتركاً في كل الافعال الحضارية ، أي في الاسطورة ، والشعور ، واللغة ، والفن ، والدين ، والعلم . وتتميز هذه الافعال باختلافاتها الكثيرة ، وإن كانت تحقق مهمة واحدة . وهذه المهمة هي الموضعة OBJECTIFICATION .(16) وينبه الدكتور أحمد كمال زكي على كون الاسطورة ميراثاً عالمياً ، يمنح الشاعر حرية التحرك نحو ثقافة عالمية ، فلذا يقول : إن الادباء ينهلون من الاساطير دون النظر الى إقليم . (17) وعند رجاء عبد تكون الاسطورة تؤام الشعر ، وعودة الشعر اليها ، إنما هو حنين الشعر لترب طفولته ، والاسطورة إذ تحتضنها القصيدة تتحول في بنيتها الى طاقة خالقة للاداء الشعري ، حيث يتمثل فيها التراث الشعبي ، والعقل الجمعي بصورة عضوية تؤطر مواقف وقيم الانسان ، تجاه الكون وتجاه تساؤلاته المتعددة والانسان بالمعنى العام ، إمتداداً في الزمن الذاهب والاتي ، مضافاً اليه- بالضرورة- حاضره أيضاً . (18) لقد بدأت الاسطورة فناً وديناً . فتصوير هذه المحن التي ألمّت بالابطال ، وعرضها على النظّارة في ملاعب التمثيل ، كان يرونه فناً ويرونه ديناً . فيه الجمال الادبي الذي يعظ النفس ، ويذكي القلب ، ويثير العاطفة ، وينمي الفضيلة ، ويرفع الانسان عن صغائر الحياة الى جلائل الامور ، وفيه تقديس الالهة ، وتمجيد الابطال ، والاشادة بالتقديم ، وما فيه من مآثر كتب لها الخلود . وقد كان اليونان ، قبل أن ينشأ فن الغناء نفسه ، يتقربون الى آلهتهم بانشاد الشعر القصصي والاستماع له .(19) لقد سبق الحديث عن الاسطورة وسيلة معرفية لفهم ظواهر الطبيعة وترويضها، وذكرنا الكثير من تلك المحاولات في فصل نشأة الاسطورة . فلذا نجمل الكلام لدى استعراضنا مكانة الاسطورة عبر العصور . لقد تهاوت الاسطورة تحت مطارق الفلسفة ، وتجرع سقراط السم جزاء إحترائه على آلهة اليونان ، ومن بعده تابع إفلاطون وأرسطو المهمة .وتعاونت الديانات في الامر كذلك . ثم أدى تبلور المناهج العلمية في مطلع العصور الحديثة أو ما يسمونه بعصر التنوير ، الى الازدراء الكانل بالاسطورة وإنزالها الى مرتبة الحكاية المسلية .(20) حتى قال أديسون الذي عاش عصر التنوير (( ولكن عندما يصبح المرء رجلاً ، ينبغي أن يتخلى عن لعب الاطفال هذه ، إذ أن اللعب بالاسطورة الوثنية ، مما لا يغتفر في شاعر تعدى السادسة عشرة .(21) ولكن القرن التاسع عشر في أوربا قد جلب معه ثورة فنية جمالية ، أعادت للاسطورة رونقها ، وبهاءها كشكل فني تعبيري من أشكال الفلكلور والادب الشعبي بعد أن أراد أصحاب عصر الاستنارة في القرن الثامن عشر محوها .(22) فقدكانت الاسطورة في نظر كل مفكري عصر التنوير شيئاً همجياً ، ومجموعة غريبة شاذة ، من الافكار المهوشة والخرافات الكبيرة ، أو مجرد شيء ممسوخ ، ولا يمكن أن يكون هناك أي وجه قرابة بين الاسطورة والفلسفة ، وتنتهي الاسطورة من حيث تبدأ الفلسفة ، تماماً كما تفسح الظلمة الطريق أمام الشمس المشرقة وتعرضت هذه النظرة لتغيير كبير بمجرد انتقالنا الى الفلاسفة الرومانتيكيين .(23) لقد كان الرومانسيون -في الحق- أول من أحسوا بثراء الاسطورة في مجال الفن 000والمعروف أن الخيال عندهم شيء سحري ، يقع خارج الملكات الواعية ، ولكنه لا ينفصل عن الحقيقة ، ولهذا يتفقون على أن الاسطورة جزء من الواقع ، وهي متداخلة فيه ، فيذكرنا هذا برأي يونج في إرتباط الاساطير باللاوعي الجماعي . ونستطيع أن نضيف أن المحدثين من أدباء العصر ، فاقوا الرومانسيين والرمزيين في الاقبال على الميثولوجيا .(24) ومما تجدر الاشارة اليه أن الرومانسيين إختلفوا عن الكلاسيكيين في استخدام الاسطورة . فقد كان استخدام الكلاسيكية للاساطير القديمة إستخداماً شكلياً محضاً . أما الرومانسية في ثورتها على ركاكة المجتمع البرجوازي ، فقد لجأت الى الاساطير كوسيلة لتصوير (( الانفعال الصوفي )) ولتقديم كل ما هو فعال وجديد وغريب . وموضع الخطر في هذه الوسيلة _ رغم مشروعيتها _ أنها تضع منذ البداية الانسان الاولي غير التاريخي مقابل الانسان الذي يتطور داخل المجتمع . إنها تضع الخالد مقابل المتأثربالزمن .(25) ويرجع الفضل الاول في الاشارة الى هذا الوعاء ، الى السير جيمس فريزر ، حين أصدر كتابه (( الغصن الذهبي )) والذي عده البروفيسور بكلي مصدراً لا ينضب للاساطير والرموز المركزية في أدب القرن العشرين .(26) والآن حان الوقت لطرح السؤال ثانية : لماذا يلجأ الاديب بصورة عامة والشاعر بخاصة الى إستعمال الاسطورة ؟ بدءً ، يجب أن نتفق على أن المقصود بالاديب أو الشاعر هنا ، ذلك الذي يتعامل ، بل يتفاعل مع الاسطورة ، ويوجهها على نحو يكشف قدراته الابداعية فناً وفكراً ، وبذا يعطي للاسطورة أبعاداً معنوية قد تكون جديدة ، ولكن الاهم من الجدة هو تعميق المفاهيم الانسانية في الاسطورة ورموزها واقتيادها الى معان انسانية عميقة وشاملة ، فاللجوء الى استخدامها لا يعني تسخين الخرافات القديمة ، كما قال تنيسون .(27) وانما عليه أن يفهم قبل كل شيء أن التاريخ هو التغيير وأن الشعر هو رؤيا . إنه الكشف عن عالم يظل أبداً في حاجة الى الكشف كما قال الشاعر الفرنسي رينيه شار . فقوام الشعر معنى خلاق ، توليدي لا معنى سردي ، وصفي .(28) بمعنى آخر ، فان الاديب المبدع أمام مهمات جذرية متتابعة ، في شكل الشكل ، وفي لغة اللغة - إذا جاز التعبير - فقد تم إحياء شكسبير أو بعبارة أخرى ، تم تحديثه أكثر من مرة وذلك لكي يواكب عصره ، ويخرج من عزلته التراثية .(29) ان استخدام الاسطورة يعني اسطورة جديدة بعد استيعابها او بتعبير أدق كما قال ادونيس : (( إنها القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة)).(30) وسنورد أمثلة متنوعة ، لكنها قليلة لأيضاح هذه الفكرة ، وللعلم سنختتم هذا الكتيب بدراستين : الاولى عن اسطورة بجماليون والثانية عن اسطورة فاوست ، لتدلّا على الافكار الجوهرية التي مرت آنفاً . فقصيدة (( فينوس وأدونيس )) للشاعر الانجليزي الكبير ، وليام شكسبير ، من اعظم اعماله ، التي نالت شهرة كبيرة منذ تأليفها ، حتى قيل انها طبعت ست عشرة طبعة ، منذ نشرها أول مرة في 18 أبريل 1593 وحتى عام 1640 ، وهذا الاهتمام لم تحظ به أية قصيدة أو رواية أخرى لنفس الشاعر ، ولا لغيره من الشعراء في ذلك الوقت ولا بعده . وفكرة القصيدة ليست من بنات أفكار شكسبير ، بل إنه أخذ خطوطها العريضة من أسطورة (( أدونيس وفينوس )) التي كتبها الشاعر الروماني أوفيد .(31) لقد عالج شكسبير الاسطورة بروح عصره ، عصر النهضة . فمن سمات هذا العصر ، احياء العلوم والفنون والادب لذا شارك شكسبير في هذا الاحياء ، مثله مثل مارلو وتوماس لودج وغيرهما من أدباء إنجلترا الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي . وهكذا فقد اختار شكسبير شخصية أدونيس ليتحدث من خلاله ، عن كل شاب انجليزي مولع بالفروسية ، يمارس الرياضة ، ويرفض الوقوع في الرذيلة ، ويأبى الخضوع للغواية . كما إنها تمثل جانباً من فلسفة شكسبير في الحياة . فقد كان في رأيه أنه لا وجود بدون جدوى ، وان كل شيء خلق لحكمة ، ولاداء مهمة بعينها ، وقد ورد هذا الراي على لسان فينوس وهي تحاول إثارة أدونيس كي يقبل عليها ، والا يعيش لنفسه فقط . ومما قالته : خلقت المشاعل للاضاءة ، اللآلي للزينة والطعام الشهير للتذوق ، والجمال الصبوح للمتعة والروائح الزكية للتنسم ، والاشجار لحمل الثمار إن كل شيء يعيش لنفسه ، لا يستحق أن يعيش فالبذور تخرج البذور ، والجمال يولد الجمال (32) وهذا ما حدث للكاتب الارلندي الشهير برناردشو (1856-1950 ) حين تناول اسطورة بيغمالون ( بيجمالون ) . لقد كان شو إشتراكياً في الجمعية الفابية التي تأسست 1884 والتي تسعى الى تغيير العلاقات بالاسلوب السلمي التطوري . إن كون شو إشتراكياً ، فرض عليه أن يخضع تلك الاسطوره الي مذهبه الواقعي . فلقد أخذ شو من الاسطورة مغزاها العام ، بعد أن أسقط وقائعها التاريخية ، فلم يعد ( بيجماليون ) فنانا يونانيا ، وإنما أحال ذلك المثال الي رجل أرستقراطي من رجال لندن ، يعثر بسيده جميلة من فقيرات لندن ، تتكلم لهجة العامة ، تمتاز بطريقتها الخاصة في الحياة ، تلك الطريقة التي تصفها البرجوازيه بالفضاضة ، ويبدأ الفنان الاستقراطي بتجريب فنه أداة لتغير بائعة الزهور الفقيرة ، وتمر الايام ، ويلقى الفنان عنتا وتعباً كبيرا ، لأنه يتعامل مع من هي ليست من طبقته ، وتتولاه الحيره ، أيستمر أم يترك سيدته الجميلة التي لاتنسلخ عن طبقتها بسهوله ؟ ولكن الفنان يريد أن يؤكد ذاته ، وسلامة أفكاره وأدواتها ، فصناعة ( جالاتيا ) لندن جزء من نفسه وفنه ورغبته وكبريائه. يفلح أخيرا في أن يجعل منها تتقن أدبيات البرجوازية مثل الاهتمام الشديد بالشكليات، وتجمع الى كل ذلك الجمال الخارق . من هنا تبدأ الكارثه . لقد وقع الفنان أسيرا حب بائعة الزهور ، فيتملكه الاضطراب ، هو لا يستطيع التخلي عنها ، وهو لا يقوى على الزواج منها لاختلاف طبقتيهما ، فاكتفى بالشعور بالراحة لديها ، لانها جزء منه . لقد كان بطل كريت ( بيجمالون في الاسطورة ) بطلاً مجرداً ، ولكن بطل شو لم يكن كذلك .(33) والشاعر الانجليزي إليوت ، الذي سمى الاسطور بالمعادل الموضوعي عام1919(34) ينكب في رائعته ((الارض الخراب )) على الماضي إنكبابه على الرموز المبهمه والكنايات المعقده ، وتخطت الاسطورة عنده كل العصور ، وجادت عليه بالرموز، فلم يجعلها محورا لنشاطه البلاغي بقدر ما جعلها كشقا عن أزمة إنهيار القيم في أرضه الخراب .