الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  تــمــوز  2005

المهدي المنتظر... في ضوء القرآن والعلوم الحديثة والرياضيات - 7

كتابات - زهير الاسدي

(( دراسة علمية تتناول بالبحث والتحليل  مسألة المهدي المنتظر على ضوء ما جاء في القرآن الكريم و السنن الكونية ويقوم بتفسيرها على حسب العلوم الحديثة مثل الرياضيات والفيزياء والأحياء ونحو ذلك ))

 

الباب الرابع 

 

ما هو سلاح المهدي ؟

 

كثيراً ما يتساءل القوم ويقولون :

 

ترى ما هي الطريقة التي يمكن تصوّرها عن أسلوب القائد المنتظر (المهدي)  في  تغيير حال الناس في سبيل ظهور  الدين الإسلامي على الدين كله , والقضاء على كل كيانات الظلم والفساد في الأرض ؟؟ وما هو السلاح الذي سينتصر على جميع أسلحة الشر الموجودة في الارض ؟؟

 

للجواب نقول: ليس المهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام قائد عسكري مهمته الانتصار في الميدان العسكري والقضاء على كيانات الظلم, فهذه من مهام أنصاره ومحبيه من المؤمنين الذين يتحركون بأمر وتوجيه منه , بل هو القائم بأمر الله الذي يبسط العدالة الشاملة على كوكب الأرض , ومن المعلوم إن العدالة الشاملة لا تنحصر في ميدان دون غيره , بل تشمل جميع ميادين الحياة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية والعقائدية ,الثقافية,,الخ), ولما كان لا إكراه في الدين , والمعلوماتية سلاح العصر المؤثر في تغيير الاتجاهات واستثمارها لصالح مالكها, فإن العلوم العالية التي يظهرها المهدي المنتظر من أسلحة المهدي  التي يجعلها بين يدي المؤمنين في سبيل دخول الناس في دين الله أفواجاً حتى يظهر الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون.

 

فمن ضمن برنامج بسط العدالة الشاملة ومسح الظلم والشرك والفساد من الأرض, دعوة الناس للدخول في دين الله ( الإسلام) وإقامة الحجة على جميع من في الأرض قبل زلزلة الساعة, وهذا يتطلب إظهار العلوم العالية والمعجزات السماوية التي تؤكد أن الله حق, وأن القرآن الكريم خطاب الله الناطق بالحق الذي لا ريب فيه وتبياناً لكل شيء, (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[1] فالمهدي هو الذي يحقق وعد الله تعالى في كتابه العزيز بإظهار الإسلام على الدين كله وبسط العدالة الشاملة على الأرض ولا أحد غيره.

 

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[2]

 

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ*إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)[3]

 

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ..)[4]

 

كما ترى الآيات تشير إلى وقائع تحققها من المحتوم الذي قرره الله وهي : ان دين الإسلام سوف يظهره الله على جميع الأديان السماوية والأرضية على السواء , وأن الأرض سوف يرثها عباد الله الصالحون بعد أن يتم القضاء على جميع كيانات الظلم ومظاهره , و العدالة الشاملة سوف تنبسط في جمع أقطار الأرض, وإذا ما تأملنا في هذه الأمور من الوجهة الواقعية, فإن تحققها بالصورة التي ترسمها الآيات في حكم المحال ما لم تتدخل عناية السماء وتلطف بأهل الأرض بقائد مختار من قبلها مزود بكل الإمكانيات الغيبية والأرضية التي تجعل هذا الأمر واقعا معاشاً , فالإمكانيات البشرية العادية مهما كانت كبيرة ومتميزة , تبقى عاجزة عن إظهار الدين وبسط العدالة على الأرض بالشمول الذي تصفه الآيات ,  فهذا أمر لم يتحقق منذ آدم عليه السلام وإلى يومنا هذا , مما يعني انه ستكون هناك قوة غير عادية فوق مستوى جميع إمكانيات البشر وتحت تصرّف القائد الذي سيتولى تطبيق العدالة الشاملة على الأرض,  وهي بلا شك قوة إلهية تتفوق على جميع كيانات الشر وترسانته العسكرية المكدسة سواء كانت أسلحة دمار شامل أو تقليدية , فالدور الكبير  غير العادي الذي يلعبه القائد المنتظر يتطلب بالضرورة قوة  كبيرة وغير عادية , وعلى هذا فالقائد  المنتظر سيكون مسدد بقوة تنفيذية سماوية تضبط حركات الظالمين وتنزل عليهم عقاب الاستئصال في سبيل تطهير الأرض وإعدادها لمرحلة العدالة الشاملة , والقرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة في الكثير من الآيات منها:

 

(وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمْ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)[5]

 

ولو تأملنا في هذه القوة الإلهية التي ستكون تحت تصرّف القائد المنتظر في سبيل إظهار دين الله على الدين كله وبسط عدالة السماء على الأرض, وبحثنا عنها في القرآن الكريم الناطق بالحق فلا نجد غير الغيب والملائكة , فالغيب - كما سيأتي بيانه- هو العلة الفاعلة في تحقيق المتحققات في عالم الطبيعة , والملائكة هم جنود الله الذين لا يعجزهم شيء في الأرض. فقد يستطيع الظالم أن يتخفى عن أنظار السلطة والقضاء الأرضي, أو يهرب من الشرطة والعسكر , لكنه لا يخفى عن الله ولا يستطيع أن يهرب من الملائكة الذين هم جنود الله بالأصل وجنود المهدي بالتبع, وبما أن القائد المنتظر ( المهدي) عليه الصلاة والسلام خليفة الله والقائم بأمره الذي تتجلى فيه كل سمات هوية الله , فإن الغيب والملائكة تحت تصرفه في سبيل تحقيق وعد الله وبسط العدالة الشاملة على كوكب الأرض.

 

وهكذا يظهر لنا ان السبيل إلى تحقيق وعد الله وتطبيق العدالة الشاملة على الأرض سيكون الغيب, فمن الغيب يتابع القائم بأمر الله عليه الصلاة والسلام  مظاهر الشر والفساد , وبواسطته يستأصل المجرمين الظالمين ويقيم عليهم حد الله, وينزل عليهم العقاب الذي يستحقوه , وإليك بعض النصوص التي تشير إلى أحداث آخر الزمان وتؤكد ما قلناه:

 

( وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ )[6]

 

 (..ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد)[7]

 

 (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)[8]

 

 (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[9]

 

 (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[10]

 

هذه الآيات وغيرها كثير تشير إلى الأحداث التي ستقع في آخر الزمان عند ظهور المهدي عليه الصلاة والسلام , الذي يطهّر الأرض من الظلم والكفر ويعدها إلى مرحلة القيامة , والشيء المهم هنا هو بيان الأمور المتعلقة بالغيب وكيف يكون الغيب هو القوة الفاعلة في تغيير العالم وبسط العدالة الشاملة على الأرض.

 

 

 

ما هو  الغيب  ؟

 

ليس الغيب ببعيد عن الإنسان , ولا هو تلك الصورة الخرافية التي ترسمها بعض القصص والأساطير, بل هو كما المرآة التي تنعكس فيها صورة الواقع الذي نشهده بحواسنا, انه يحيط بك من جميع الجهات ونافذ في كيانك أيضاً, فكما تنعكس صورتك وحركتك الواقعية في المرآة التي أمامك , كذلك تنعكس صورتك وحركتك والطاقة الفكرية –الوجدانية- الخارجة منك في مرآة الغيب , وقد سمي بعالم الغيب لأننا لا ندركه بحواسنا في العادة , بل الغيب موجود في كل ذرة من ذرات الكون وما كان أصغر من ذلك أو أكبر, لأنه ببساطة الصورة السالبة للقيمة الموجبة في الكون, وتعتبر ذرات عناصر الطبيعة من ابسط الأمثلة وأوضحها على ذلك, حيث كل قيمة موجبة في الذرة تقابلها بالضرورة قيمة سالبة, فإذا كان في الذرة بروتون واحد ـوهو قيمة موجبة ـ كان فيها بالضرورة إلكترون واحد وهو القيمة السالبة, وإذا كان في الذرة عشرة بروتونات كان فيها بالضرورة عشرة إلكترونات , وهذا قانون عام يحكم جميع عناصر الكون من الذرة إلى المجرة وما كان أصغر من ذلك أو أكبر,  وإليك النص الذي يؤكد هذه الحقيقة .

 

( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )[1]

 

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[2]

 

ولما كانت الموجودات( الظاهرة) مظاهر لهوية الله تعالى مجده في مقام الظاهر, والرابطة السببية التكوينية ما بين الخالق والمخلوق من الضرورات الوجودية التي لا يمكن تصوّر عدمها , فإن عالم الغيب هو السبب والواسطة التي تربط المخلوق بالخالق في مقام الباطن,  وهو الطرف الفاعل في تلك الضرورة على اعتبار الله الفاعل غيب الغيوب (..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[3] و (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[4]

 

ولما كان الله هو  القادر على كل شيء والقاهر فوق عباده, فإنه من الغيب تتحقق المتحققات ومن الغيب يحرك الله الوجود , ومن الغيب يخلق الله الخلق ويعيده في النشأة الأخرى, وفي الغيب يحفظ الله أعمال الناس ويحاسبهم بها يوم القيامة , و الغيب هو السبب في نظام الكون وصلاحه , وهو الوجه السببي الذي تطل به الموجودات على الله تعالى مجده من مقام الباطن المقابل لمقام الظاهر .

