|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
30 حـزيـران 2005 |
|
المهدي المنتظر... في ضوء القرآن والعلوم الحديثة والرياضيات - 6 كتابات - زهير الاسدي (( دراسة علمية تتناول بالبحث والتحليل مسألة المهدي المنتظر على ضوء ما جاء في القرآن الكريم و السنن الكونية ويقوم بتفسيرها على حسب العلوم الحديثة مثل الرياضيات والفيزياء والأحياء ونحو ذلك ))
الباب الرابع
الاسئلة المتعلقة بالمهدي عليه السلام
تلخيص الأسئلة قبل تفصيلها
قبل أن نتناول الأسئلة المتعلقة بمسألة المهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام , نلفت الانتباه أولاً إلى مسألة نرى أنها في غاية الأهمية وهي : إن الكثير من المسلمين –إنْ لم نقل اغلبهم- ينظرون إلى المهدي المنتظر باعتباره شخص عادي , مجرد إمام –قائد- مدّخر لليوم الموعود الذي يملأ فيه الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً , غافلين تماماً عن مقام خليفة الله الكامل والقائم بأمره الذي تتجلى فيه كل هوية الله الوجودية (أسماء وصفات وأفعال الله).
وطبيعي ان نظرة كهذه -التي تحدد مقامه في زاوية ضيقة أمام ضخامة المهمة التي يؤديها- تفرز جملة من الأسئلة بحاجة إلى جواب واقعي مدعوم بالأدلة المقنعة كي تنحل عقدة التناقض الحاصلة ما بين القائد المحدد المقام وضخامة الدور الذي ينتظر .
ويمكن تلخيص محاور الأسئلة بالصورة التالية:
س1- كيف نستطيع أن نؤمن بوجود المهدي , ونحن لا نرى له كياناً في الواقع, ما هي الأدلة التي تحسم لنا هذا الأمر؟؟
س2 – إذا كان المهدي ابن الإمام الحسن العسكري عليهما السلام قد ولد في عام 255هـ, كيف استطاع أن يتجاوز قوانين الطبيعة ويستمر بالحياة طوال تلك السنين ؟؟ وإذا كان في الأمر معجزة فما المبرر لها وما تفسيرها ؟؟
س3- إذا كان القائد مصمم لتطهير الأرض من الظلم والفساد وإعدادها لمرحلة القيامة , فلماذا كل هذا الانتظار والسكوت إزاء ما يشهده العالم من ظلم وفساد وكوارث اجتماعية وإنسانية؟؟
س4 – إذا كان القائد المنتظر لا يمارس دوره في بسط عدالة السماء على الأرض إلا في اليوم الموعود ( في نهاية الزمان) فلماذا لا يترك الله ذلك اليوم لقائد يولد في ذلك الزمان ليمارس دوره الذي صمم لأجله ؟؟ ما السر في هذا الزمان -العقيم- ما بين ولادته واليوم الموعود ؟؟
س5- ما هي طريقة التغيير التي تمكّن القائد المنتظر من بسط العدالة الشاملة على الأرض؟؟ وكيف يستطيع أن ينتصر على كل كيانات الظلم المدججة بالأسلحة الفتاكة التي تقف من وراءها البنى التحتية المتطورة تقنياً وفنياً ؟؟
س6 – كيف يستطيع الفرد أن يقيم العدالة الشاملة في جميع أقطار الأرض , مع العلم ان هذا الأمر لم يحققه الأنبياء السابقون طوال تاريخ الإنسانية على الأرض؟؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير تدور حول مسألة المهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام , وهي أسئلة لا تصدر عن المشككين بالمهدي فحسب, بل المؤمنين به أيضاً, وكأن لسان حالهم يقول كما قال إبراهيم عليه السلام (..قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي..)[1] انهم يريدون أجوبة علمية حاسمة تقطع دابر الشك وتزيد الحق وضوحاً توخياً لبلوغ درجة اليقين .
لو تأملنا في الأسئلة المطروحة -والتي يمكن أن تطرح- بشأن المهدي المنتظر نرى أن الخلفية التي تقف من وراءها واحدة , وهي : افتراض المهدي المنتظر مجرد قائد أو إمام من بين الأئمة تجري عليه سنن الحياة والقوانين الطبيعية , وإذا ما ضل هذا الافتراض -الذي يحدد مقام القائد في زاوية ضيقة أمام الدور العظيم الذي ينتظره - قائماً, فإن الأجوبة على تلك الأسئلة مهما كانت متقنة تبقى غير مجدية ما لم تشر إلى حقيقة مقامه الرفيع وتكف عن رسمه داخل تلك المحددات البشرية الضيقة, وستبقى الحيرة والضبابية قائمة ما لم يدرك الناس (لمؤمنون والمشككون) أن مقام القائد المنتظر ليس ذلك المحدد بالسمات البشرية الخاضعة لقوانين الطبيعة .
ونحن في بحثنا الموسع عن حقيقة الخلافة وحمل هوية الله ( الأمانة) قد انتهينا إلى حقيقة مؤكدة نعتبرها من الضرورات الوجودية التي لا يمكن تصوّر عدمها, وهي ان هوية الله المحمولة في كيان الإنسان يجب أن تظهر بتمام كمالها غير منقوص منها شيئاً في آخر الزمان, وخلاف ذلك يعني النقص في هوية الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ونرى أن هذه الحقيقة المؤكدة بالبراهين العقلية والنقلية هي السبيل الوحيد الذي يقودنا إلى جميع الأسرار المتصلة بمسألة المهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام .
إجابة عامة
لكي نمهّد للإجابة على تلك الأسئلة ونبيّن الحقائق بأكبر قدر ممكن من البساطة والوضوح , نؤكد على مقام خليفة الله الكامل التام والقائم بأمره الذي يتفرد به المهدي المنتظر, وإن كنا نرى أن هذا وحده يتكفل بالإجابة على جميع الأسئلة المطروحة -والتي يمكن أن تطرح- بشأن مسألة المهدي , و لكننا لن نكتفِ به, بل سنزيد الحق وضوحاً بالأجوبة التفصيلية على تلك الأسئلة, وندعم الأجوبة بالأدلة القرآنية والعلمية الحديثة إن شاء الله تعالى (.. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ..)[2] .
ولعل غفلة البعض عن مقامه الشريف ( خليفة الله الكامل والقائم بأمره) الذي تتجلى في شخصه هوية الله بتمام كمالها, هو السبب في صعوبة تصوّرهم للكثير من الأمور المتعلقة بشخصه المقدس مثل , غيبته عن عامة الناس, طول عمره الشريف , الكيفية التي يتم بها تغيير العالم, وبسط العدالة الشاملة .. الخ , فهناك الكثير من الأسئلة والشبهات منشأها الجهل بمقام ( خليفة الله الكامل والقائم بأمره) الذي يتفرد به .
ومن خلال البحوث السابقة التي أشرنا فيها إلى مقامه المذكور وانه خليفة الله الكامل الذي تتجلى في شخصه كل سمات هوية الله الوجودية نكون قد أجبنا على الكثير من الأسئلة المطروحة بشأنه والمتوقعة أيضاً , فكما هوية الموجودات ( الإنسان -الحيوان- النبات)لا تظهر بتمام كمالها إلا في آخر مرحلة من مراحل النمو والتكامل , كذلك هوية الله الوجودية لا تظهر بتمام كمالها في خليفته ( الإنسان) إلا في آخر الزمان, وهذا قانون عام شامل يحكم جميع عناصر الكون دونما استثناء, فالسماوات والأرض لم تُخلقا دفعة واحدة , بل خُلقتا بستة أيام, أي على ستة مراحل وما بين مرحلة وأخرى ملايين السنين , وهي بلا شك مراحل نمو وتكامل مرت وتمر بها النشأة حتى تبلغ تمام كمالها في نهاية المطاف في تلك النشأة ذات الديمومة والبقاء.
ولما كان الله ظاهر كما هو باطن [3], والكون مظهر له , فإن سمات هويته تعالى مجده مثل الحياة والعلم والقدرة والعدالة بتمام كمالها يجب أن تتجلى وتظهر للناس, ويكون ذلك بواسطة خليفته التام الكامل( المهدي) المصمم من قبل السماء لأداء أهم وأخطر المهام في الدنيا والآخرة , وبهذه السمات التي تتجلى في شخصه عليه الصلاة والسلام يتمكن من تغيير العالم وبسط العدالة الشاملة في الأرض.
فتجلي اسم الله الحي في شخص المهدي هو الذي يفسر لنا طول عمره الشريف , وتجلى اسم الله العدل هو الذي يفسر لنا بسط العدالة الشاملة في الأرض , وتجلي اسم الله القادر هو الذي يفسر لنا قدرته على تغيير العالم , وتجلى اسم الله العليم الحكيم في شخصه هو الذي يفسر لنا إظهار الإسلام على الدين كله ونشر العلوم العالية.. وهكذا جميع الإشكاليات المطروحة والمتوقعة يفسرها لنا تجلي أسماء وصفات وأفعال الله في شخصه المقدس..
وعلى الرغم من أن الكثير من المعلومات والإشارات المذكورة في القران الكريم التي تشير إلى مقام القائم بأمر الله عليه الصلاة والسلام تكفي لكي نحصل على أجوبة حاسمة لجميع الأسئلة المطروحة والمتوقعة بشأنه عليه الصلاة والسلام , إلا انه تبقى الحاجة لمعرفة المزيد من التفاصيل العلمية لبناء تصوّر واقعي عن سمات ومقام وقدرات المهدي عليه الصلاة والسلام, فقد نسلّم بكل ما جاء عن المهدي المنتظر ونصدق به, ولكن لسان حالنا يقول كما قال إبراهيم الخليل عليه السلام (..قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي..)[4].
ولأجل ذلك سوف نتناول في الأوراق القادمة ( إن شاء الله تعالى)الأجوبة العلمية التفصيلية للأسئلة المهمة المطروحة والمتوقعة بشأن المهدي عليه الصلاة والسلام لعلها تساهم في بناء تصّوّر علمي واقعي عنه و عن سمات الهوية الوجودية التي يحملها.
ما السر في طول عمره الشريف ؟
لكي نحصل على جواب هذا السؤال , ينبغي أن نعرف ما هو الزمان ؟ فإذا ما عرفنا ما هو الزمان وكيف يتحقق في النشأة, فإن جواب السؤال سيظهر بوضوح تتعين درجته على حسب استيعابنا للزمان .
الزمان ببساطة هو حركة المادة بالحركة الجوهرية التكاملية الجارية في النشأة, من وإلى الله في مقامي الظاهر والباطن , وهي حركة اهتزازية في صميم الموجودات منشأها الله تعالى مجده الذي منه الابتداء وإليه المنتهى (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ)[1] , فالسبب في أن الموجودات الممكنة محكومة بالزمان, بل مقهورة به وتتعاطى معه سلبياً, هو ان الزمان حركة الواجب ( الغني الحميد) المتحرك بذاته والمحرك لغيره, والممكنات الفقيرة إنما معلولات لتلك الحركة التي تدفع بها إلى الوجود, فمن البديهي ان يكون الفقير المتحرك بغيره مقهوراً بالحركة التي تدفع به إلى الوجهة التي تشاء وتعين مرتبته الوجودية, فلا أحد من الموجودات يستطيع أن يتحكم بحركة الزمان ويعين مرتبته الوجودية لأنها ليست حركته أصلاً .
ولما كان الله (هو الأول والآخر) فإن حركة الزمان تبتدأ من الله في مقام الأول و تنتهي إليه في مقام الآخر , وعلى هذا فإن الحركة الفيزيائية للزمان إنما حركة تجاذب وتنافر في آن , لأن ( الأول والآخر) مقامين متقابلين, والتعبير العلمي( الفيزيائي) للمتقابلين هو السالب والموجب, وكما هو ثابت ومؤكد ان العلاقة ما بين السالب والموجب علاقة تجاذب وتنافر, فالموجودات التي تبدأ من الله من مقام الأول وتتحرك نحوه في مقام الآخر , إنما تبتعد عن مقام الأول ( وهذا يسمى تنافر) وتقترب من مقام الآخر ( وهذا يسمى تجاذب) .
ولما كان الوجود عبارة عن مراتب غير متناهية تمتد ما بين اللاشيء و كل شيء ( ما بين اللاكمال و كل الكمال) فإن حركة الزمان (وهي الحركة الجوهرية الجارية في النشأة) إنما حركة تكاملية تبدأ من مرتبة اللاشيء وهي بداية الخلق وتنتهي إلى مرتبة كل شيء وهي مرتبة تمام الخلق , والموجودات إنما تكون محكومة بهذه الحركة القاهرة ,لأنها تخلق من اللاشيء ومن محض الفقر والنقص , فمن الطبيعي أن تنفر من ذلك الفقر والنقص المتساوية معه بالقيمة والدرجة ( السالب يتنافر مع السالب) , ولا تجد أمامها إلا مراتب الكمال فتنجذب نحوها ( السالب بفقره ينجذب نحو الموجب الأكثر غنى ) وهي كلما بلغت مرتبة متقدمة من الكمال كملت وصارت على نفس تلك الدرجة من الكمال فتنفر منها لتشابه القيمة والدرجة, وتنجذب تلقائياً إلى مرتبة متقدمة من الكمال وهكذا تستمر حركة التكامل ( التي هي تجاذب وتنافر) حتى تبلغ تمام الكمال بلقاء الله الكامل التام, ولعل هذا هو معنى قوله , (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ)[2].
نحن محكومين بالزمان ومقهورين به لأننا نندفع إلى الوجود ونحن في أدنى مراتب الفقر والنقص , ونكدح كدحاً متواصلاً (أي نتحرك بحركة الزمان) حتى نلاقي الله تعالى مجده . أما القائم بأمر الله , وهو خليفة الله الكامل التام, فقد أندفع إلى النشأة وهو يحمل هوية الله بتمام كمالها , فلا يكون محكوماً بالزمان ولا مقهوراً به( لأنه ملاقي الله منذ ذلك الحين الذي تجلت في شخصه هوية الله بتمام كمالها), بل هو بتجلى اسم الله القادر القاهر في شخصه يكون قادراً قاهراً يتحكم بوحدات الزمان كيفما يشاء بإذن الله, و لعل هذا هو السر في طول عمره الشريف .
ولقد بيّنا فيما مضى في معرض بيان قوله تعالى مجده: (..قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)[3] ان القائم بأمر الله هو الذي عنده علم الكتاب , فالذي عنده علم الكتاب -وهو كتاب الغيب المسجلة فيه كل وحدات الزمان- يعلم بالضرورة بكل وحدات الزمان- في سماءنا الدنيا- ويحيط بها بالإحاطة العلمية القيومية ولهذا يقال عنه (صاحب الزمان) أي أن جميع وحدات الزمان الموجودة في دائرة السماء الدنيا هو يحيط بها ويراها حاضرة عنده كحضورها عند الله تعالى مجده من خلال تجلى اسم الله العليم الحكيم في شخصه المقدس, فهو المسدد بالعلم اللدني الذي يفيضه الله عليه دونما واسطة, فعلمه من علم الله . ولأنه عليه الصلاة والسلام عنده علم الكتاب ويحيط بوحدات الزمان فإنه بالتأكيد يستطيع أن يكون في قطع الزمان, يتحرك ويقوم بأمر الله في أي زمان يشاء وهذا هو السر في طول عمره الشريف.
ما سر غيبة المهدي ؟
كثيراً ما يتساءل القوم ويقولون :
إذا كان القائم بأمر الله (المهدي)ابن الإمام الحسن العسكري عليهما الصلاة والسلام, قد ولد بتاريخ (15 شعبان عام 255 هـ) وله كيان حقيقي في النشأة , فلماذا هذه الغيبة التي كثر الجدل بشأنها ؟؟ ما الحكمة منها وما سرها ؟؟
هذا السؤال قد طُرح منذ مولده الشريف وغيبته عن أنظار العامة, و قد كثرت أجوبته وتنوعت ولكن أي منها -على ما يبدو- لم يحسم الأمر بشكل قاطع , ولعل السبب في ذلك هو ان الأجوبة المطروحة تنطلق من افتراض كونه إنسان عادي أو الإمام المعصوم الثاني عشر فحسب, دون الالتفات إلى مقام خليفة الله والقائم بأمره الذي تتجلى في شخصه كل سمات هوية الله الوجودية ( جميع أسماء وصفات وأفعال الله), ولقد قال البعض ان سبب غيبته عن الناس هو الخوف من القتل, وهذا الجواب فيه الكثير من الجهل –إن لم نقل إساءة كبيرة لشخصه المقدس – وهو افتراض لا أساس له , ولو افترضنا جدلاً ان سبب غيبته انه كان خائفاً بسبب اضطهاد الحكام العباسيين فيما مضى من الزمان –كما قيل- فما المبرر من غيبته عن شيعته ومحبيه الذين يفدونه بأرواحهم ؟؟
وإذا كان خائفاً كما يقول البعض فكيف يستطيع الخائف أن يقضي على كل كيانات الظلم ويقيم العدالة الشاملة في الأرض؟؟
ولما كان البهتان أن تنسب لشخص ما عيب أو نقص ليس موجوداً فيه , فإن نسب الخوف إلى المعصوم خليفة الله الكامل والقائم بأمره فيه إساءة كبيره لشخصه المقدس, بل فيه ظلم فضيع لا ينبغي أن يصدر عن مؤمن لا سيما عن مواليه ومحبيه , وقد انتبه الكثير من اصحاب تلك الفكرة السيئة و الظلم الفضيع لقداسة المهدي ومقامه الشامخ الفريد وصاروا يفسرون الأمر بطريقة علمية عقلانية تستند على البراهين القاطعة .
ولقد أجبنا من قبل على السؤال المتقدم في أكثر من موضع لا سيما في بيان قوله تعالى:
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )[4]
ولما كان الله ظاهر كما هو باطن , والمهدي مظهر لكل سمات هوية الله الوجودية ( جميع أسماء وصفات وأفعال الله) فإن رؤية المهدي تعني بالضرورة رؤية الله تعالى مجده في مرآة خليفته الكامل, ولما كانت النشأة تتحرك بالحركة التكاملية نحو لقاء الله , والمهدي مظهر لهوية الله في مقام الظاهر , فإن آخر محطة للكمال هي لقاء الله ورؤية هويته الوجودية في شخص خليفته والقائم بأمره, ولأجل ذلك لا يمكن أن يظهر المهدي إلا في آخر الزمان حيث يتحقق أكبر قدر ممكن من الكمال في النشأة يؤهلها لظهور هوية الله في جنابه المقدس , البقعة المظللة في هذا الرسم الجانبي تشير إلى فترة أخر الزمان التي يظهر فيها المهدي عليه السلام , وهي الفترة التي يكتمل فيها الخلق وتنغلق فيها دائرة الكمال وليس بعدها إلا الآخرة .
ولقد أشرنا في الأبحاث السابقة إلى البراهين الكثيرة التي تؤكد أن المهدي عليه الصلاة والسلام ضرورة وجودية لتحقيق عدالة السماء على الأرض في الدنيا وفي الآخرة, أي هو المرآة لظهور الله فيها للناس , في الدنيا عند بسط العدالة الشاملة على كوكب الأرض, وفي الآخرة عند الحساب .
ولما كان المهدي هو المرآة لظهور الله في الدنيا والآخرة , فإن ظهور المرآة يعني بالضرورة ظهور الله المتجلي فيها, وهذا لا يمكن أن يتحقق قبل أن تبلغ النشأة أعتاب الكمال الذي يؤهلها لذلك , فلا ظهور قبل بلوغ النشأة أعتاب الكمال الذي يجعلها جديرة بظهور هوية الله فيها , فالمهدي ببساطة ذروة الكمال لأنه خليفة الله الكامل, وعلى النشأة أن تتحرك تكاملياً نحوه لتكون جديرة بلقائه , فلقاء المهدي يعني لقاء الله تعالى مجده , وهذا هو السبب في غيبة القائم بأمر الله عليه الصلاة والسلام , فهو منذ ولادته لم يره العامة من الناس لكونه مظهر لله تعالى مجده والقائم بأمره وباسط عدله.
لماذا الغيبة الطويلة ؟
يستفاد من الأوراق السابقة : ان القائم بأمر الله ليس في مقام الإمام المعصوم الثاني عشر فحسب , ولو كان مقامه ينحصر بهذا لكان ظهوره للعامة أمر ضروري يفرضه طبيعة المقام الذي يستوجب تواجده بين الناس شأنه شأن آبائه المعصومين عليهم الصلاة والسلام , بل هو في مقام خليفة الله والقائم بأمره والكيان المقدس الذي تتجلى فيه كل سمات هوية الله الوجودية, فظهوره إنما يعني ظهور الله تعالى مجده , ولهذا هو غائب عن العامة ريثما تنضج النشأة وتبلغ الكمال الذي يؤهلها لظهوره .
والسؤال هنا :
إذا كان ظهور القائم بأمر الله عليه الصلاة والسلام متعلق بنضج وكمال النشأة , فلماذا لا يترك الله هذا الكيان المقدس الذي يتجلى فيه للمستقل الذي تكون فيه النشأة مؤهلة لظهوره فيولد في ذلك الزمان ويمارس دوره الذي صمم لأجله؟؟ ما الحكمة من هذه الفترة الطويلة الممتدة ما بين ولادته وظهوره؟؟
للجواب نقول: إن هذا الأمر يتبع قانون عام شامل يحكم جميع عناصر النشأة , وهو قانون النمو والتكامل, فجميع الموجودات من الذرة إلى المجرة مرايا لتجلي هوية الله فيها على حسب استعدادها ومرتبتها , وهي لا تندفع إلى الوجود دفعة واحدة وبكامل هويتها الوجودية , بل على حسب سنة النمو والتكامل , فكل ما حولنا من أشياء وأمور اعتبارية تشير وتدلل على أن ظهور الله في الموجودات والاعتبارات لا يكون إلا على حسب سنة التكامل الجارية في النشأة.
وكما هو معلوم إن الكائنات الحية ( النبات والإنسان والحيوان) لا تظهر للوجود دفعه واحدة, بل تبدأ من ابسط وحداتها ثم تنمو وتتكامل وتظهر هويتها الوجودية شيئاً فشيئاً كلما نمت وتكاملت , فالشجرة العملاقة ذات الثمار لا تندفع إلى الوجود دفعة واحدة, بل تبدأ من ابسط وحداتها (وهي البذرة) ثم تنبت وتنمو وتخرج هويتها الوجودية شيئاً فشيئاً حتى تصبح شجرة تامة تنقل هويتها الوجودية إلى الجيل اللاحق بواسطة الثمار أو البذور.
والإنسان لا يندفع إلى الوجود رجلاً تاماً سوياً أو امرأة تامة سوية , بل يبدأ خلقه من ابسط وحداته , يُخلق من خلية واحدة مخصبة تنقسم وتتكاثر فيصير جنيناً نامياً, ثم يولد طفلاً صغيراً نامياً مرشحاً لجميع الاحتمالات , وخلال مراحل العمر ينمو وتخرج هويته الوجودية شيئاً فشيئاً حتى يصير رجلاً تاماً سوياً أو امرأة تامة سوية , وهكذا بقية الكائنات الحية , بل النشأة كلها بدأت من ابسط وحداتها ( من المادة الأولى), ثم نمت وتكاملت عبر ملايين السنين حتى بدأت الحياة , والحياة ما زالت تنمو وتتكامل حتى لقاء الله في تلك النشأة التامة ذات الديمومة والبقاء.
وليست الأمور التكوينية تخضع لسنة النمو والتكامل فحسب , بل الأمور الاعتبارية أيضاً , فالشرائع السماوية قد بدأت من بذرة صغيرة بآدم عليه السلام حيث كان تكليفه الشرعي هو وزوجته في غاية البساطة والمحدودية وهو: كل شيء مباح إلا شجرة واحدة في الجنة محرمة عليهما , (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ )[1]
ومن بعد آدم نمت الحياة وتنوعت عناصرها باطراد, وكلما بلغت مرتبة متقدمة من الكمال كلما أرسل الله الأنبياء وأنزل الرسالات المتناسبة مع ذلك النمو والكمال الذي تبل |