(35 ) وهذا ما نجده عند بعض الشعراء العرب في العصر الحديث - على سبيل المثال لا الحصر - ، قبل أن ننسى حقيقة مهمة وهي : إن الغربيين هم الذين أوحوا الى كتابنا وشعرائنا بالعودة الى عالم الاساطير سواء أرضوا أم رفضوا ، وإن كان الغربيون أسبق منا في معرفة عالمنا السحري العجيب ، فاعادوا النظر بعالمهم من خلال أساطيرنا الشرقية في الوقت الذي كنا نرى في هذا الاتجاه مدعاة للسخرية والرفض .(36) ويتجسد هذا في أسطورة فاوست الذي سافر عبرها الى عالم الشرق والمثبتة في نهاية الكتاب هذا مع اسطورة بيجماليون ، كنماذج للاستخدام الادبي للاسطورة ، وهي مقالات نشرتها في السبعينات في مجلة جامعة الموصل ، ومجلة التراث الشعبي . فلذا نرى السياب مثلاً يدرك أن الاسطورة فكر بدائي انساني ولكنه استطاع ان يحملّه موقفاً خلاقاً ، تبدى في فهمه للواقع المعاش ومحاولة تغييره .(37)كما نجد الشاعر علي أحمد سعيد ، يصطنع اسطورة تموز ، كما يصورها الادب البابلي القديم ، في دائرتي الموت والبعث ، لتصوير ضياع الانسان وموته على قاعدة تموزية ، أي ضياع من أجل أن يصل الى الحقيقة ، وموت من اجل أن يبعث لحياة جديدة .(38) كما صار عذاب الحلاج طرحاً لعذاب المفكرين في معظم المجتمعات الحديثة ، وحيرتهم بين السيف والكلمة ، بعد أن رفضوا أن يكون خلاصهم الشخصي ، باطراح مشكلات الكون والانسان عن كواهلهم هو غايتهم ، وبعد أن يؤثروا أن يحملوا عبء الانسانية على كواهلهم .(39) هذه أمثلة مختصرة جداً حول كيفية تعامل الاديب المبدع مع الاسطورة . فالاديب المبدع يملك التجربة ، ويتحكم فيها ، ويحولها الى ذكرى ، ثم يحول الذكرى تعبيراً ، أي يحول المادة الى شكل ، فهو يقوم بترويض الواقع وبأسره ، وهذا الترويض والاسر ، هو مصدر متعتنا أو كما قال بريخت : فلا يكفي أن يسمع المتفرجون كيف تحرر برميثوس ، بل يجب أن يتدربوا على تحريره . يجب أن نعلمهم في مسرحنا كيف يشعرون بكل الفرحة والرضا اللتين يشعر بهما المكتشف والمخترع .(40) ولنعد ثانية الى السؤال : لماذا يلجأ الاديب الى استعمال الاسطورة ؟ إن لاستعمال الاسطورة إتجاهين : أحدهما سلبي والاخر ايجابي متعدد الجوانب . والجانب السلبي يمكن في إحتمالين هما : أ - بحث البعض ممن يتوهمون بأنهم أدياء الى ( الفنتازيا ) نتيجه نضوب الابداع ، عن جذب انتباه الاخرين اليه . ومثل هذا خارج عن نطاق البحث . ب-إنه لأمر خطير جدا ، حين يلجا البعض الى التعميه عن طريق الاساطير والوسائل التي يصطنعها في الرأسمالي المتأخر حتى يتجنبوا إتخاذ موقف إزاء المسائل الاجتماعيه الجوهريه . فهم يحولون الاوضاع والظواهر الاجتماعيه ، والتناقضات الواقعيه في هذا العصر ، الى شيء بعيد عن الواقع ، غير مرتبط بزمان ، يصورونها على أنها الحالة ((الاصليه )) للاشياء ، الحالة الخالدة ، الغامضه التي لا تتغير ، وهم يزيفون الطبيعه المحدوده للحظه التاريخيه ، فتغدو فكرة عامه تسمى (( الوجود )) . (41) أما الاتجاه الايجابي في استعمال الاسطورة في الادب ، فتكمن في اسباب موضوعيه متعددة : فنية ، فكريه ، وقائية . فالاسطورة خميرة لكل اشكال التعبير الفني ، تضع بين أيدينا منظارا ملونا يعيد البهجه والمعنى الى الحياة . لذافباستطاعتنا الركون اليها واعتبارها مصدرا إيجابيا في إنتاج الثقافة وإستهلاكها ، (42) ثم إن الانسان ، من خلالها قد كشف نوعا جديدا من التعبير الرمزي (43) والرمزيه الاسطورية تعني أتخاذ الاسطورة قالبا رمزيا يمكن فيه رد الشخصيات والاحداث والمواقف الوهميه الى شخصيات وأحدث ومواقف عصرية . (44) وإنك تكشف عن أصالتك ، باستخدامك مهارتك في استكشاف طرق جديدة للكتابة عن أساطير قديمة . إنك باشتغالك ضمن شبكة من الصور الوهمية التي يشاركك القراء المثقفون ، تستطيع أن تتجاوز الوضوح لتصل الى الضمني والساخر .045) فحين يجد الاديب أن أي تصريح منه سيزري بالواقع ، فانه يلتجأ الى الاسطورة ، باعتبارها أعلى مراحل الرمز ، ولان لها طاقة كبيرة ذات إشعاع متوزع على الرغم من محدوديتها .(46) ولكن يجب الا نغفل عن حقيقة مهمة في أستعمال الرمز وتلك هي : إذا وجدنا تعبيراً يقدم لنا معناه على نحو أفضل ، كان الرمز ميتاً . يجب الا نفكر رمزياً الا عندما نعجز عن استقطاب المعنى الفسيح المتسرح الا بالرمز نفسه .(47) فالرمز يتيح لنا أن نتأمل شيئاً آخر وراء النص ، فالرمز هو قبل كل شيء معنى خفي ، وايحاء . إنه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة أو هو القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة .(48) إننا يجب أن نحلم الحلم الذي يدعم الفاعلية ويرسخها كما عبر عن ذلك بيساريف .(49) فظاهرة القناع وتعدد الاصوات [ في شعر السياب ] لم تأت من فراغ الواقع ، ولا من رغبة السيطرة عليه ، أو التعالي على همومه ومشكلاته ، وإنما جاء نتيجة ((معاناة الواقع )) التاريخي واستجابة ل (( وعي متأزم )) بمشكلاته وهمومه ، وهو الامر الذي يعني أن ( الاقنعة ) و ( الرموز ) التي تم استدعاؤها في تجربة هذا التيار ، إنما تم استدعاؤها بقوة الضرورة لا بفعل الرغبة ، بقوة الضرورة التي يفرضها وعي الموقف التاريخي الساعي الى التجاوز لا بفعل الرغبة التي يمليها وعي ما فوق الموقف التاريخي ، الذي لا هم له في التجاوز .(50) إن هذا الرأي يكشف عن الحاجة الموضوعية الى استخدام الرمز . وهذا ما يلجأ اليه الكثير في العصر الحديث ، حين يكون هناك القهر بانواعه المختلفة ، ويصبح مواجهة الواقع غير هينة . وقد يلجأ الى الاسطورة نتيجة شمولية الفكرة وعظمتها بالاضافة الى عوامل القهر فلذا يتقي الاديب بالاسطورة ويحتمي بها ، ويقنع نفسه بقول الناقد : أرتشيبولد ملكيش (( عندما تعالج مسائل أكبر من طاقتك ، ولكنها مع ذلك تلح عليك ، فانك تضطر الى أن تؤويها في مكان ما .وإذا وجدت جداراً قديماً كان فيه عون لك .)) (51) وبذا يحقق الاديب غايات عديدة ، يعبر عن ذاته المكبوتة ، ويقدم البديل للعالم المتناقض ، وقد يخرج المتلقي من قهر قناعته الى تأمل جديد . إن اللجوء الى الاسطورة في الظروف القاهرة ، يدلل بطريقة غير مباشرة على إخلاص الاديب لنفسه ولفنه ، يدلل على أصالته عندما لا يتخلى عن إبداعه . إنه يصر على الديمومة والاستمرارية ، ويثبت للتاريخ وللعالم أننا نستطيع أن نسحق الزهرة ، ولكن أنى لنا القضاء على عطرها ! إنه يعبر عن رفضه المعقلن لمحاولات مسخه .
الهوامش والمراجع
(1)و(2) الاسطورة ، راثفين ، ص 96 . (3) الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص22 . (4) (5) (6) الاسطورة ، راثفين ، ص93-96 . (7) (8) (9)نفس المصدر ، ص92. (10)نفس المصدر ، ص110 . (11)مجلة شعر - مقالة جبرا إبراهيم جبرا تحت عنوان : من أوجه الحداثة قي الشعر العربي المعاصر ،1995 ، القسم الاول ، ص561-563 . (12)ضرورة الفن ، أرنست فيشر ، ص124 . (13)الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص31 . (14) الاسطورة ، راثفين ، ص96 . (15)نفس المصدر ، ص75 . (16)الدولة والاسطورة ، ارنست كاسيرر ، ص69-70 . (17)دراسات في النقد الادبي ، د. أحمد كمال زكي ، ص339 . (18)لغة الشعر ، رجاء عبد ، منشأة المعارف بالاسكندرية ،1985 ص295 . (19)اوديب يسيوس ، اندريه جيد ، ص14 . (20)مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص12 . (21)الاسطورة ، راثفين ، ص89 . (22)مغامرة العقل الاولى ، فراس السواح ، ص12 . (23)الدولة والاسطورة ، ارنست كاسيرر ، ص244 . (24)دراسات في النقد الادبي ، د.احمد كمال زكي ، ص337-338 . (25)ضرورة الفن ، ارنست فيشر ، ص124 . (26) الاسطورة في شعر السياب ، عبد الرضا علي ، ص20 . (27) الاسطورة ، راثقين ، ص 109 (28) زمن الشعر ، ادرونيس ، ص109 (29) من البيت الى القصيده ، د. عبدالعزيز المقالح ، دار الاداب ، بيروت 1983 ، ص17 (30) زمن الشعر ، ادرونيس ، ص160 (31) اسطورة فينوس وادونيس ، د. بديع محمد جمعه ، دار النهضه 1981، 1981 ، ص65- 67 . (32) نفس المصدر ، ص94- 106 . (33) الادب ومذاهبه ، محمد مندور ، القاهره ، ص 127 وكذلك الميزان الجديد لنفس المؤلف ، ص 17 - 18 . (34) في نقد الشعر ، د. محمود الربيعي ، ص153 . (35) دراسات في النقد الادبي ، د. احمد كمال زكي ، ص 335 . (36) الاسطورة في شعر السباب ، عبدالرضا علي ، ص21- 22 . (37) نفس المصدر ، ص9 . (38) دراسات في النقد الادبي ، د. احمد كمال زكي ، 335. (39) دراسات نقدية ونماذج حول بعض قضايا الشعر المعاصر ، عزالدين منصور ، مؤسسة المعارف ، بيروت ، 1985 ، ص208 . (40) ضرورة الفن ، ارنست منيشر ، ص 10 - 11 . (41) نفس المصدر ، ص124 . (42) الاسطورة والمعنى ، السواح ، ص 31 . (43) الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص69 . (44) الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، د. محمد مفتوح احمد ، دار المعارف ، ط 3 1984 ، ص 289 . (45) الاسطورة ، راثقين ، ص75 . (46) الاسطورة في شعر السباب ، عبدالرضا علي ، ص 24 . (47) مجلة شعر - مقالة الجيرا لبراهيم جيرا ، ص 569 و 574 . (48) زمن الشعر ، ادونيس ، ص160 . (49) نفس المصدر ، ص 100 . (50) الذات الشاعرة في شعر الحداثه العربيه ، د. عبدالواسع الحميري مجد ، بيروت ، 1999 ص 175 . (51) الاسطورة والرمز ، ترجمة جيرا ابراهيم جيرا ، ص 105 .
وظائف الاسطورة في كل جانب من جوانب الاسطورة ، تعددت الاراء ، اختلفت ، تنوعت ولكنها لم تصل الى حد التناقض كما نرى في وظائفها أحياناً . فالبعض لا يرى للاسطورة وظيفة ايجابية كبرى . فهي تهدف الى استثارة العجب .(1) وهي قصص للمتعة الخالصة يرويها الناس في أماسي الشتاء الطويلة ، مثل قصة بيجمالون وغالاتيا ، فليس لها أية رابطة معقولة باي حدث في الطبيعة .(2) وفي شطر من رأيه ، يرى كلود ليفي ستروس ، (( إنه مهما قلّبت الاساطير على اختلاف أوجهها ، فيبدو أنها تظل مقتصرة على كونها لعباً مجانياً (3) ، بينما يرى بيار غريمال أن الاسطورة لا غاية لها في ذاتها . نصدقها أو لا ، بايمان لدينا ، إذا وجدناها جميلة أو واقعية ، أو إذا أحببنا تصديقها .(4) أما رولاند بارئيز ، فقد شخص لها وظيفة سلبية ، وخطيرة جداً حين قال : (( إن الغاية الوحيدة من الاسطورة هي تجميد حركة العالم .)) (5) وأعتقد أن الاراء المتقدمة متأثرة بعوامل عدة ، أهمها : 1- إن الاسطورة عند أصحاب الاراء ، لا تخرج عن دائرة الاسطورة التكوينية والطقوسية ، فلذا لم يروا في ( بيجمالون وغالاتيا ) أي رابطة معقولة بأي حدث في الطبيعة ، بينما تمثل هذه الاسطورة حساسية الفنان وقلقه الدائم من محاولة قهر ارادته والانتقام منه ، حين خرج على ارادة الآلهة اليونانية ، كما تمثل بحثه وتعلقه بالمطلق في مفهوم الجمال . لقد نشأت هذه الاسطورة في مرحلة لاحقة ، حين صارت الاسطورة تتناول وجود الانسان الاجتماعي ، وسيتوضح هذا الامر أكثر حين نطلع على مقالة بيجماليون في نهاية هذا الكتاب . 2- إن اصحاب الاراء ، اهتموا باحداث الاساطير كاحداث مجردة مما ترمز اليه ، فلذا إنحصر نقاشهم في مدى منطقيتها ومعقوليتها وعدمها ، إنهم اهملوا الرموز الوهاجة والظلال وراء القصيدة التي اوجدت البعد الرابع (الزمن) الخط المستقيم الذي يبدأ بالماضي ويمر بالحاضر ليستشرف المستقبل . 3- وربما لم يهتموا بأولئك الادباء والفنانين الذي استلهموا الاسطورة ، واتخذوها معادلاً موضوعياً لافكارهم فخلقوا منها اسطورة جديدة بعد استيعابها ، كما فعل فاوست في رحلته عبر الاسطورة الى عالم الشرق ، حيث الروح والسحر والحياة حارة ، معبراً عن قساوة الحياة التي تتحكم فيها الآلة ، وتحاول أن تجعل من الانسان رقماً وخارج دائرة القرار ، وسنطلع على كل هذه الافكار في المقالة الموسومة ب (( مدخل الى اسطورة فاوست )) في نهاية الكتاب هذا . وهناك جمع كثير ، يرون للاسطورة وظائف جدية وكبيرة في الجوانب المادية والمعنوية لحياة الانسان ووجوده الاجتماعي . وقد تنوعت أراؤهم ، لأن كل واحده ينطلق من الارضية الفكرية التي يمثلها ، ومن المنهج الذي يتبعه في النظرالى الاساطير . ويمكن تقسيم وظائفها على النحو التالي :- 1- الوظيفة المعرفية وتشمل : التأمل ، التفسير ، التعليل ، محاولة تبسيط الظواهر للوصول الى حقيقة ما في الحاضر وتأمين المستقبل . لقد سبقت الاسطورة الفلسفة بأمد طويل في القيام بدور المعلم والمربي الاول في لغة مفهومة لدى العقل البدائي .(6) فقد كانت الاساطير للانسان الاول وسيلة للتأمل في الطبيعة وفهمها . لم يكن الانسان قد استطاع بعد ، أن يحلل الظواهر ويمنطق الاسباب والنتائج ، فوصفها كلها في رموز تعكس طريقته في الحياة ، وتحمل في ثناياها كل ما يعرفه من توق ودهشة وشهوة أزاء البقاء والموت والخلود (7) فالاسطورة علم مبكر ، إنها تفسير لشيء في الطبيعة ، وإنها نتيجة محاولة الانسان الاولى لتفسير ما يرى حوله .(8) ويبدوا أن الانسان البدائي وهو يعيش الاسطورة ويؤديها ، لم تكن غايته أن يعيد تمثيل الطبيعة أو التشبه بها ، وإنما كان يعيش في الطبيعة محاولاً احتواءها . وعليه فالاسطورة كما يصفها الباحث الانجليزي س.ج. ك. جوم هي : محاولة لتفسير علوم عصر ما قبل العلوم ، لانها تحدثنا عن علة خلق الانسان ، وعلة الظواهر الطبيعية ، وتفسر لنا الاسرار الخافية وراء صفات الحيوان .(9) فهي محاولة متبصرة وخيالية لتفسير الظواهر الحقيقية أو المفترضة التي تثير فضول واضع الاسطورة ، كما يقول هـ. ج. روز في تعريفه للاسطورة في معجم أكسفورد الكلاسيكي .(10) وهي روايات خرافية ، تطورت من أجل تفسير طبيعة الكون ومصير الانسان ، واصول العادات والعقائد والاعمال الجارية في أيامهم وكذلك أسماء الاماكن المقدسة والافراد البارزين .(11) والاسطورة كما يرى ستروس : أداة منطقية لحل صعوبة ما .(12) وإنها كمايرى ميرسيا الياد تضفي دلالة ما على العالم الموجود . فبفضل الاسطورة يمكن ادراك العالم بصفته نظاماً كونياً قابلاً للفهم والادراك .(13) ويزعم البعض الاخر أن الاساطير تشكل محاولات تسعى الى تفسير بعض الظاهرات التي يصعب ادراكها وفهمها ، كالظاهرات الفلكية والجوية ، ولكن ستروس يضيف الى ذلك عبارة لها مغزاها فيقول (( لكن المجتمعات ليست محصنة ضد الاجتهادات الوضعية )) .(14) وهي بمعناها الاعم حكاية مجهولة المؤلف ، تتحدث عن الاصل والعلة ، والقدر ، ويفسر بها المجتمع ظواهر الكون والانسان تفسيراً لا يخلو من نزعة تربوية تعليمية (15) فتبدونظاماً ، شبه متماسك لتفسير الكون على لسان كل من الابطال الذين تروى رواياتهم ، ويكون خالقاً لها ، وسبباً في نتائج يهتز لها الكون كله .(16) فالانسانية لا تحتكم فيها ( المعتقدات ) الى العقل ، وإنما هي تستهدي الرغبة أو الحاجة الى معرفة علة الكائنات .(17) ويرى د. سيد القمني أن ضعف قوى الانتاج في المبتدأ الاجتماعي ، لم يساعد الانسان على اكتشاف الاسباب الحقيقية لما يقع أمامه من ظواهر . وهنا تقدمت الاسطورة لتقوم بهذه المهمة للتفسير .(18) نستنتج من الاراء المتقدمة ، أن الاسطورة كانت تحاول تفسير الظواهر الكونية وتبسيطها وتقريبها الى العقل البدائي . ولكن الوظيفة المعرفية لها لم تقف عند هذا الحد ، خارج الوجود الاجتماعي للفرد ، وإنما تناولت موضوعات دنيوية وواقعية صارت تشغل الانسان ، وخاصة بعد دخوله مرحلة التمدن في أواخر القرن الرابع ق . م . فلقد اضطلعت الاسطورة بتفسير الموت والخلود ، وهي من القضايا المصيرية التي أدت الى التطور المدني في تاريخ البشرية ، لقد كان تقبل العقل البدائي للموت أمراً عسيراً ، فلم يكن من المستطاع إقناعه بتقبل فكرة القضاء على وجوده الشخصي ، كظاهرة طبيعية لا مناص من حدوثها . هذه الحقيقة هي نفس الحقيقة التي أنكرتها الاسطورة ، وحاولت القضاء عليها . فلقد بينت أن الموت لا يعني فناء الحياة الانسانية ، وكل ما يعنيه هو تغيير في صور الحياة ، أي حلول صورة من صور الوجود محل صورة اخرى . ولا وجود لحد فاصل ، واضح بين الحياة والموت . فان الحد الذي يفصل بينهما مبهم غير واضح ، بل يمكن احلال كل من الكلمتين ( الحياة والموت ) محل الاخرى . فأوربيد يتساءل : (( الا يحتمل أن تكون الحياة هنا هي الموت بالفعل ، وأن يكون الموت بدوره الحياة ؟ )) إن سر الموت قد تحول في الفكر الاسطوري الى صورة ، ولم يعدالموت - نتيجة لهذا التحول - حقيقة مادية غير محتملة ، بل أصبح شيئاً مفهوماً يمكن إحتماله . قال أشيل لاوديسوس : (( لا تحاول تفسير الموت لي )) (19) والاسطورة منهج للتفكير ، من خلالها يحلون مشكلة الموت من خلال بعث الحياة ، والضعف البشري بوجود الآلهة المتعددة التي تحولت الى بشر . (20) ولقد لعبت الاساطير دوراً في تفسير الشعائر والطقوس التي ولدت نتيجة عجز الانسان عن السيطرة على الظواهر الطبيعية ، فلذا لجأ الى استرضائها وترويضها عن طريق إقامة الطقوس وتقديم النذور ، فأحداث الاسطورة تجري في زمن مقدس هو غير الزمن الحالي . ترتبط الاسطورة بنظام ديني معين ، وتعمل على توضيح معتقداته ، وتدخل في صلب طقوسه ، وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة ، إذا إنهار هذا النظام الديني ، وتتحول الى حكاية دنيوية .(21) بل تقوم الاسطورة باغناء المعتقد الديني ، وتثبته في صيغ تساعد على حفظه ، وعلى تداوله بين الاجيال ، كما تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه الى العواطف والانفعالات الانسانية . ومن ناحية أخرى ، فان الاسطورة تعمل على تزويدفكرة الالوهية بالوان وظلال حية لأنها ترسم للالهة صورها التي يتخيلها الناس ، وتعطي اسماءها وصفاتها وألقابها ، وتكتب لها سيرتها الذاتية ، وتاريخ حياتها ، وتحدد صلاحيتها ، وعلاقات بعضها ببعض .(22) ويرى الدكتور محمد عجينة أن للاساطير وظيفة تتمثل في محاولة تفسير حادثة وقعت في الماضي أو تبرير طقس من الطقوس ، عفى عليه الدهر ، ونسيت بداياته أو شعيرة من الشعائر أو مؤسسة من المؤسسات الانسانية الحاضرة تبريراً ، لمتانة صلتها بالمجتمع الذي أنشأها أو إبتدعها في حقيقة تاريخية معينة ، وتوحيداً لمجموعة حولها .(23) وعموماً فان الاسطورة ترمي الى تبسيط مظاهر الكون لدى الفكر العادي .(24) وهكذا تتحول الاسطورة الى وسيلة تعليمية مؤثرة ، لأن لها سلطاناً عظيماً على النفوس ، وهذه الحقيقة هي التي دفعت افلاطون رغم محاربته للنزعة غير العقلانية في النفس البشرية ، والتي يعمد الشعر والاسطورة الى إرضائهما ، رغم محاربته للشعر باعتباره مركبة الاسطورة 000وافق علىصناعة أساطير يجري تلقينها للصغار ، وفق خطة مدروسة ، من شأنها تدريب هؤلاء على تلمس فكرة الخير الكامنة وراء العالم . وهذا ما مر ذكره ، ولذلك نجد الانسان يستعين بالاسطورة لتعليل بعض الظواهر في العالم الواقعي ، فمثلاً هناك اسطورة فلبينية تحاول تعليل تنوع ألوان العروق البشرية فتقول : إن تنوع ألوان العروق البشرية راجع الى ساعة الخلق . ففي المرة الاولى أخرج الاله الطين قبل نضجه فكان الانسان الابيض ، وفي المرة الثانية تأخر في اخراجه فاحترق فكان الانسان الاسود ، وفي المرة الثالثة أخذ الطين كفايته من الشيء فخرج الانسان الفلبيني البرونزي .(25) إن هذا التعليل غير العلمي ، قد أجاب على سؤال ألح على الكثير ، وأرضى شوقهم الى معرفة العلة - وإن كانت غير واقعية بالنسبة لنا اليوم ، لكنها لها تأثيرها وقبولها ، ولن يغيب عن البال ، أن الاسطورة قد قصدت بطريقة غير مباشرة الى الرفع من مكانة الشعب الذي أوجدها . إن تحول الاسطورة الى وسيلة معرفية له جانب آخر ، نستطيع أن نصفه بالخطورة ونقول : إنها ( الاسطورة ) قد أوقعت البشرية في مزالق خطرة حين أوجدت التوجس ، والخوف المبرر أسطورياً [ لدى الانسان ] على إعتبار أن الفكر الاسطوري يضمن كل شيء .