 

وإذا أردنا أن نعّرف الغيب بعبارة واحدة نقول : هو القيمة السالبة التي تقابل  القيمة الموجبة للموجودات. ومجموع القيم السالبة في الكون هي عالم الغيب( السالب) الذي يقابل عالم الطبيعة (الموجب).  وعلى هذا فلجميع الموجودات وجهين اثنين تطل بهما على الوجود أحدهما نحو عالم الطبيعة وهو المكان أو القيمة الموجبة (البروتونات), والآخر نحو عالم الغيب وهو الزمان أو القيمة السالبة ( الإلكترونات) . وهذا هو السبب الذي يجعل لكل شيء صوّر ملكوتية مسجلة في كتاب الغيب .( .. وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)[5]

 

 

 

الغيب هو العلة الفاعلة

 

والآن وبعد أن بينّنا ما هو الغيب بالقدر الذي يسهّل إدراك الرابطة السببية الضرورية ما بين عالمي الغيب والشهادة ( الطبيعة) نتناول  في هذه الوريقات التأكيدات على ان الغيب هو العلة الفاعلة في تحقيق المتحققات في عالم الطبيعة .

 

 قال تعالى مجده :

 

 (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً)[6]

 

الآيات استفهام إخباري نحو قولك ( هل رأيت ما حصل لفلان ؟؟ لقد حصل له كذا وكذا )  والإخبار يتضمن جواب توبيخي للكافر الذي قال (لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً) ولسان حال الآية كأنه يقول :على أي أساس يجزم ذلك الكافر بأنه سوف يكون له المال والأولاد ؟؟, هل اطّلع على الغيب الذي يحقق له ما أراد ؟, أم اتخذ عند الله عهداً يضمن له أنه سيحصل على ما تمنّى؟, كلا لم يطّلع على الغيب , ولم يتخذ عند الله عهداً , لكننا سنكتب له ما  قال ــ في كتاب الغيب ــ فيرث ما يقول , وكل ذلك زائل عنه وسوف يأتينا يوم القيامة وحيداً (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ)[7] فنمد له من العذاب مداً (وهو العذاب الأبدي الدائم ) .

 

نفهم من الآيات ان المال والأولاد من عناصر عالم الطبيعة, وهناك سببين لتحقق تلك العناصر في عالم الطبيعة , الأول: الاطلاع على عالم الغيب , والثاني: العهد عند الله القادر الذي يقول للشيء كن فيكون, فالله هو الخالق للأولاد وهو الرازق للمال , ولكنه لا يباشر ذلك بنفسه بل جعل لها أسبابا تحققها في الواقع , وهي (1) كتاب الغيب وما يكتب فيه ,(2) اتخاذ عند الله عهداً , والعهد إنما يكون بعمل قوانين الله الحاكمة في الكون وبالتقرب إليه بالعبادة والطاعة , فتكون دعوة العبد المستجابة -في أحيان كثيرة- أحد الأسباب الغيبية لتحقق المتحققات في الواقع .

 

ولما كان الغيب والعهد عند الله هما السببان في تحقق المتحققات في الواقع بتصريح الآيات السابق ذكرها, فإن الذي يطّلع على الغيب أو يتخذ عند الله عهداً , يستطيع أن يحقق كل ما يريد وكأنه يقول للشيء كن فيكون , والحديث القدسي :(عبدي اطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون ) يؤيد هذه الحقيقة ويؤكدها.

 

ولما كان الله لا يباشر أمر المخلوقات بنفسه , بل أوكل أمرها لمن يقوم بها من خلقه , فإن الكتابة في كتاب الغيب لا يباشرها الله بنفسه بل جعل أمرها للقائم بأمره (المهدي المنتظر) عليه الصلاة والسلام, فهو صاحب العلم اللدني الذي يفيضه الله مباشرة دونما واسطة , وهو الذي عنده علم الكتاب المشار إليه بقوله تعالى (..قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)[8]

 

ولما كان القائم بأمر الله عليه الصلاة والسلام هو الذي عنده علم الكتاب( كتاب الغيب) بتصريح القرآن, وهو المصمم من قبل الله لتنفيذ أهم وأخطر مهمة في تاريخ الأرض, فإنه بالتأكيد قد اتخذ عند الله عهداً, وبهذا فإنه قادر على تغيير الواقع كيفما يشاء بإذن الله تعالى من خلال السببين المؤثرين المشار إليهما , وبهذين السببين يقوم بأمر الله في الأرض, وبما أنه عنده العلم اللدني , فإنه  يكون مصداقاً لقوله: (عبدي اطعني تكن مثلي تقول للشيء كن فيكون) فكما الله يقول للشيء كن فيكون, كذلك القائم بأمر الله يقول للشيء كن فيكون بإذن الله .

