|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
2 نيسان 2005 |
|
تاملات في الفكر الشيعي - نقد ذاتي موضوعي / 1 كتابات - باسم البركات لفي مناظرة تلفزيونية بين الداعية الاسلامي احمد ديدات والمفكر المسيحي جيمي سواغرت، كنا نحرص على سرية تداولها وكانها منشورات سرية ايام حكم النظام البائد يتفق الطرفان على ان البرهنة على وجود ولو كلمة واحدة في الانجيل ليست من كلمات الله تكفي للتشكيك بقدسيته وهذا منطقي. وكان قبول المفكر المسيحي للبحث في قدسية الانجيل في تلك المناظرة نابع من الاطمئنان المطلق بسلامة العقائد المسيحية، وقدسية الانجيل التي التناقضات التي يطرحها القرأن الكريم حسب ظنه. وهذا الاطمئنان ذاته الذي كرس الافكار التكفيرية في الفكر الاسلامي دون ان يستثني طائفة بعينها. وهذا ما دفعني إلى مراجعة الفكر الشيعي متجاوزا الاستسلام للطمأنينة التي يمنحها قبول المتداول من "الحقائق" الدينية. وقبل ان ابدأ مناقشة العقائد والنصوص المثيرة للجدل، لابد ان نقر ان اقتراح السيد حسين شرف الدين العاملي بالاستناد على نصوص سنية للبرهنة على سلامة الفكر الشيعي في رسائلة إلى المفكر السني العلامة سليم البشري منطقي ومشجع. ومن هنا يمكن ان نبدا مناقشة العقائد دون الرجوع إلى مصادر غير الشيعة ولنرى اذا ما تمكنت تلك العقائد من البقاء في ذات الموقع من المنطق.
تحديد المنهج والبحث في صلاحيته
بسم الله الرحمن الرحيم "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجـدنا آباءنا لها عابدين * قال لقد كنتم انتم وآباؤكم في ضلال مبين"*. سورة الأنبياء : الآيات 51-54 لقد تمكنت السنين الطويلة التي تفصلنا عن الصادع بالوحي من تغيير عقائدنا بدرجة أقل من التحول في عقائد قوم إبراهيم ( ع ) ، والأنبياء الذين سبقوه وحتى الذين أرسلوا بعده ، وهذا ما أوجب إرسال الرسل لتلك الأقـوام بينما انتفت الحاجة إلـى رسول بعد خاتم الأنبياء محمد ( ص ) لحفظ القرآن من التحـريف ، وإجماع المسـلمين على الإقرار بذلك ، هذا بالإضافة إلى أن المسلمين قادرين على تجاوز ذلك الانحراف من خلال العودة إلى القرآن الكريم . وكما تبين لنا الآيات السابقة فإن تبني عقائـد الآبـاء قبل البحث في صحتها من الأمور التي نهانا عنها الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد حتـى وإن كانت تلك العقائد الصراط المستقيم . ومن هنا قررت أن أضع منهجا للبحث عن منفذ يخرجني من متاهة الانقسامات الطائفية التـي شلت المسلمين قرونا وأخرت نمو هذا الدين الرائع الذي غير وجه العالم في فترة قياسية . وكان من دواعي سروري وابتهاجي أن أجد ما يؤيد هذا المنهج في عقائد الإمامية ، ولعل التشابه بين منهجنا وعقيدة الامامية في النظـر والمعرفة هو الذي شجعني على تجاوز التردد في تدوين ما بيـن يديك أخي القـارئ الكريم . وقبل أن نطرح منهجنا للمناقشة نورد النص الكامل لعقيدة الامامية في النظر والمعرفة حسب ما جاء في كتاب الشيخ محمد رضا المظفر "عقائد الامامية" . نعتقد إن الله تعالى لما منحنا قوة التفكير ووهب لنا قوة العقل ، أمرنا أن نتفكر في خلقه وفي آثار صنعه ، ونتـدبر في حكمته وإتقان تدبيره ، وفي آياته ، وفـي الآفـاق ، وفـي أنفسـنا ؛ قال تعالـى: ( سنريهم آياتنـا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ) . وقد ذم المقلدين لآبائهم بقوله تعالى : ( قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمـون شيئا ) . كما ذم من يتبع ظنونه ورجمه بالغيب فقال : ( إن يتبعون إلا الظن ) . وفي الحقيقة إن الذي نعتقده إن عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق ومعرفة خالق الكـون ، كما فرضت علينا النظر في دعوى من النبوة وفي معجزته . ولا يصح عندها تقليد الغير في ذلك مهما كان ذلك الغير منزلة وخـطرا . وما جاء في القرآن الكريم من الحث على التفكير وإتباع العلم والمعرفة فإنما جاء مقررا لهذه الحرية الفطرية في العقول التي تطابقت عليها آراء العقلاء، وجاء منبها للنفوس على ما جبلـت عليه من الاستعداد للمعرفة والتفـكير ، ومفتحا للأذهان وموجها لها على ما تقتضيه طبيعة العقول . فلا يصح _ والحال هذه _ أن يهمل الإنسان نفسه في الأمور الاعتقادية أو يتكل على تقليد المربين أو أي أشخاص آخرين ، بل يجب عليه بحسـب الفطرة العقلية المؤيدة بالنصوص القرآنية أن يفحص ويتأمل وينظر ويتدبر في أصول اعتقاداته المسماة بأصول الدين التي أهمها : التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد. ومن قلد آباءه أو نحوهم في اعتقاده هذه الأصول فقد ارتكب شططا وزاغ عن الصراط المستقيم، ولا يكون معذورا أبدا . وبالاختصار عندنا هنا ادعاءان : ( الأول ) وجوب النظر والمعـرفة في أصول العقائد ولا يجوز تقليد الغير فيها . (1) ( والثاني ) إن هذا وجوب عقلي قبل أن يكون وجوبا شرعيا، أي لا يستقي علمه من النصوص الدينية وإن كان يصح ان يكون مؤيدا بها بعد دلالة العقل . وليس معنى الوجوب العقلي إلا إدراك العقل لضرورة المعرفة ولزوم التفكير والاجتهاد في أصول الاعتقادات.( عقائد الإمامية: الطبعة الثانية ص31-32) ولقد حرصنا على نقل النص السابق بالكامل لكي يتسنى للقارئ العـودة إليه للمقارنة ، فإننا نعتقد إن هذه "العقيدة" تمهد لنا طريق البحث عن الحقيقة التي ضيعتها قرون من تزييف الحقائق وتلفيق الاتهامات المتبادلة بين طوائف المسلمين المختلفة من خلال طروح متطرفة لم تكن موضوعية في مناقشاتها للخلافات الفكرية والاختلافات العقائدية وأسبابها ، حيث ظهرت العديد من الكتب التي تبحث في تلك الخلافات وتغذيها دون أن تقـترح الحلول الممـكنة ، وقد كان معظم أولئك الكتاب يكتبون بدافع من إيمـانهم المسبق بصحة وسـلامة موروثهم الفكري ، ويضيعون جهودهم في انتقاد عقائد لا وجود لها أساسا لدى الطوائف المقـابلة ويملأون الصفحات أدلة وبراهين تثبت خطأ تلك العقائد الوهمية التي لم تزد المسلمين إلا تنافرا ، كاتهام السنة للشيعة انهم يعتقدون إن عليا أحق من رسول الله ( ص ) بالرسالة ، وإن الوحي أخطـأه ، وإنهم يعبدون الحجر ( فيما يتعلق بالسجود على التربة ) وما شابه ذلك من الاتهامات الساذجة . بينما راح البعض يبحث عن نقاط الالتقاء بين طوائف الإسلام في محـاولة "للتقريب بين المذاهب" . وبالرغم من ميلنا الشديد إلى الوحدة بين المسلمين ، إلا إننا لا نعتقد إن استكشاف نقاط الالتقاء لن يضعنا على طريق الوحدة الإسلامية بمعنى إزالة الخلافات الفكرية مع الإقرار بإمكانية بناء وحدة سياسية متينة تتجاوز الاختلافات العقائدية . فالوحدة الإسلامية بمعنى تعديل عقائد المسلمين لتكون أقرب ما يكون إلى منهج الرسول ( ص ) تحتاج إلى ثورة واستعداد للتخلي عن كل ما يتناقض مع ما جاء به الرسول الكريم ( ص ) ، ولكي نهيئ الظروف للثورة لابد أن نشير إلى نقاط الاختلاف وأن نختبر صلاحيتها، فنأخذ ما هو صحيح ونترك ما يتعارض مع منهج الرسول ( ص ) . وكما أشرنا سابقا فإن منهجنا يتطابق مع "عقيدة الإمامية في النظر والمعرفة" -حسب الشيخ محمد رضا المظفر- والتي لم يعترض عليها علماء الشيعة ، ولا أعتقد أن هنالك من يعترض عليها عنـد أهل السنة . ولا توجب هذه النظرية -"عقيدة الإمامية في النظر والمعرفة"- على الفرد الاختيـار بعد دراسـة وفحص وتأمل واستنفاد الوسائل العقلية والفطـرية فحسب بل تتعدى ذلك إلى الإقرار بصلاحية اختيار الفرد بالنسبة للفرد ذاته حتى وإن زاغ اختيـاره عن الحقيقة المطلقة وهذا ما تقره أيضا عقيدة التكليف عند الإمامية كما جاء في "عقائد الإمامية" للشيخ المظفر: "نعتقد أنه تعالى لا يكلف عباده إلا بعد إلقاء الحجة عليهم ، ولا يكلفهم إلا ما يسعهم ويقدرون عليه وما يطيقونه وما يعلمون ، لأنه من الظلم تكليف العاجز والجاهل غير المقصر".( عقائد الإمامية : الطبعة الثانية ص42) وعليه فان الفرد الذي استنفد كافة وسائله العقلية والفطرية وأدوات بحثه عن الحقيقة غير مكلـف في الوصـول إليها ، إذ انه سيكون أحد اثنين : إما عاجزا ، أو جاهلا غير مقصر ذلك أنه سـار في طريـق البحث عن الحقيقة ولكنه توقف حيث توقفت وسائله أو إنه سار في طريق أوحى له عقله وفطرته أنها الطريق الذي سينتهي به إلى الحقيقة وسار فيها بكل جوارحه مخلصا . وتطبيقا لعقيدة الإمامية في التكليف يسقط التكليف هنا ولا يبرر عقاب الفرد على تبنيه عقائد غير صحيحة ، ونرى انه سيكـافأ على بحثه المخلص . وهذا لا يعني أن يستقر الفرد على ما توصل إليه من نتائج مطمئنا لصحتها بعد رحلة البحث الأولى ، بل يستمر في مقارنة حقائقه بالحقائق الأخرى مع مراجعة دلائل الأيمان بمعتقداته. وهذا الطرح -"عقيدة الإمامية في النظـر والمعرفة"- ونظريات عديدة أخرى مماثلة يضع طائفة الشيعة التي تبنى العديد من أعلامها المنهج العقلي إذا ما تجاوزنا موقف علماء الشيعة من الاجتهاد في القرن الرابع الهجري الذي يرفض أن يكون الاجتهاد مصدرا من مصادر الحكم تضع المنتمين إليها على بداية الطريق إلى الحقيقة . وهذا يتناسب مع التطور الفكري الذي شهده العالم الإسلامي . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : إلى أي مدى يدعم الشيعة هذه العقائد والنظريات الجريئة التي تمنح العقل مكانته التي حفظها القرآن الكريم والسنة النبوية حتى مع حذف فكرة صلاحية الاختيار رغم زيغه عن الحقيقة بالنسبة لصاحب الاختيار الذي لم يكن سوى إعادة صياغة لبعض عبارات "عقيدة الإمامية في النظر والمعرفة" و " عقيدة الإمامية في التكليف" وقد ذيلنا ذلك بمثال لتقريب الصورة ؟ يعتقد الشيعة بوجوب التقليد في فروع الدين وهي أحكام الشريعة المتعلقة بالأعمال لمن لم يبلغ الاجتهاد آو الاحتياط ، وهذا لا غبار عليه . ولابد أن نعترف إن القرآن الكريم يؤيده كما جاء في الآية الكريمة : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ) . ولكن ما الذي يبيح للمقلَد احتكاره لمقلِديه ، فهو لا يبيح لهم الانتقال والأخذ بفتاوى غيره من "المجتهدين" إلا بإجازته وذلك بتذييل فتواه بعبارة على الأحوط والتي تعني أن المقلَد يجيز انتقال المقلِد للأخذ بفتوى "مجتهد" آخر ، وبالرغم من اشتراط الانتقال إلى فتاوى الغير بإجازة المقلد وهذا لا يتم إلا في مسائل محددة إلا انه يمكن للفرد أن ينتقل إلى تقليد "مجتهد" آخر في كافة الأحكام ولا يحتاج في هذا إلى إجازة المقلَد . ومع منح المقلّد حرية الانتقال إلا إن خروجه من محيط المجتهد الأول الضيق لن يضعه في دائرة أوسع ، إذ إن عليه أن يخضع لذات الشروط التي تذمر منها . ولا يخفى على القارئ جلاء التناقض بين الإقرار بصلاحية اختيار الفرد في الانتقال الكامل في تقليد آخرين وعدم إجازة الانتقال الجزئي إلى تقليد مجتهد آخر. وبالرغم من اعتقادنا بالأخذ بفتاوى ذوي العلم الذين تفقهوا في الدين ، ليبينوا لعامة المسلمين الأحكام الشرعية المتعلقة بالإعمال ، إلا إن هذا لا يلغي اعتقادنا بمقدرة الفرد على التمييز بين الفتاوى المتقابلة فيما لو حرص ذوي العلم على بيان علل تلك الشرائع ، ولا ننكر على الفرد حقه في رفض أو قبول بعض الفروع التي يدعي ذوي العلم سلامتها وضرورة الأخذ بها بعد أن يخضعها للمنهج العقلي الذي تبناه للوصول إلى إدراك الأصول . وبهذا نعتقـد إن الآيـة الكريمة تبيح للفـرد -المسلم- الأخذ بفتاوى عدد من العلماء والمجتهدين في آن واحد . أما فيما يتعلق برفض الاعتقاد ببعض الفروع أو الأخذ بها ، نعتقد إن الفرد الذي ينهي الرحـلة الأولى ، رحلة الاعتقاد والإيمان بأصول الدين قادرا بالضرورة على التمييز بين ما يتفق أو يتعارض مع منهج الرسول ( ص ) . ويشبه إنكارنا لمقدرة الفرد على التمييز أن نرفض مناقشة شخص اجتـاز اختبارا معقدا في الجبر لمسائل حسابية بسيطة. وبهذا تتعارض عقيدة الإمامية في التقليد مع عقيدة الإمامية في النظر والمعرفة . والغريب أن المظفر جمع العقيدتين في صفحة واحدة . ولا نود أن نقف عند هذا التعارض بين العقيـدة التـي تكـرم العقل -"عقيدة الإمامية في النظر والمعرفة "- والعقيدة التي تقيد الفرد وترفض حتى الإقرار بصلاحية اختيار الفرد في انتخاب الفتاوى والانتقال الجزئي إلى تقليد آخرين -"عقيدة الامامية في التقليد"- لنجعله سببا في عدم تطبيقنا نظرية المظفر التي تحثنا على الانسلاخ عن الموروث الفكري الذي عشش في عقولنا ، ونما مع نمو حواسنا ومداركنا ، وأثر بشكل واضح على موضوعية قراراتنا واتجاهاتنا الفكـرية . وهذا الانسـلاخ لا يعني بالضرورة خطأ الموروث الفكري ، بل بداية للتأمل فيه من الخارج دون أن يكون له تأثيره المباشر على موضوعية اختيارنا وانتماءاتنا الفكرية في مرحلة ما بعد الانسلاخ ، أي أن يكون لدينا الاستعداد للعـودة إلى الموروث الفكري إذا ما برهنا على صلاحيته وفي هذه الحالة يكون إيماننا أعمق ويجوز لنا أن نفتخر بانتماءاتنا الفكرية واستبدال تسميتها "الموروث الفكري" لما لهذه التسمية من الإيحـاءات التي تنتقص من مكانة العـقل بتسمية أخرى كأن تكون "محصلة البحث العقلي التي تسير باتجاه الحقيقة" ، أو أن نستبدل انتماءاتنا الفكرية بعقائد أخرى فيما لو أثبت البحث العقلي المجرد من تأثيرات الموروث سلامتها وصلاحيتها وفشـل موروثنا الفكري أو بعض عقائده . ولست أرى ما يدعو للتخوف من فكرة الانسلاخ الذي ربما يكون مؤقتا حسب نتيجة البحث العقلي المجرد من التأثيـرات السلبية على أن يكون هذا الانسلاخ بداية الرحلة نحو الحقيقة ، فما أكثر ما سمعنا ورأينا آلاف الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، أي إن أولئك المسلمين الجـدد توصلوا إلى الإيمـان بموروثنا الفكـري على الرغم من تشعبات موروثـاتنا اللا منتهية ، وبالرغم من كون موروثنا الفكري حقيقة من آلاف الحقائق التـي نعتقد أن موروث أولئك الفكري يتصدرها جميعا في مدى التأثير علـى نتائج بحثهم . وبدافع من إيماننا بأن الكمال غاية لا تدرك ، وإن الكمال يكون في إلغاء التأثير السلبي للموروث الفكري بالكامل ، نرى إنه من الواجب علينا أن نقلل من مدى تأثيرات الموروث الفكـري السلبية على قراراتنا واختياراتنا على أقل تقدير . ونعتقد إن استعداد الفرد إلى الانسلاخ يتناسب طرديا مع ثقة الفرد بسـلامة معتقداته وصلاحيتها ، ذلك أن الواثق من معتقداته يكون أكثر استعدادا للانسلاخ ظنا منه إن الانسلاخ رحلة ذهاب وإياب تنتهي به حيث كان ، وهذا لا يعني بالضرورة انه سيستقر على ما كان عليه فقد يكتشف ما يقنعه على تغيير وجهة رحلة العودة . ولا نجد ما يبرر حذر من يشـك في صلاحية عقائده من الانسلاخ . وهكذا فإن كلا من المؤمن بعقائده ومن يشك بها يجد ما يبرر انسلاخه المؤقت . ولابد أن نشير هنا إلى إن الانسلاخ لا ينتهي بالضرورة إلى الوصول إلى الحقيقة المطلقة ولكن يجب علينا أن نحاول بإخلاص ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . ولطالما تمنيت أن يؤمن بعض أصدقائي المسيحيين الذين جمعتني وإياهم نقاشـات طويلة حول الإسلام والمسيحية بهذه النظرية -"عقيدة الإمامية في النظر والمعرفة"- ، إذ إن البرهنة على عدم صلاحية معتقداتهم ليس بالأمر العسير، فعودة بسيطة إلى مؤلفاتهم أنفسهم في تاريخ المسيحية وتاريخ الكنيسة ، وإلى الكيفية التي تطور فيها الفكر المسيحي تجرد تلك العقيدة التي انحرفت عن خط سيرها المستقيم الذي رسمه لها عيسى عليه السلام من الهالة التي أحاطوها بها . إذ يعتـرف المؤرخون المسيحيون إن العديـد من أصول العقائد المسيحية مستحدث ولم تظهر إلا بعد "صلب المسيح" عليه السلام بما في ذلك اعتقادهم بان "عيسـى عليه السلام ابن الله" واعتقادهم بالثالوث المقدس . إضافة إلى ذلك يجمع المؤرخون على إن الإنجيل لم يحفظ ، وقد ابتدع بعض المسيحيـين نصوصا لغرض تحقيق نصرا معنويا أثناء فترة الاضطهاد الروماني . ولما كلفت الكنيسة الرومانية جيروم في نهاية القرن الميلادي الثاني بجمع الإنجيل في كتاب واحد وجد نفسه في مواجهة آلاف النصوص المتناقضة والتي لا يمكن أن يؤيد إن المسيح عليه السلام أتى بها وهي على هذه الدرجة من التناقض . وراح يقيم النصوص حسب ظنونه آخذا ما ظن انه كلام الله ، ممزقا لما ظن أنه دخيل حتى صار في مواجهة نصوصا تساوى فيها احتمال الحـالتين ، فجمـع تلك النصـوص بكتاب سماه (ابوكريفا ) ومعناها ما أحـاط به الشك ولعل هذا أهم أسباب تعارض النصوص وتناقضها . ولقد ظننت في أول جلسة للمناقشة حول الإسلام والمسيحية إنني سأوفق في هدايتهم بعد أن جمعت العديد من الأدلة التي تضمنتها كتبهم وأناجيلهم والتي تثبت بما لا يقبل الشك انحراف عقائدهم. وانتهت الجلسة التي والحمد لله إنها لم تنهي صداقتنا بعودتي مندهشا لعدم اقتناعهم بتحريف الإنجيل أو اختلاق العقائد التي لم يأت بها عيسى عليه السلام رغم إقرار مراجعهم بذلك ، واستنتجت من ذلك أنهم دخلوا النقاش دون الاستعداد للانسلاخ أو التحول فإيمانهم المسبق بحقيقة لا تقبل الجدل مفادها انهم ليسوا في حاجة إلى البحث في سلامة عقائدهم رسم لهم إحدى النتيجتين : إما أن يؤمن المسلم المستهدف وهذه غايتـهم ، أو أن لا يؤمن وبذلك يكون قد ضيع على نفسه فرصة الانتماء إلى الفئة الناجية. وهكذا فانه وبالرغم من منطقية الطرح أعلاه والبرهنة على خطأ عقائدهم وإثبات انحرافها عن دين عيسى عليه السلام -الإسلام- إلا إنهم لم يقبلوا حتى مجرد إعادة النظر في معتقداتهم. وقبل أن نستنكر موقفهم هذا علينا أن نختبر مدى استعدادنا لتقبل الفكرة -فكرة الانسلاخ- ، فلو تأملنا الإسلام بوضعه الراهن لوجدنا إنه يتفرق إلى طوائف وأشباه طوائف عديدة تبعثرهم الخلافات والاختلافات التي تجعل من المستحيل أن يجتمع الجميع تحت راية الإسلام، وهذا ليس ادعاءا باطلا ، رغم إننا نتمنى أن يكون كذلك ، ولكنه وللأسف الحقيقة ، إذ إن الاختلافات بين المذاهب الإسلامية غائرة في أصول الدين وفروعه . فنجد أهل السنة يتهمون الشيعة باختلاقهم الإمامة وادعاءهم أنها من أصـول الدين وهذا بدعة -حسب رأي أهل السنة- وكل بدعـة ضلالة وكل ضلالة في النار. بينما يعتقد الشيعة إن الإمامة أصلا من أصول الدين "ولا يكتمل إسلام الفرد إلا بالإيمان بها ، وإنها كالنبوة لـطف من الله تعالى" وهذا ادعاء صريح إن السنة ليسـوا مسلمين . بينما يذهب رجب الحافظ البرسي في كتابه "جامع أنوار اليقـين في أسرار أمير المؤمنين" إلى فلسفة عدم الإيمان بالإمامة بشـكل اكثر صراحة إذ يقول إن كلا من أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفـان ( رض ) بالإضافة إلى جميع أهل السنة مرتدون لأنهم لا يعملون بنصوص القرآن الكريم الدالة على ولاية على بن أبي طالب (رض) بالإضـافة إلى معصيتهم لرسول الله (ص) فيما يتعلق بأحاديثه الدالة تعيين عليا ( رض ) ولي المؤمنين بكل إيحاءاتها الشيعية ، وهذا منطقي فيما لو ثبت التعيين بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية . وتؤيد الأحاديث النبوية التي تتفق مختلف الطوائف على صحتها عمق الخلافات العقائدية بين المذاهب الإسلامية ، ومن هذه الأحاديث قول رسول الله (ص) : " يأتي زمان على أمتي تنقسم فيه إلى اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". كما وردت أحاديث أخرى مماثلة تبين لنا إن الخلافات أعمق من أن نتجاهلها وإنها في الوقت ذاته تحثنا على البحث والتأمل في ما وصل إلينا من العقائد الجاهزة والاستعداد لترك ما فسد منها. فاحتمالات الانتماء إلى الفرق الضالة أكبر بكثير من الاحتمال الآخر ، فالنسبة واحد إلى اثنين وسبعين . ولا أعتقد أننا نحاج إلى أكثر من الموضوعية للبرهنة على ازدواجية مدعي التقريب والحرص على وحدة المسلمين من دون البحث عن حلول لأسباب الاختلاف ، إذ يقول الدكتور علاء الدين القزويني في رده على كتاب الدكتور موسى الموسوي "الشيعة والتصحيح" ، الذي يصفـه بأنه " إلى التخريب والتفريق أقرب منه إلى التصحيح والتأليف" : لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسـخ إما أن يكون معلوما بالتواتر ، أو بالآحاد ، فإن كان معلوما بالتواتر ، كان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد ( ص ) ، وذلك يوجب تكفيرهم . (مع الدكتور موسى الموسوي وكتابه الشيعة والتصحيح ص 219) ولو إننا سألنا الدكتور القزويني عن رأيه في أهل السنة لأجاب بأنهم إخواننا في الإسلام وهو يفترض تكفير علي بن أبي طالب وبعض الصحابة فيما لو صـح افتراضه لثبوت نسخ أية المتعة على أساس انه إنكار لما عرف ثبوته من دين محمد ( ص ) رغم إقراره بأن أهل السنة منكرين للعديد من عقائد الشيعة الثابتة بما في ذلك الأصول حسب مصادرهم وفهمهم للقرآن الكريم . ولا ينفرد القزيني في ذلك بل وللأسف يشاطره هذه الازدواجية العديد من "أعلام" الشيعة ومفكريهم وأئمتهم ، إذ يقول فؤاد الأحمد الذي قد يدعي أن " الإختلاف في الرأي لا يفرق المسلمين على اختلاف مذاهبهم " في كتابه " الإمام الحسن القائد والتأريخ " : … إن إنكار ولاية أمير المؤمنين علي ( ع ) هو إنكار للرسالة كما في الآية المباركة ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالتك والله يعصمك من الناس …). فالآية المباركة تدل على أن شرط تمام تبليغ الرسالة منوط بتبليغ الولاية فجعل الله سبحانه وتعالى الولاية والرسالة في منزلة واحدة ، وبمعنى آخر إن الكفر بالولاية هو كفر بالرسالة .(1 الإمام الحسن القائد والتاريخ ص 97) من منا لم يحلم يوما بأن يصبح الإسلام دين العالم الوحيد ، من منا لم ينتقد سذاجة بعض المعتقدات الدينية خارج محيط الإسلام خصوصا وإن الأمم التي تؤمن بتلك العقائد أنجبت العديد من العباقرة والعلماء والفلاسفة والأدباء الذين أغنوا العالم بإنجازاتهم . فهل تساءلنا يوما عن أسباب استقرارهم على ما نؤمن بسذاجته من العقائد ، فهل هو عدم وضـوح الحقيقة ، أم إنه تقاعسهم عن أداء ما كلفوا به من البحث عن الحقيقة وانجرافهم مع تيارات الموروث باطمئنان . وهل لنا أن نطمع في تحقيق ذلك الحلم وعنـدنا ذات الاطمئنان ولكن لانجرافنا مع تيارات أخرى ؟ ولذلك فإننا نرى في قبولنا لتفرق المسلمين بهذا الشكل تقاعسا عن أداء التكليف بالوصول إلى الحقيقة بقدر تقاعس غير المسلمين . وإن في ذلك تجسيدا لقول الله تعالى : ( ولا تكونوا من المشركين * الذين فرقوا دينهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون )
يتبع
|