(26) 2- الوظيفة الفكرية أو العقائدية أو الايديولوجية ( التي تعني نظام التصورات التي تخلق الافكار التي تتحول الى دستور يهتدي به الفرد في عمله اليومي والمستقبلي ) . يتفق الكثير من الباحثين على أن الاسطورة كانت المعتقد الديني للمجتمعات البدائية أو بمثابة المعتقد الديني أو إمتداداً للفكر الديني ، ونابعة من طقوسه . ويرى أندريه جيد أن تصوير هذه المحن التي المّت بالابطال وعرضها على النظارة في ملاعب التمثيل شيء ، كان يرونه فناً ويرونه ديناً .(27) ويرى روبرت سميث في كتابه ( دين الساميين ) 1889 (( في جميع الاديان القديمة ، تقوم الاسطورة مقام العقيدة ، ولكن هذه الاسطورة لم تكن جزءاً جوهرياً من الدين القديم ، إذ لم يكن لها قانون مقدس ، ولا قوة ملزمة للعبادة )) .(28) ويرى مالينوفسكي أن الاسطورة كانت بمثابة الدستور الاعتقادي الذي يفسر الحاضر ويؤمن المستقبل .(29) فقد أصبحت معتقداً دينياً ومنهجاً للتفكير ، ومن خلالها يحلون مشكلة الموت بوجود بعث الحياة والضعف البشري بوجود الآلهة المتعددة التي تحولت الى بشر .(30) ويلتقي بول ريكو مع الفيلسوف جيليار دوران - الفيلسوف الفرنسي - في أن الاسطورة تهدف - من جملة ما تهدف اليه - هو تأسيس أعمال البشر الطقوسية حاضراً . وبصفة عامة الى تأسيس جميع أشكال الفعل والفكر بواسطتها ، يحدد الانسان موقعه من العالم . فالاسطورة تثبت الاعمال الطقوسية ذات الدلالة ، وتخبرنا عندما يتلاشى بعدها التفسيري بما لها من مغزى إستكشافي ، وتتجلى من خلال وظيفتها الرمزية ، أي ما لها قدرة على الكشف عن صلة الانسان بمقدساته .(31) وتصبح الاسطورة معادلاً موضوعياً ، بموضع المعتقد الديني الذي يحتاج الى خبرة إنفعالية ، ويسبغ عليها مشروعية معقولة .(32) ويرى ستروس أن غرض الاسطورة ، هو إيجاد نموذج منطقي قادر على قهر التناقض ، أي التوفيق بين القدر المحتوم والارادة الحرة .(33) فهي تلعب نفس الدور الذي تلعبه الميتافيزيقيا في الثقافات التي أعلت من شأن الفلسفة . إن كلاً من الاسطورة والفلسفة والعلم يستجيب على طريقته لمطلب النظام ، أي لمطلب الانسان في أن يعيش في عالم مفهوم ومرتب ، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى في مواجهته الاولى مع الطبيعة . فالاسطورة تعطينا ذلك الاحساس بين المنظور والغيبي ، بين الحي والجامد ، بين الانسان وبقية مظاهر الحياة ، النظام الذي تخلقه الاسطورة فيما حولها ، ليس نظام العقل المتعالي الذي يجعل نفسه خارج العالم ثم يفسره من بعد000 بل هو نظام الانسان المتعدد الابعاد الذي لا يستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره ويدرك بطريقة ما أن المفسر والمفسر وجهان لعملة واحدة .(34) فالاسطورة تعتبر شروحاً لفتيان المجتمع عن السبب الذي يجعل العالم بما هو عليه .(35) أو محاولة لمعرفة المستقبل وضمانه .(36) واستعان بها الانسان كأفضل طريق لمواجهة المشاكل التي تؤثر عليه ، سواء أكان ذلك التأثير وهمياً أم واقعياً.(37) لقد تحدى برميثوس الاغريقي الآلهة ليجلب للبشر سر النار . أما جلجامش فقد ناطح الآلهة ليجلب لنا سر الحياة ومفتاح لغز الموت ، ومغزى العيش في هذا العمر الضيق .(38) ويعمل النزوع الاسطوري على التخفيف من سلطان النزعة العقلانية التي ترى أن الكون - باعتباره الة جبارة عمياء تعمل وفق قوانين أزلية ميكانيكية . وبعد أن كان العلم يتجه نحو اكتساب الحكمة وفهم سبل الطبيعة من أجل العيش بوئام معها ؛ تحول سعيه الى السيطرة على الطبيعة عوضاً عن التكامل معها . وهنا يأتي دور النزعة الاسطورية لدى الانسان والتي نجد تجسيدها الاكثر ايجابية وحيوية وفعالية من خلال الشعر والفن .(39) ولاحقاً صارت الاسطورة برنامج بناء اجتماعي يهدف الى التحفيز للطاقات لغرض تغيير الواقع .فحين يتحدث سوريل عن الاضراب العام لكل عمال العالم على أنه اسطورة ويعني بذلك : أنه في حين أن هذا المثل الاعلى لن يصبح أبداً حقيقة تاريخية فمن الواجب بغية تحريض العمال وتحفيزهم أن تقدم هذه الاسطورة على أنها حادثة في مستقبل تاريخي .(40) ويرى د.سيد القمني أن الغرض من الاسطورة ليس تسكين أوضاع ، أو أن غير المرغوب سيهزم بمجرد تلاوتها ، كما في الدين ، بل على العكس ، كانت تحفيزاً للعمال وللطاقات البشرية ، وشحذ الهمم لتغيير الواقع وصد أخطار المستقبل .(41) والاسطورة شكل أولي من أشكال النظر الفلسفي كما يقول ستروس في جزء من تعريفه لوظيفة الاسطورة .(42) والاسطورة تكون نظرة جديدة -بمعنى ما - كما ورد في كتاب الميثولوجيا لأديث هاملتون وان كان الكتاب يتعصب للاغريق على نحو واضح حين يقول : الشعراء الاغريق الاوائل ، أفصحوا عن نظرة جديدة ، لم يحلم بها أحد قبلهم ، ولم تغادر العالم بعدهم . الا أن النظرة الجديدة في الغرض المعنوي للاسطورة التي أوضحها الكتاب ، تبعث على السرور ، والشعور بنبل الانسان حين جاءت العبارة التالية : الاساطير هي كيف ارتفعوا عن قذارة العالم القديم ووحشيته في زمن لا نعرف فيه شيئاً عنهم .(43) ويزعم البعض أن كل مجتمع يعبر في أساطيره عن بعض المشاعر الاساسية ، ، كالحب والكره والانتقام التي هي مشاعر مشتركة لدى جميع البشر . ويزيد ستروس تخصيصاً في القول : إن الاسطورة قد تكون كناية عن إنعكاس للبنية المجتمعية ، وللعلاقات المجتمعية .(44) فالاسطورة هي الاداة الاقوى في التثقيف والتطبيع ، والقناة التي ترشح من خلالها ثقافة ما وجودها باستمرارها عبر الاجيال .(45) والاسطورة تمنح أي شعب تفرداً وخصوصية ، وتحقق نموذجيته وهذا ما ميز الاسطورة العربية عن غيرها من أساطير الشعوب الاخرى .إنها إستطاعت أن تلقي الضوء على ماهية الفرد العربي ، الواقع الاجتماعي ، الصفة المميزة . في مرحلة الصيد ، ظهرت أساطير عديدة اختصت بالتعبير عن الواقع الخاص في تلك المرحلة ، فمثلاً إنتشر حمل شعار الحيوان القرين ، ثم تغيرت هذه الاساطير ، وتنامت في المجتمع الزراعي ، فظهرت الفدية الحيوانية التي تقدم لكي تتحول هذه الفدية الى مواد غذائية .(46) لقد ألهمت الاسطورة الناس ، ودعمت تنظيمات ، الكثير منها محترم للغاية . (47) وإنها لتكتسب أهمية عظمى في وظيفتها حين تجعل من (( البدايات والغايات هماً أساسياً من همومها .)) (48) 3- الوظيفة التكفلّية : وهناك من لا يرى في الاسطورة تفسيراً ولا تعليلاً ولا محاولة لتبسيط الظواهر ، وإنما تكفل المحافظة على السوابق التي تسوغ الحالة الراهنة ، وبهذا تصبح الاسطورة تكفلّية ، أي أنها قوة لدعم وترسيخ ما هو موجود . يقول مالينوفسكي :إن الاسطورة لا تفسر الاصل وإنما تحافظ على السوابق التي تسوغ الحالة الراهنة ، فالاسطورة بيان عملي على الايمان البدائي والحكمة الاخلاقية .(49) وفي موضع آخر يقول : إن الاساطير عند الشعوب البدائية تسعى الى ارساء دعائم المعتقدات والممارسات المشكلة للتنظيم الاجتماعي .(50) وأنها ذات أهداف عملية تهدف الى ترسيخ عادات اجتماعية أو تدعيم سلطة عشيرة بذاتها أو اقامة نظام اجتماعي بالذات 00الخ .(51) فلذا قال ماريت : إن الاسطورة ليست تعليلية بل تكفلية ، وهي لا تشبع فضولاً بل تؤكد ايماناً .(52) ويرى الدكتور قيس صاحب كتاب (( الاساطير وعلم الاجناس )) أن وظيفة الاسطورة الرئيسية في أنها تعبر بصورة دراماتيكية عميقة عن ايديولوجيات الجماعات البشرية البدائية والتقليدية البسيطة عادة ، والتي تحيا الجماعة معتمدة عليها . فالاساطير تدفع هذه الجماعات الى التمسك بقيمها ومعاييرها وبمثلها العليا التي تسعى الى تحقيقها جيلاً بعد جيل . فالاسطورة تعبر عن وجود الجماعة ذاته وبنيانها الحضاري والثقافي ، كما تعمل الاساطير كضوابط ومؤشرات لدعم وترصين القواعد والممارسات التقليدية ، والتي يتعرض المجتمع الى التحلل والتفكك بدونها .(53) ومن جملة ما تسهم به الاسطورة في اليونان كما يقول بيار غريمال في كتابه الميثولوجيا اليونانية أنها تتخذ حيناً لون التاريخ فتحمل طابع النبل في المدن والسلالات ، وحيناً تسهم في دعم أو تفسير المعتقدات .(54) 4- الوظائف النفسية : لا يمكن لاحد أن ينكر علاقة الاسطورة بالنفس البشرية ، كما لا يمكن نكران تأثيرها المستمر حتى بعد انتصار النزعة العقلانية وتحقيق التقدم العلمي ، وقد سبق شرح ذلك . فالاسطورة والشعر يرضيان النزعة غير العقلانية المترسخة في النفس البشرية ، فلذا تقوم الاسطورة بعدة وظائف في هذا المجال ، ويمكن حصرها على النحو التالي : أ- إنها تموضع المشاعر الانسانية برمزيتها ،(( فالرمزية اللغوية تموضع التأثيرات الحسية كما تموضع الرمزية الاسطورية المشاعر ، ويتبع الانسان في طقوسه الدينية تأثيرات رغبات فردية عميقة وحوافز اجتماعية عنيفة ، ويقوم بهذه الافعال بغير علم بدوافعها ، فهي أفعال لا شعورية تماماً 00 غير أنه في حالة تحول هذه الطقوس الى أساطير ، سيظهر جانب آخر . إذ لن يكتفي الانسان في هذه الحالة بفعل هذه الاشياء ولكنه سيتجه الى التساؤل عما تعنيه ، الى البحث عن أصلها وفصلها . فبمجرد إتجاه الانسان الى التعجب من أفعاله ، فانه قد خطا خطوة جديدة ، حاسمة ويكون قد طرق سبيلاً جديداً ، سيؤدي به في النهاية الى الابتعاد عن حياته الغريزية اللاشعورية . وان كل تعبير عن الافعال يؤدي الى تأثير ملطف ، أو ما يسميه هربرت سبنسر الى التفريغ العصبي وبذا تساعد الانسان على التحكم بغرائزه لحد ما .(55) ب- انها توفر مخرجاً نفسياً لمشاعر فعلية وانما مكبوتة .(56) فقد عاد الاهتمام بالاسطورة كمخرج نفسي تجاه قلق الانسان وحيرته وتمزقه ، وقد ارتبط هذا الاهتمام بالمطالب النفسية التي رأت في الاسطورة نوعاً من الاسقاط النفسي يهدف - بتمثل الطقوس - الى اعادة بناء المتناقضات في تجربة الانسان وما يناوش وعيه من ضغوط متعددة . ومن هنا كان استخدام الاسطورة في الشعر محاولة للارتفاع بالقصيدة من تشخيصها الذاتي الى انسانيتها الاشمل والاعم .(57) ت- إنها ذخائر من دوافع ذات طبع أولي بدائي تكشف وتثير العقل الباطن الجماعي للانسان .(58) ث- إنها توحد حالة تعاطفية اجتماعية ، فهي تعلمنا معنى الروابط الكلية الجامعة . ففي حالة إتجاه أبناء احدى قرى (( الداباك )) للصيد في الغابة يتحتم على سائر أبناء الدار ، عدم لمس زيت أو ماء بأيديهم ، إذ يؤدي القيام بذلك الى لزوجة أصابع الصيادين ، مما يساعد على انسلال الفريسة من أيديهم . لقد نقل كاسيرر هذه الاسطورة من الغصن الذهبي ، ج1 من فصل (فن السحر) ج - إنها تتخذ وسيلة علاجية ، حيث يقوم العلاج على إتاحة المجال لاعمال الفكر في وضع معين كانت معطياته قبل ذلك تقتصر على المعطيات العاطفية. كما يقوم على إتاحة المجال أمام تقبل هذا الفكر لآلام ، يأبى الجسد أن يتحملها . أما عدم تجاوب اسطوريات الكاهن مع الواقع الموضوعي فلا أهمية له : إذ أن المريضة تؤمن بهذا التجاوب ، وهي تنتمي الى مجتمع يؤمن به . فالمريضة لا تقتصر بعد إدراكها لما يجري على الامتثال به ، بل إنها تشفى أيضاً . هذا ما يراه ستروس بعد أن قص علينا إستعمال تعويذة تتم تلاوتها من قبل كاهن توجهت اليه القابلة تستصرخه لتعسر الولادة على يديها عند امرأة في قبائل الكوتا في أراضي جمهورية باناما ، ويتم ذلك في غرفة ، يبخر فيها بعدد من حبوب الكاكاو المحروقة ، ويقوم بابتهالات معينة ، واعداد التماثيل الصغيرة المقدسة المسماة (( نوشو )).(60) ويرى فراس السواح ما لدى جماعة الناهاو الهندية . هناك طقس للشفاء يتألف من سرد أسطورة التكوين الاصلية ، يعقبها سرد لاساطير التكوين الفرعية ، ثم تنفيذ رسوم على الارض ترمز الى مراحل الخلق والتاريخ الميثولوجي للاله . ولدى جماعة التآخي في الصين ، قرب التبت عدد من التعاويذ الطقسية ذات الغرض الشفائي ، وهي تبدأ بذكر ولادة الكون ثم ظهور المرض ثم الادوية الشافية . وفي ثقافتنا الشعبية الاسلامية ، تتمتع قراءة المولد النبوي بقوة الاصول . فنحن نستعيد قصة ميلاد الرسول (ص) ، إنما تستحضر من جديد قوى فائقة ومقدسة ، ونستشعر وجودها بيننا ، لتعيننا على الامر الذي من أجله يقرأ المولد: شفاءً كان أم دفعاً لبلاء ، أم استجلاباً للبركات .(61) وهذه أمثلة وليست حصراً ولا استقصاءً لكل الحالات . ومهما يكن رأي فرويد ، فالاسطورة ( نفس جماعية لا فردية ) ولهذا كانت الاسطورة القديمة ذات أثر علاجي نفسي في الذين آمنوا بها .(( فهي تفسر للكائن البشري الحائر ما يجري في لاوعيه ، وما يبقيه متماسكاً . وعندما سادت العقلانية ، وازداد الناس اطلاعاً ، فلم يعودوا يؤمنون بالاساطير ، غدا من الصعب السيطرة على القوى النفسية التي كانت الاسطورة يوماً توحدها وتمسك بزمامها .(62) والاساطير حتى في المجتمعات البدائية ذاتها ، حيث تسود وتتحكم في مشاعر الناس الاجتماعية ، لا تحدث دائماً أثراً واحداً، كما أنها لا تظهر في قوة واحدة ، ولا تبلغ الاسطورة أوجها من حيث القوة الا عندما يضطر الانسان الى مواجهة موقف خطير غير عادي .(63) إن سلطان الاسطورة النفسي على الانسان دفع بافلاطون خارج كتاب (( الجمهورية )) الى الدعوة الى صنع الاساطير كما مر ذكر ذلك . 5- الوظيفة السياسية : ( وقد برزت هذه الوظيقة على نحو خطير في عصرنا هذا ) بدءً ، علينا أن نوضح المقصود بهذا العنوان ، فليست هناك أساطير تتناول قضايا سياسية وإنما تلجأ السياسة الى الاستفادة من الاسطورة لخدمة أيديولوجيتها ، أي لخلق تصورات حين تكون وعياً زائفاً يؤدي الى تصرف الافراد على نحو يخدمون أغراضها ، شعروا بذلك أم لم يشعروا وذلك باستغلال الظلال السحرية للكلمات ، كما سنوضح ذلك مفصلاً في مخاطر الاسطورة . أما هنا فنحن مضطرون الى تأكيد الجوانب الجوهرية التي يرتبط فيها الفرد بالدولة ، وليس بضار أن نمهد لذلك بالاشارة الى أن أساطير إفلاطون مثلاً (( كانت ترمز الى اخضاع الفرد لمشيئة الدولة ، ولم يستبعد أرسطو أن يكون هذا هو غرض الاساطير )).(64) ولا عجب أن ننظر الى صراع الآلهة المتعددة قديماً من زوايا سياسية ، حيث كان كل اله يحاول بسط نفوذه مثلاً في تاريخ الاغريق والرومان والامم الاخرى . إن الانهيار الاقتصادي الذي حل بالمانيا ، أدى الى عدم قدرتها على معالجة الاوضاع باسلوب عادي بعد الحرب العالمية الاولى ، فلذا نشأت الاسطورة السياسية ، التي تتجه إتجاهاً مختلفاً للغاية عن الاتجاهات السائدة ، فهي لا تبدأ بالمطالبة بتحريم أفعال معينة . إنها تهدف الى تغيير الناس ، حتى تستطيع تنظيم أفعالهم والتحكم فيها . إن أثر الاساطير السياسية لشبيهة بالحية التي تحاول شل فريستها قبل أن تفترسها . والناس يقعون في أسرها بغير أن يظهروا أية مقاومة جادة لها . فهم يتعرضون للهزيمة والخضوع قبل أن يدركوا بالفعل ماذا حدث . فمحاولة القضاء على الاساطير السياسية ، أمر يفوق قدرة الفلسفة . فالاسطورة بمعنى ما معصومة ومنيعة أمام البراهين العقلية ، ولا يمكن دحضها بواسطة القياسات المنطقية ؛ ولكن الفلسفة تستطيع أن تؤدي لنا خدمة هامة أخرى ، إنها تستطيع تعريفنا بأعدائنا ، وكي تحارب عدوك ، عليك أن تعرفه .(65) ولذلك حاولت السياسة إيجاد صيغة متقدمة دائماً للاستفادة من الفكر الاسطوري ، للاضطهاد ، ولتبرير الحالات الاجتماعية العديدة والتي تخص الفرد. إن أساس الفكر الاسطوري وتبلوره وانتشاره ، مع محاولة الاجهاز على أية محاولة يقوم بها المفكرون للرد عليه ، والتشبث بالاسطورة لدى الفئات الحاكمة ، كان متنفساً كبيراً للابقاء على وجودها ودعمه ، وزيادة الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، بواسطة خلق ووضع الحلول الاسطورية اللازمة ، التي تؤكد وتدعم ما وجد وما يوجد . إن الفكر الاسطوري يضع بعض التصورات للمستقبل ، ويكشف عما (كان) ، ويرفض أن يكتب الانسان تاريخه بيده . إن عدم التخطي السريع للطبقات الفقيرة والمضطهدة لواقعها يضعها في فخ الاسطورة المنصوب . (66)
الهوامش والمراجع (1)الاسطورة ، راثفين ، ص11 . (2)الميثولوجيا ، أديث هاملتون ، ص19 . (3)الاناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس ، ص226 . (4)الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ص7 . (5)الاسطورة ، راثفين ، ص135 . (6)الدولة والاسطورة ، أرنست كاسيرر ،ص74 . (7)أقنعة الحقيقة وأقنعة الخيال ، جبرا إبراهيم جبرا ، ص19 . (8)الميثولوجيا ، أديث هاملتون ،ص18-19 . (9)أدب الاطفال ، هادي الهيتي ، 191-192 . (10)الاسطورة ، راثفين ، ص32 . (11)الاسطورة في شعر السياب ،عبد الرضا علي ، ص14 . (12)موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ،د. محمد عجينة ، ص60 . (13)نفس المصدر ، ص58-59 . (14)الاناسة البنيانية ، كلود ليفي ستروس ، ص226 . (15)الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ، د.محمد فتوح ، ص289 . (16)الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ص5 . (17)الاساطير الاغريقية والرومانية ، ب كوملان ، ص5 . (18)الاسطورة والتراث ، د.سيد القمني ، ص24-25 . (19)الدولة والاسطورة ، آرنست كاسيرر ، ص74-75 . (20)الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر ، د. عبد الحميد جيدة ، ص105 . (21)الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص13 . (22)نفس المصدر ، ص24 . (23)موسوعة اساطير العرب000 ، د. محمد عجينة ، ص14 . (24)الادب اليوناني القديم ، د. علي عبد الواحد ، دار المعارف ، ص27 . (25)مغامرة العقل الاولى ، السواح ، ص14 . (26)مجلة التراث الشعبي ، العدد 4/1975 ، منير ياسين لدى عرضه كتاب (مضمون الاسطورة في الفكر العربي ) د. خليل أحمد خليل ، وردت الفكرة في ص53 من الكتاب . (27)اوديب يسيوس ، اندريه جيد ، ص14 . (28)الاسطورة ، راثفين ، ص39 . (29)الاسطورة والتراث ، د.سيد القمني ، ص24 . (30)الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر ، د. عبد الحميد جيدة ، ص105 . (31)موسوعة اساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها ، د. محمد عجينة ، ص72 . (32)الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص24 . (33)الاسطورة ، راثفين ، ص72 . (34)الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص21 . (35)نظرية الادب ، أوستن دارين ورينيه ترجمة محي الدين صبحي ، ص246 . (36)الالهة زووس ، د. سامي سعيد ، بغداد 1970 ، ص13 . (37)التفكير الخرافي ، نجيب إسكندر ، مصر 1962 ، ص20 . (38)جلجامش ، فراس السواح ، دار علاء الدين ، دمشق ، ص8 . (39)الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص29-30 . (40)نظرية الادب ، أوستن ورينيه ، ص198 . (41)الاسطورة والتراث ،د. سيد القمني ، ص25-26 . (42)الاناسة البنيانية ، ستروس ، ص227 . (43)الميثولوجيا ، أديث هاملتون ،ص13-14 . (44)الاناسة البنيانية ، ستروس ، ص227 . (45)مغامرة العقل الاولى ، السواح ، ص19 . (46)مجلة التراث الشعبي ، العدد 4/ 1975 ، بغداد ، ص178 إستعراض منير ياسين لكتاب ( مضمون الاسطورة في الفكر العربي ) د.خليل أحمد خليل . (47)الاساطير الاغريقية والرومانية ، ب كوملان ص5 . (48)مغامرة العقل الاولى ، السواح ، ص10 . (49)الاسطورة ، راثفين ، ص32 . (50)موسوعة أساطير العرب000 ، د. محمد عجينة ، ص42 . (51)الاسطورة والتراث ، د. سيد القمني ، ص24 . (52)الاسطورة ، راثفين ، ص 32 . (53) مجلة التراث الشعبي ، العدد الفصلي الثاني ، بغداد ،1989 . عرض قاسم خضير عباس لكتاب ( الاساطير وعلم الاجناس ) ص175 . (54)الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ص5 . (55)الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص70-71 . (56)الاناسة البنيانية ، ستروس ، ص227 . (57)لغة الشعر ، رجاء عبد ، ص297 . (58)الاسطورة في شعر السياب ،عبد الرضا علي ، ص14 . (59)الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص59-61 . (60)الاناسة البنيانية ، ستروس ، ص214-216 . (61)الاسطورة والمعنى ، السواح ، ص79 . (62)الاسطورة ، راثفين ، ص38-39 . (63)الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص 367 . (64)الاسطورة ، راثفين ، ص19 . (65)الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص378-390 . (66)مجلة التراث الشعبي ، العدد 4 / 1975 عرض منير ياسين لكتاب الدكتور خليل احمد خليل الموسوم ( مضمون الاسطورة في الفكر العربي ) وقد وردت افكار الدكتور في ص178 من كتابه .
ضرورة الاسطورة
لا شك في أن الفصول السابقة قد أوضحت جوانب متعددة من حاجة الانسان الى الاسطورة ، وقد تنوعت تلك الحاجة عبر السياق التاريخي لها .إلا إن هذا الفصل يتناول الضرورة بمفهوم فلسفي واصطلاحي أكثر عمقاً ، فلذا يقتضي المقام إيضاح المقصود بالضرورة هنا . إن كلمة (( الضرورة )) بمعناها اللغوي العام ، تعني اشتداد الحاجة الى شيء ما . هذه الحاجة قد تكون ناشئة -بعض الاحيان- عن رغبة إيجابية أو سلبية تتعلق بفرد أو مجموعة أو حالة لها مواصفاتها الخاصة . وقد يمكن أن تتحول الضرورة - بهذا المفهوم - الى لا ضرورة بفعل التوعية أو التقدم العلمي ، واكتشاف جوانب كانت خافية على المتهافت على الشيء الى حد الضرورة . وقد يحصل العكس ، حين نستطيع أن نحول ما يراه الاخرون غير ضروري الى ضروري بنفس الاسباب . الحالة نسبية ، ويمكن التحكم فيها وتغييرها - أحياناً- الى النقيض كما ذكرنا . ولكن لو سقطت بذرة سليمة لفاكهة ما ، في أرض خصبة ، وصادف سقوطها مطر مناسب ، واشرقت الشمس ، واستفادت البذرة من التربة والماء والضوء ، فلا محال أننا سنجد - بعد حين - ظهور نبتة . لم تكن هذه النبتة نتيجة رغبتنا أو بفعل رغبتنا ، أو استجابة لرغبتنا ، وإنما أحاطتها عوامل تحتم تحولها فتحولت . ألم يكتشف الانسان البدائي الزراعة بهذه الطريقة ؟ فالتفاعل بين التربة والمطر والضوء والبذرة عوامل أوجدت واقعاً نسميه بالواقع الموضوعي أو الظرف الموضوعي ، فهذا الواقع لم ينشأ إستجابة لرغبات أو وعي ، وإنما كانت هذه العوامل وتفاعلها خارج الرغبة وخارج الوعي . وتفاعل هذه العوامل المكونة للظرف أو الواقع الموضوعي يؤدي حتماً - أي بالضرورة - الى نمو النبتة . فقد ظهرت النبتة إستجابة لحاجة موضوعية ، إستجابة لزمان ومكان يحتويان عوامل معينة ، أي إستجابة ضمن الموقف أو السياق التاريخي . هذه الحالة تسمى إصطلاحاً ب((الضرورة الموضوعية أو الحتمية )) . والرغبة والوعي والتقدم العلمي قد تؤثر في الظرف الموضوعي ، فالرغبة والوعي تحولان العمل الزراعي الى قيمة ، وإتحاد الرغبة والوعي مع التقدم التكنولوجي يؤدي الى إيجاد وسائل - بعد التجارب - أفضل لانتاج أكثر وأحسن وأقل نفقات مثلاً ، وهذا ما تفعله المكننة الآن في الزراعة الحديثة . وقد توفر المكننة الماء عن طريق الانهر الاصطناعية أو الآبار بدلاً من الاعتماد الكلي على المطر ، وقد تنقل تربة من مكان لآخر ، وقد تزداد خصوبة التربة بالتسميد مثلاً وقد يستعان بالضوء الكهربائي لتحقيق عملية التركيب الضوئي ، كما هي الحال في الزراعة المغطاة ، ولكن ، لا يمكن الاستغناء عن التربة والماء والضوء والبذور - تلك العوامل الموضوعية - لايجاد واقع يهييء للنبتة النمو . صحيح إن الرغبة والوعي والتقدم قد تحولت الى أجزاء من الواقع ولكن صار الواقع الموضوعي الجديد يعبر عن حالة أرقى في السياق التاريخي . يمكن تطبيق هذا المثال في مجالات شتى في حياتنا الاجتماعية والروحية والاقتصادية والثقافية . بهذا المفهوم للضرورة والحتمية التاريخية نتناول ضرورة الاسطورة في هذا الفصل . فالاسطورة لم تنشأ عن رغبة مجردة ولدت من فراغ ، وإنما كانت إستجابة لحاجة موضوعية ، تضافرت في إيجادها عوامل متنوعة ومتفاعلة ، على نحو جدلي فكل عامل يؤثر ويتأثر ونتيجة التفاعل بين طبيعة والانسان ، وطبيعة الحياة ، وتأثر حياة الانسان بالزمان والمكان وشراكته مع أبناء جلدته ، ظهرت الاسطورة ، بل إن تلك العوامل صاغت طبيعة الاسطورة التي صارت جزءً من الواقع ، لا منعزلاً عنه . إننا لا نستطيع أن نفهم الضرورة للاسطورة خارج الزمان والمكان ، فهي ليست حالة جامدة ولا مجردة ولا معزولة عن تأثيرات التطور في حياة الانسان والحياة ، فلذا ينبغي أن نهتم بعامل الزمن فنبحث في الضرورة على النحو التالي : 1- ضرورة الاسطورة قديما المقصود بكلمة (( قديماً )) المرحلة التي مرت بها البشرية قبل التمدن .فقد وجد الانسان في الظواهر الطبيعية ما يثير غرائزه خوفاً أو حباً أو إنبهاراً ، وجد الكواكب المضيئة ، القمر المنير ، الشمس الوهاجة ، تمنحه نوراً ودفئاً ، المطر ، الريح ، سمع الرعد المجلجل بصوته ، البرق الذي كان يوخزعينيه ورأسه . تلك العوامل الموضوعية - الخارجة عن رغبته وارادته في حدوثها - كانت تحفز عضلات المخ لتتحرك ، ويحاول جاهداً إيجاد العلاقات بين العلة والمعلول ، كيف تكونت هذه الدنيا ؟ ولكن قصور معلوماته عن طبيعة الاشياء أثار خياله الذي إستعان بالخرافة ، وسيلة للتوازن وهو يحاول تبسيط الاسباب للاقتناع بها ، والحصول على إجابات عن أسئلته الملحة ، فظهرت بدايات اساطير التكوين في عقول الافراد . وحين كان المطر أو الريح أو الرعد أو البرق مثلاً يحمل الانسان الى الكهف خوفاً ، كان الصمت والوحدة والظلام تحفز هواجسه ، فيسمع اللامسموع ، ويرى اللامرئي، وقد يرسم الحيوانات التي يصطادها ليعيش على لحومها ،كان يرسمها لاسباب مختلفة منها : إعتقاده بأن تلك الرسوم ستكون له عوناً على اصطيادها ، وربما كان يعتقد أن رسومها ستجعلها تتكاثر في الطبيعة ، ولن تندثر ، فلذا صارت الكهوف كتباً مفتوحة أمام التاريخ .(1) إن ذلك لم يلغ - في نفس الوقت - إنشغال الانسان بالمطر والريح 000 الخ . إنها قوى خارقة ، لا يستطيع تجاوزها ، فما عليه إذن الا أن يروضها عن طريق الاسترضاء لاستجلاب خيرها ولدرأ أخطارها . إن طبيعة العقل البشري آنذاك ، لم يستطيع ادراك المجردات ، فلذا حاول أن يرسم في ذهنه إلها مجسداً لكل ظاهرة ، وخلط بين قدراته الخارقة التي يعجز عنها الانسان الاعتيادي وبين صفات البشر ، فالآلهة تحب وتكره ، تمنح وتحاول الانتقام 000 الخ فصار الانسان يقوم ببعض الحركات التي تعبر عن خضوعه بالاضافة الى تقديم النذور . من هنا نشأت الفكرة القائلة إن الالهة كانت في أصلها طائفة من الملوك ، بلغوا من القوة والتأثير شأواً جعل الناس يتجاوزون بهم عالم الواقع الى عالم الخوارق ثم يؤلهونهم .(2) فمرحلة الصيد كانت - ربما - سبباً في تجمع بعض الافراد ، وكانت المجموعة قليلة حتماً ، لم تبلغ ما بلغته في التمدن . وحين يتجمع الافراد ، فلابد أن تظهر الفروق الفردية ، ولابد من تفوق أحدهم أو بعضهم ، فظهرت فكرة القيادة أو الزعامة للمجموعة ، وبمرور الايام ، صار الخيال اللعوب يضفي على هذا المتميز من الصفات ما لا يمتلك . ربما كانت هذه هي الفكرة لظهور الملوك في مرحلة لاحقة ، ثم ظهرت من الصفات الخارقة لهم لاحقاً ما جعل الناس يؤلهونهم . ونحن نخطيء أفدح الخطأ ، إذا سخرنا من إعتقاد الانسان الاول بالخرافات أو سعيه لترويض الطبيعة عن طريق المحاكاة والتقليد . فهو المبتديء في ملاحظة قوانين الطبيعة واكتشاف العلة والمعلول 00 ولا شك في أنه وصل الى نتائج خاطئة لا تقع تحت حصر .(3) وبذا تكون الاسطورة شهادات غير متوقعة حول حالات منسية 000 إنها وسيلة نقصٍ ثمينة .(4)إنها تعيدنا الى الزمن الذي كان العالم فتياً00 ولم يكن ثمة فرق كبير بين الواقعي وغير الواقعي . كان الخيال منتعشاً ، ولم يكن العقل أخضعه .(5) وهكذا زرعت البذور الاولى لتكوين الفكر الاسطوري الذي صار يمتاز بالجمعية ، وبخاصة بعد أن إستطاع الانسان أن يموضع بعض أفكاره عن طريق كلمات أو حركات تموضع الافكار على نحو ما . وحين إكتشف الانسان الزراعة ، ودخل مرحلة التمدن ، وقطع الانسان بحكم ضرورة التجمع مراحل واسعة في موضعة أفكاره في اللغة التي ظلت ولمدة طويلة ، تفيد مفرداتها مدلولات مادية ، حسية ، أي لم يتطرق لها الاستعمال المجازي ، أي لم تتولد ظلال للكلمات ، لم يعد الانسان مشغولاً بالظواهر الكونية فحسب ، وإنما إنتبه الى وجوده الاجتماعي ، وحاجاته الاقتصادية والثقافية ، وتولدت لديه النظرة الجمالية للاشياء بالاضافة الى مدلولاتها المادية . كل ذلك حفزت - وبقوة - التفكير في مسائل تكمن في الطبيعة البشرية ، فصار المتمدن - نسبياً - يفكر بأن (( يكون أكثر من مجرد كيانه الفردي )).(6) وصار يطمح أن يعيش ضمن عالم مفهوم ، مرتب ، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته الاولى مع الطبيعة . إن الاسطورة تعطينا ذلك الاحساس بالوحدة ، الوحدة بين المنظور والغيبي ، بين الحي والجامد ، بين الانسان وبقية مظاهر الحياة . والنظام الذي تخلقه الاسطورة فيما حولها ، ليس نظام العقل المتعالي الذي يجعل الانسان خارج العالم ، ثم يفسره عن بعد ، وكأنه شيء غريب ، بل هو نظام الانسان المتعدد الابعاد الذي لا يستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره .(7) وبقيت الظواهر الطبيعية - نتيجة نقص المعلومات الفيزياوية عنها عند الانسان حينذاك - مصدر رعب يحاول أن يروضها . هذه المرحلة - بعد التمدن - صارت محاولة ترويضها جماعية ، فظهرت الطقوس ، وتكونت من حركات إيقاعية وأناشيد ، وكانت تلك الطقوس وسيلة لوحدة الشعور والانفعال عند المتجمعين ، المتضرعين الى الالهة لاسترضائها ، لانه في الطقوس تذوب الفروق بين الافراد ، ويتحولون الى كل لا متمايز . فالانسان عندما يقوم بأي طقس أو مراسم دينية ، فانه لا يكون في حالة تفكير أو تأمل أو مستغرقاً في تحليل الظواهر الطبيعية ، فهو يستغرق في هذه الحالة عند الانفعال والشعور ، لا في حالة التأمل ، ولذا يتضح أن الطقوس عنصر عميق باق في حياة الناس الدينية أكثر من الاسطورة ، وكما يقول العالم الفرنسي دوتيه : (( بينما تتغير المعتقدات ، تظل الطقوس سائدة ، مثل بقايا الحيوانات الرخوية التي تساعدنا على تحديد العصور الجيولوجية )) . (8) وقد مر بنا أن الاسطورة تلازم الطقوس أو أنها تشكل جانباً منها وبذا تستطيع تحقيق وحدة في الشعور ، كما يمنحنا الفن وحدة في الحواس ويزودنا العلم بوحدة في الفكر .(9) وفي حياة الانسان بعد التمدن ، شغلته مسألة أخلاقية كبرى ، وهي اذا تعذر على الانسان نوال الحياة الخالدة ، فما ينبغي أن يسلك في هذه الحياة ؟ (10) وهكذا أصبح الانسان في المدينة مشدوداً الىمسائل مصيرية مثل الموت والحياة ، هذه المسألة التي كانت سبباً أساساً في تطور البشرية وتقدمها . لقد كان تقبل العقل البدائي للموت أمراً عسيراً ، فلم يكن من المستطاع إقناعه بتقبل فكرة القضاء على وجوده الشخصي كظاهرة طبيعية ، لا مناص من حدوثها ، هذه الحقيقة هي نفس الحقيقة التي أنكرتها الاسطورة ، وحاولت القضاء عليها ، فلقد بينت أن الموت لا يعني فناء الحياة الانسانية . وكل ما يعنيه هو تغير في صور الحياة ، أي حلول صورة من صور الوجود محل صورة أخرى ، ولا وجود لحد فاصل واضح بين الحياة والموت . فان الحد الذي يفصل بينهما مبهم غير واضح ، بل يمكن إحلال كل من الكلمتين ( الحياة والموت ) محل الاخرى . فأوربيد يتساءل :(( الا يحتمل أن تكون الحياة هنا هي الموت بالفعل وأن يكون الموت بدوره الحياة ؟)) إن سر الموت قد تحول في الفكر الاسطوري الى صورة ، ولم يعد الموت - نتيجة لهذا - حقيقة مادية غير محتمل ، بل أصبح شيئاً مفهوماً يمكن احتماله ، فلذا يقول أشيل لاوديسوس : (( لا تحاول تفسير الموت لي )) (11) لان الاسطورة قد فسرت ذلك . وبذا صارت الاسطورة (( منهجاً للتفكير ، ومن خلالها يحلون مشكلة الموت بوجود بعث الحياة والضعف البشري بوجود الالهة المتعددة التي تحولت الى بشر )) .(12) لقد تحولت الاساطير الى معادل موضوعي لترميز الافعال والمشاعر الجماعية ، وأوجدت الروابط العاطفية لا العلية فقط بين الناس . فابناء إحدى قرى الداياك مثلاً ، وحين يتوجه أحد أبنائها الى الصيد في الغابة ، يتحتم على سائر أبناء الدار ، عدم لمس أي زيت أو ماء بأيديهم ، إذ يؤذي القيام بذلك الى لزوجة أصابع الصيادين مما يساعد على إنسلال الفريسة من أيديهم ، هذه القصة ينقلها كاسيرر عن الغصن الذهبي في الجزء الاول من (( فن السحر )) لفريزر ، ويعقب عليها قائلاً : فهذه الرابطة رابطة عاطفية ، وليست عليه ، فما يهم هنا ليس العلاقات التجريبية بين العلل والمعلولات ، ولكنه الشعور بالعلاقات الانسانية في شدتها وعمقها .(13) واستفاد الانسان من الاسطورة وسيلة علاجية تسهل عملية الولادة مثلاً ، كما إتخذها وسيلة تفسيرية ، تعليلية تعيده الى حالة التوازن فيتخلص من أسئلة تقلقه . واستعان الفلاسفة بها ، حين بلغ المنطق ذروته ، وسيلة تعليمية ، تربوية كما فعلها إفلاطون وإبن الطفيل في قصة حي بن يقظان ، وهكذا تكوّن لدى الانسان تاريخ يشترك فيه الجنس البشري ، (( وتكونت النماذج العليا في أعمق مناطق اللاشعور ، بل صارت تلك النماذج وراثية في عهود الانسانية الاولى )) كما قال يونغ .(14) وصارت الاساطير تضطلع بدور كبير ، لا يتمثل في تفسير الظواهر الطبيعية أو في حالة الاجابة عن فضول علمي أو فلسفي أو غيره بقدرما يتمثل في إرساء دعائم المعتقد والممارسات المشكلة لاسس التنظيم الاجتماعي كما يرى مالينوفسكي 1884 - 1942 .(15) فلذا صارت ضرورة من الضرورات الحتمية لقراءة التاريخ على نحو علمي . فان قراءة التاريخ القديم دون الاسطورة ، أمر غير تام العلمية باحتساب الاسطورة السجل الامثل للفكر وواقعه في مراحله الابتدائية ، عندما كان الانسان يحاول تفسير الوجود من حوله ، ويحاول قراءة الواقع الاجتماعي وتغييره . هذا بالطبع ما تنقله لنا الاسطورة من بصمات وإنطباعات النفس الجماعية . فهي تسجيل للوعي الانساني واللاوعي في آن معاً. وقد ظهرت إستجابة لحاجة مادية موضوعية وطبيعية ملحة مما يشير أن بدايتها سابقة لطور تقسيم العمل ونشوء الطبقة .(16) 2-ضرورة الاسطورة حديثاً تتضمن الاساطير الكثير من الخرافة ، واللامنطق ، واللامعقول واللازمكان كما يقول الدكتور أحمد كمال زكي ، فكيف وجدت هذه النصوص اللاعقلانية لها طريقاً الى معتقدات الناس لمخيلاتهم ؟ (17) ولماذا صار بالامكان إضعاف الاسطورة ، ولكن يصعب خنق أنفاسها بالكفر بها ؟ (18) ولماذا تمتاز الاسطورة القديمة بقابلية النمو ثانية لو حالفت الوجدان الحقيقي كما يقول وردزورث(19) . ولماذا يفرض كل عنصر قديم نفسه وتأثيره على الجماهير بقدر لا يقاوم ولا يقف أمامه أي اعتراض ؟ (20) وإذا كانت الاسطورة أوهاماً ، فلماذا يتعلق بها الناس ؟ فلماذا لا ينظرون الى عالم الاشياء نظرة مباشرة ويرونها وجهاً لوجه ؟ (21) ولماذا بقيت ملحمة جلجامش ذات جاذبية إنسانية خالدة مع أنها قد دونت قبل أربعة آلاف عام ، وترجع حقيقة حدوثها الى أزمان أخرى أبعد ؟ (22) ولماذا تمتزج الاسطورة بالحياة اليومية المعاصرة ، حين نجد صور أشيل وأوليس محفورة على أباريق وكؤوس وأوعية مختلفة عند اليونان ؟(23) ولماذا تبقى سطوة الاسطورة في دولة العلم العالمية التي نعيشها اليوم ؟(24) ولماذا لجأت أوربا الغربية الى الاسطورة لتخفي مشكلاتها الواقعية ؟(25) يشير بيار غريمال الى أن الاقدمين أنفسهم قد طرحوا جوهر هذه الاسئلة ، وحاولوا البحث عن تفسير الاساطير ، ولكن تفسيراتهم تبقى بغير أهمية في رأيه ، كما لا يمكن اليوم الاعتقاد على صعيد الفكر العلمي ، بأن الآلهة الوثنيين إختراع شيطاني لعقول خبيثة .ومن جهة أخرى الاقرار ( كما عند فلاسفة القرن الثامن عشر في الغرب ) أن في وسع المخيلة البشرية إفراز هذيان كثير ، حيث هي ليست تحت سلطة العقل والمنطق ، هو رفض المسألة ككل ، وانكار ومضة الجنون الهاذي الذي هو واقع يحتاج بدوره الى تفسير .(26) إن الاجابة عن هذه المجموعة من التساؤلات ، لا يمكن أن تختصر في جملة أو فقرة متكونة من عدة جمل ، كما لا يمكن أن يصدر الجواب من طرف واحد فهنالك عدة جوانب بينها علاقات جدلية ، وضمن السياق التاريخي لها تسهم في الاقتراب من الاجابة عن جوهر هذه الاسئلة . علينا أن نطلع على جوانب مهمة من الطبيعة البشرية ، وبخاصة الجانب السايكولوجي ، وعلينا أن نطلع على طبيعة الاسطورة نفسها وقدراتها الفنية والفكرية على أن يتم ذلك في سياق تاريخي ، تتفاعل فيه الاطراف لتكون واقعاً موضوعياً لم ينشأ بفعل الرغبة المحضة ، وإنما استجابة للضرورة الموضوعية التي شرحناها ببساطة في مثال البذرة التي سقطت في تربة خصبة وجاد عليها المطر ، ومنحتها الشمس ضوءً وتضافرت تلك العوامل مع طبيعة البذرة فتحولت نوعياً، وصارت نباتاً . ففي مجال الانسان - موجد الاسطورة والمحتاج اليها على مدى الدهر -ينبغي لنا الاطلاع على ما يلي : 1- الانسان اجتماعي بطبعه ، أي خلق الانسان إجتماعياً ، هذه حقيقة علمية صار لا يختلف فيها إثنان ، فلذلك (( أصبح من الجلي أن يطمح الى أن يكون أكثر من مجرد كيانه الفردي ، فهو لا يكتفي بان يكون فرداً منعزلاً ، بل يسعى الى الخروج من جزئية حياته الى كلية يرجوها ويتطلبها )) (27) أو على حد تعبير كاسيرر : (إن الانسان يسعى الى التحرر من ربقة فرديته والانغمار في تيار الحياة الكلية . إنه يرغب في فقدان ذاته والفناء في الطبيعة في جملتها .)(28) فلننظر حولنا ملايين من الناس لا حصر لهم يقرأون ، ويسمعون الموسيقى ، ويشهدون المسرح ، ويرتادون السينما . لماذا ؟ إذا قلنا إنهم يبحثون عن الراحة والمتعة وفراغ البال ، لا نكون قد أجبنا عن السؤال . إذ سنسأل مرة أخرى ، لماذا نشعر بالراحة والمتعة وفراغ البال عندما نغرق أنفسنا في حياة غيرنا ومشاكلهم ، عندما نبحث عن أنفسنا في لوحة رسام أو قطعة موسيقى أو إحدى شخصيات رواية أو مسرحية أو فيلم ؟ لماذا يخيل الينا أن هذا (( اللاواقع ))انما هو (( واقع مركز )) ؟ وما هذه المتعة الغريبة المبهمة ؟ وإذا أجبنا بأننا نسعى الى الفرار من وجود لا يرضينا الى وجود أغنى ، وإننا نريد أن نكتسب خبرة دون أن نتعرض لمخاطرها ، فعندئذٍينشأ السؤال التالي :ولماذا لا يكفينا وجودنا ؟ ما مصدر هذه الرغبة في تحقيق حياتناالتي لم تتحقق من خلال الشخصيات الاخرى ، والاشكال الاخرى ، من خلال التطلع من الصالة المظلمة الى المسرح المضاء ، والذي تدور فوقه أشياء ، نعرف أنها مجرد تمثيل ، ومع ذلك تستغرق كياننا كله ؟ (29) والاسطورة - باعتبارها فناً - كانت من جملة الاجابات عن الضرورة الاجتماعية للانسان .(30) 2- إستحالة إشباع حاجات الفرد كما يقول البروفيسور كارفر فالانسان وحده هو الكائن الذي لا يقنع بما هو موجود ، أو بما هو واقعي محض أو عقلاني محض ، فينشيء الرموز والانظمة الرمزية إعراباً منه عن توقه الابدي الى آفاق أخرى ، غير التي يقع عليها من الحس والادراك ، والى نزوعه الى أن يصنع عالماً معبراً عنه الا أنه لا يستوي وإياه ، فاذا هو يطمح الى تجاوزه باستمرار .(31)وفي الاسطورة نزوع الى تجاوز العلاقات والنسب وردود الافعال العادية للحياة ، أي أن لها منطقاً يختلف عن المنطق العادي .(32) 3- النزعة اللاعقلانية أو النزوع الاسطوري المتجذر في السيكولوجية الفردية والجمعية .(33) فنحن نحتفظ داخل نفوسنا بأشياء قديمة ، يبدو أن الزمن عفا عليها ، على حين أنها تحدث فينا أثرها ، وذلك دون أن ندرك ، ثم نجدها على حين غرة قد طفت على السطح .(34) ففي أعمق مناطق اللاشعور تكمن صور يشترك فيها الجنس البشري ، وهي في أصلها ترجع الى أقدم عهود الانسانية ، يسميها يونغ بالنماذج العليا ، وهي وراثية انسانية من عهود الانسانية الاولى . وهي تغذي الفن والشعر وتنعكس في المنطقة العليا من الفكر . وفيها تتجلى آثار غريزية عامة تتأثر بها الانسانية كلها وتستجيب له .(35) إن العلم بقوانينه ، وذهنيته ومنطقه ، يجعل من الحقائق مجردات لا تفي فيما يبدو حاجة الانسان كلياً ، ولا تقضي على الناحية اللاعقلانية فيه . بينما الاساطير ، باشخاصها وحركتها ، تجسد نواحي نفسية عميقة الجذور في الانسان ، وعظيمة الخطر في حياته . لقد غدت الاساطير مع الزمن رموزاً لتجربة الانسان الاولى للحياة ، هذه التجربة الطويلة التي رسيت الى أعماق اللاوعي الجماعي عند كل واحد منا . وما عشقنا القصص والافلام الا ضرب من العودة الى هذه الاساطير واستثارتها ، لتجسد لنا كل مرة ذكرياتنا الغسقية ومعضلاتنا الابدية في أنماط ، تدنينا من فهم الحياة .(36) 4- حاجة الانسان الروحية الى الفن والادب وتوأمة الاسطورة لهما . فالفن لازم للانسان حتى يفهم العالم ويغيره ، بل ليجعله أكثر إنسانية كما يقول فيشر . وقد تم شرح ذلك مفصلاًفي فصل (( الاسطورة والادب )) أما الاسطورة فانها تمتلك قدرات هائلة ، تلبي حاجات الانسان ، تلك القدرات تتأتى من : أ- الطاقة التخيلية التي تكتنزها الاسطورة تتيح التأسيس لبؤرة في العلاقات الانسانية تتخطى برودة التقنية ، إضافة الى ما تولده في الانسان القدرة على الاستباق والاستشراف . ب- إن لغتها الرمزية تمنحها المقدرة الفائقة عن الافصاح عن مكنونات النفس البشرية ، وعن عالم الافكار المجردة ، تعجز عنها اللغة المحكية . فهي قادرة بهذه اللغة على ترجمة اللامعقول واللامفهوم الى صور ناطقة مفعمة بالحياة صارخة بالاحداث .(37) لقد أوضح ستروس ثلاث صفات تتميز بها لغة الاسطورة تجعلها بنية دائمة ، وهذه البنية تتعلق بالماضي والحاضر والمستقبل في آن معاً . فالاسطورة جزءلا يتجزأ من اللغة وإنما نعرفها من الحكي ، بحكم إنتمائها الى الحديث والخطاب . فاللغة نظام ، والنظام قابل للاسترجاع بينما لا يكون الحكي ( الكلام الملفوظ ضمن السياق التاريخي ) قابلاً للاسترجاع فالاسطورة تقع داخل الكلام وخارجه في آن معاً وهي بهذا تحقق البنية الدائمة ، أي المطلقة . ويستعين بالثورة الفرنسية مثالاً توضيحياً وبقول المفكر السياسي والمؤرخ ميشليه - وهو فرنسي - حين يقول إنه في يوم الثورة بات كل شيء ممكناً ، صار المستقبل حاضراً 00 أي لم يعد ثمة زمان ، ومضة من ومضات الخلود . إن هذه البنية المزدوجة التي هي تاريخية وخارج التاريخ في آن معاً ، تفسر كيف أن الاسطورة باستطاعتها أن تنتمي في الوقت نفسه الى حقل الحكي ( غير القابل للاسترجاع ) والى حقل اللغة ( القابلة للاسترجاع ) فضلاً عن إتصافها على صعيد ثالث بصفة الشيء المطلق .(38) واللغة في استعمالها اليومي المعتاد ، تفقد بالضرورة تأثيرها ، وتشحب نضارتها . ومن هنا يكون إستعمال الرمز الاسطوري أو الاسطورة الرامزة بمثابة منجاة للاداء اللغوي يستبصر فيه صاحبه بواسطة التشكيلات الرمزية إمكانات خلق لغة تتعدى وتتجاوز اللغة نفسها .(39) ت- الشمولية : من خلال الاسطورة نجد العالم يتكلم ، وكلما إزداد الرمز عمقاً، كلما كان أقرب للعالمية والشمول الانساني .(40) فهي نمط من أنماط التعبير غير المباشر ( نسيج وحده ) ولا يمكن الاستعاضة عنه بسواه ، فهو رؤية أخرى للواقع ، بل ربما بناء لواقع مقابل له يصل الحاضر بالماضي والمستقبل ، فالخطاب الاسطوري يشكل رؤية للكون ، بدءً ونهاية ، أطارها مطلق الزمان .(41) لقد بقيت ملحمة جلجامش ذات جاذبية إنسانية خالدة في جميع الازمان والامكنة ، لان القضايا التي أثارتها وعالجتها ، لا تزال تشغل الانسان وتفكيره ، وتؤثر في حياته العاطفية والفكرية مما يجعل مواقفها مثيرة تأسر القلوب .(42) إنها تبحث في القضايا الكبرى غير القابلة للانتهاء . إنها تبحث في البدايات والغايات كما يقول السواح وتجعلها هماً أساسيا من همومها .(43) ث- إنها تجعلنا بتماس مع منابع إنسانيتنا .(44) والفنان إستثنائي كما يقول هربرت ريد .(45) والاسطورة تستطيع أن ترفع الانسان من التمزق والتشتت الى الوحدة والتكامل .(46) إن الفن يعيدنا الى الطبيعة ، ويعيد وحدتنا معها ككائنات طبيعانية بالدرجة الاولى ، ويرجع الينا ذلك الحدس الخلاق والادراك الباطني المدهش ، والرائع ، والفائق ، والمقدس ، وإن الفن الذي لا يصدر عن مثل هذا النزوع الميثولوجي المتأصل في النفس ، هو فقط فن الحواسيب الفائقة التي تقوم الآن بعدد لا يحصى من المهام الابداعية .(47) ومن هنا نفهم قلق فردريك شليكل من نظم شعر حديث متكسر ، ونفهم مطالبته بخلق اسطورة جديدة ، توحد الادب الحديث بمثل ما كانت الاسطورة الكلاسيكية توحد أدب القدامى .(48) ج- إنها مرشد حقيقي لفهم سلوكنا اليومي . فالحدث الاسطوري الذي كان يوماً ما حقيقة واقعة ، يعيد نفسه على شكل مسلمات ليس في وقتنا الحاضر فقط ، بل في المستقبل أيضاً 000 لحفظ التوازن والاستقرار في النفوس المضطربة تجاه الاخطار اليومية لوجود إنساننا المعاصر .(49) وما زالت الاسطورة في بعض الاماكن وفي عصرنا هذا ، تضطلع في المجتمعات الهمجية بدور كبير ، مثلما رأى مالينوفسكي وغيره رأي العين ، حين زاروا تلك المجتمعات واكتشفوا أنها تؤدي دوراً كبيراً ، مثلما كان الشأن بالنسبة الى الحضارات القديمة .(50) أما ضمن السياق التاريخي للانسان وتمدنه ، فإن المدينة الجديدة ، وظهور الطبقات فيها أوجدت علاقات إنتاجية جديدة جعلت الكثير من بني البشر يعانون من الغربة والشعور بالضياع ، ووجدوا في الاسطورة مخرجاً نفسياً تجاه قلق الانسان وحيرته وتمزقه بالتفريغ العصبي عن طريقها مستفيدين من طاقتها التخيلية الهائلة ، وفي زمن مطلق . إن الواقع الذي لم يعد سهلاً في مواجهته ، أو أن التعبير المباشر عنه عاد مزرياً أوغير مؤثر ، خلق ضرورة التخفي وراء الاسطورة عند الكثير من المبدعين لاسباب فنية أو لدرء الاخطار عن أنفسهم . لقد صارت الاسطورة اسلوباً جديداً لنضال الانسان في مجتمعه القاسي الجديد ، فعلى سبيل المثال ، فان الاسطورة عند إليوت ، جادت عليه برموز تخطت كل العصور ، وجعلها كشفاً عن أزمة إنهيار القيم في أرضه الخراب .(51) كما أن مصلحة الطبقات المستفيدة والمستأثرة بالثروة والقوة في العالم الجديد هذا ، دفعها الى تشجيع الادباء على اللجوء الى الاسطورة وسيلة للتعمية خدمة لمصالحها ، حتى يتجنبوا إتخاذ موقف إزاء المسائل الاجتماعية الجوهرية فهم يحولون الاوضاع والظواهر الاجتماعية ، والمتناقضات الواقعية في هذا العصر الى شيء بعيد عن الواقع ، غير مرتبط بزمان ، يصورونها على أنها (( الحالة الأصلية للأشياء )) (( الحالة الخالدة الغامضة التي لا تتغير ، وهم يزيفون الطبيعة المحدودة للّحظة التاريخية فتغدو فكرة عامة تسمى الوجود .)) (52) أما لجوء أوربا الغربية الى عصر ما قبل التاريخ ، وما عرفه من خوارق ، ولجوءها الى تأليف الاساطير الزائفة لتخفي وراءها مشكلاتها الواقعية ، مثل هذه الضرورة سنفصل القول فيها في الفصل الخاص بالاسطورة السياسية وصدق أرتشيبولد مكليش في قوله : (( عندما تعالج مسائل أكبر من طاقتك ، ولكنها مع ذلك تلح عليك فانك مضطر الى أن تؤويها في مكان ما ، وإذا وجدت جداراً قديماً كان فيه عون لك .))(53) إن هذا القول يمكن أن يستفاد منه في الحالتين : السلبية والايجابية ، وإن كان الناقد يقصد الفنان المبدع الايجابي حين أطلق هذه العبارة . فقد أراد أن يوضح كيف يمكن للمبدع أن يستفيد من الاسطورة إسلوباً رمزياً أو معادلاً موضوعياً لافكار كبيرة ، ليجعلها أكثر عمقاً وتأثيراً في نفوس المتلقين بامتلاكها أسلوباً جذاباً يأسر القلوب لما يتضمنه من ظلال ساحرة تدغدغ النزوع الاسطوري المتجذر في السيكولوجية الفردية والجمعية . الهوامش والمراجع (1) آفاق الفن ، الكسندر اليوت ، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا ، ص115-116. (2) موسوعة الاداب والفنون الشعبية - مجلة الهلال المصرية يوليو68 ص116. (3) الاشتراكية والفن ، آرنست فيشر ، ص59 . (4) الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ص13 . (5) الميثولوجيا ، أديث هاملتون ، ص11-12 . (6) ضرورة الفن ، آرنست فيشر ، ص8 . (7) الاسطورة والمعنى ، فراس السواح ، ص21 . (8) الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص43 . (9) نفس المصدر ، ص59 . (10) ملحمة جلجامش - طه باقر- ط2 ، وزارة الاعلام ، بغداد،ص1-3. (11) الدولة والاسطورة ، كاسيرر ، ص43 . (12) الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر ، د. عبد الحميد جيده ، ص105 . (13) الدولة |