 

 

 

صنع المعجزة

 

 بعد أن اتضح لنا ان الغيب هو العلة الفاعلة لتحقيق المتحققات في عالم الطبيعة, نتناول جواب السؤال التالي :

 

كيف يتمتع المهدي عليه الصلاة والسلام بصلاحيات كثيرة جداً ويكون الغيب والملائكة تحت تصرفه وكأنه يقول للشيء كن فيكون مع العلم انه ليس بنبي ؟؟ فهذا الأمر لم يتوفر للأنبياء ولا حتى لخاتم الأنبياء وأشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟؟

 

 للجواب : نستفيد من الآية المباركة المتعلقة بالغيب  كمقدمة ضرورية ثم نبيّن جوابنا العلمي فيما بعد :

 

 ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)[9]

 

كما هو بيّن الآية تحكي كيف أحضر الذي عند علم من الكتاب ( كتاب الغيب) عرش الملكة بلقيس من أقصى اليمن إلى النبي سليمان عليه السلام في أقصى الشام بأقل من طرفة عين , ومما لاشك فيه ولا نقاش ان هذا الأمر يعتبر معجزة ذات صلة بالغيب وكأن الذي عنده علم من الكتاب قال للعرش أحضر عند النبي سلميان فحضر على الفور بزمان مقداره أقل من طرفة عين , أي بسرعة تقارب سرعة الضوء , فالمعنى الظاهر للآيات يشير إلى أن السبب في إحضار العرش من أقصى اليمن إلى أقصى الشام بأقل من طرفة عين هو الغيب, حيث الذي أحضره عنده علم من كتاب الغيب ,  وتذكر الروايات الكثيرة ان اسمه ( آصف بن برخيا).

 

وفي سبيل الإجابة على السؤال المتقدم  بكثير من الوضوح ينبغي هنا أن نشير إلى أمر في غاية الأهمية يفسر لنا الكثير من الحيثيات التي قد تكون غائبة عن أذهان البعض,  وهو :

 

إن هناك نوعين لخلافة الله في الأرض وليس نوعاً واحداً كما يظن البعض, وهما: الخلافة التكوينية والخلافة التشريعية , فكما هو بيّن من الآيات أعلاه ان النبي سليمان عليه السلام كان هو خليفة الله التشريعي في الأرض, و آصف بن برخيا عليه السلام الذي عنده علم من كتاب الغيب كان هو الخليفة التكويني في ذلك الزمان , فمهمة خليفة الله سليمان عليه السلام التصدي للأمور التشريعية ( العبادات والمعاملات), أما مهمة خليفة الله آصف بن برخيا فكانت التصدي للأمور التكوينية التي يرجع سبب تحققها إلى الغيب, ولأنه عنده علم من كتاب الغيب استطاع بواسطته صنع معجزة محالة على الناس العاديين,  بل محالة أيضاً على النبي سليمان نفسه, فلو كان النبي سليمان يعلم الغيب لعلم مسبقاً بما علم الهدهد الذي أخبره ودله على ملكة سبأ (بلقيس) وقومها, ولو كانت لديه مقدرة غيبية على صنع المعجزات لما سأل عمن يحضر عرش الملكة بلقيس عنده .

 

يستفاد مما سبق -إلى الآن- ان آصف بن برخيا الذي عنده علم من كتاب الغيب عندما أحضر عرش ملكة سبأ (بلقيس) قد صنع معجزة بإمكانيات لم تتوفر للنبي سليمان على الرغم من أن الله قد استجاب دعوته وأعطاه ملك لا ينبغي لأحد من بعده , فكما صنع آصف بن برخيا تلك المعجزة بواسطة الغيب  وهو ليس بنبي, كذلك المهدي عليه الصلاة والسلام يصنع المعجزات التي تغيّر العالم وتجعل العدالة الشاملة على الأرض أمراً واقعاً معاشاً.

 

وفي قصة النبي موسى مع الخضر عليهما السلام التي يحدثنا عنها القرآن في سورة الكهف دليل آخر على أن هناك نوعين من الخلافة في الأرض وليس نوعاً واحداً , فموسى عليه السلام كان هو الخليفة التشريعي, والخضر عليه السلام كان هو الخليفة التكويني في ذلك الزمان , وإليك النص .

 

 (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِ