الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

31  آب  2005

جذور الأغلبية الصامتة في العراق

دراسة سياسية وميدانية

كتابات - أ. م . د .رياض الأسدي *

 

المقدمة:

 

تعود فكرة كتابة بحث علمي عن جذور الأغلبية الصامتة في العراق إلى مدّة سقوط النظام السياسي السابق في العراق ، حيث بات من الواضح تماما أن مجيٌ قوة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا قد نتج عنه تساؤل كبير يتعلق في بقاء ذلك النظام مدة ما يقرب من خمسة وثلاثين عاما رزح بها الشعب العراقي تحت سلسلة من الجرائم الكبرى الجماعية في حين لم ترتفع الأصوات لإدانة ذلك النظام الوحشي إلا بعد سقوطه ؟! وكم كانت المعارضة العراقية في الخارج تعاني في إيصال أصواتها لنصرة الشعب العراقي المظلوم ؟ فالأغلبية الصامتة  لا تشمل الشعب العراقي وحده ، بل هي ظاهرة تطال الشرق الأوسط كله.

ومن هنا فإن الفرصة السانحة التي أتاحتها القوات المحتلة في التعبير و الرأي من الأهمية إلى جانب دوران سرف الدبابات في شوارع المدن العراقية ، وسقوط الآلة العسكرية الفاشية التي أسهمت في المدة 1963 ـ 2003 على ترسيخ تقاليد الأغلبية الصامتة ، ثم تحويل حالة الصمت إلى صفة المقدس الدائم .

وإذا كان ثمة من يتحمل مسؤولية الصمت الدائم مع العسكر، فهم أولئك المتعلمين و المثقفين الذين أجهد النظام الفاشي نفسه على زجّهم في مؤسساته المختلفة التي عملت على الإبقاء على حالة استمرار الصمت الشامل حتى جاءت قوة خارجية لتقويضه ومن ثمّ كسره .. ومن هنا فان على المعنيين بالشأن الثقافي قبل غيرهم تشخيص الحالة ودراستها موضوعيا ، ووضع الحلول العلمية وبرامج العمل لها كي نصل إلى حالة طبيعية من التعبير عن الرأي والرأي الآخر بروح حضارية كاملة ، وكما يحدث في البلدان التي تنعم بالقانون والمؤسسات التي يكفل وتصون الرأي فيها. وهذا البحث ما هو إلا محاولة متواضعة في هذا المجال لخدمة الفكر والرأي العراقيين الجديدين .

 

منظور تفسيري لجذور الأغلبية الصامتة

 

تعود جذور الأغلبية الصامتة في العصر الحديث إلى وضعية ( الاستبداد الشرقي )الذي يعدّ مكونا" تاريخيا و أساسيا" لعموم منطقة الشرق الأوسط . ومن الصعب ـ على العموم ـ أن نركن إلى تحليل العوامل الإنتاجية( أسلوب الإنتاج الآسيوي ) الذي استدركه كارل ماركس (1) في أواخر سني حياته الحافلة باعتباره عامل حاسما"و أساسيا في تكوين البنى الاجتماعية والاقتصادية التي قادت إلى وضعية ( الاستبداد الشرقي ) ؛ بل أن سلسلة من العوامل المتنوعة والمتطامنة إلى حدّ ما : دينية وأنثروبولوجية ومناخية هي التي عملت على تحديد ظاهرة (الاستبداد الشرقي )  الذي يعد المناخ والحاضنة الطبيعية للأغلبية الصامتة (2)  .

اسهم الاستعمار الأوربي ـ البريطاني والفرنسي بخاصة ـ في تكريس أفكار الاستبداد في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، وتحويله إلى استبداد مركب في البلدان التي وقعت تحت الهيمنة و الاحتلال الاستعماريين بعد الحرب العالمية الأولى 1914ـ 1918 م . وإذا كان الاستعمار الفرنسي سواء في حملته على مصر 1798- 1801م أو احتلاله لبلدان المغارب العربية قد حاول نقل نوع من ثقافات المحتل أسهمت إلى حدّ بعيد في إذكاء روح النهضة الإسلامية في العالم العربي لما مثلته من تحديات جدّية إلا أن الاستعمار البريطاني لم يعمل في الاتجاه نفسه ،فلم يكن له أي اتجاه ثقافي واضح اللهم إلا نشاطات تبشير محدودة النطاق في مشرق العالم العربي (3)  ، في حين عمل وبقوة على تأسيس قوى إقطاعية جديدة ، كما حافظ على النظام الإقطاعي الموروث عن فترة الاستبداد العثماني وصولا إلى تحقيق استمرار مصالحه الاقتصادية وفرض هيمنته السياسية والبقاء لأطول مدة ممكنة في البلاد المستعمرة من خلال التهيئة الكاملة لمناخ الصمت العام .

بدأ تكريس الصمت في العصر الحديث في العراق من خلال قيام شيخ القبيلة في سلب حق ملكية الأرض من الفلاحين وإلغاء واقع الملكية المشاعية ومبدأ " الأرض لمن أحياها " الإسلامي . وهكذا أصبحت الحروب القبلية حول المراعي والأراضي الصالحة للزراعة وسيلة أساسية لاضطهاد القبائل الخاسرة دائما ، وظهر حينئذ ما عرف ب ( الخوّة ) : وهي أعراف سوسيو ـ اقتصادية تتيح للقبيلة الخاسرة عسكريا أن تدفع إتاوة مالية معينة سنوية غالبا إلى القبيلة المنتصرة مثل الغلال أو الحيوانات لقاء الحماية التي توفرها القبيلة المنتصرة لها . كما سمح نظام (الخوّة ) أيضا باستغلال مراعي القبيلة الخاسرة ( الديرة ) وتسخير أفرادها لخدمة القبيلة المنتصرة ، وقد وقع على المرأة عبئا إضافيا اجتماعيا تمثل في حالة التزويج القسري باعتبار أن تلك الحالة قد توفر لحمة ما بين القاتلين والمقتولين ( ظاهرة الفصلية ) من خلال تزاوج الدماء ؛ وهو من أوائل الأساليب  في فرض السكوت والقبول بالأمر الواقع ، وانتشر هذا الأسلوب في جنوب العراق بخاصة مكونا معلما اجتماعيا مميزا بقي قائما حتى العقد الأول من عهد الجمهورية الأولى 1958- 2003 م ، ثم فرض الصمت من خلال شيوع مفهوم قبلي يدعى ب ( ذبيحة و منيحة )وهي تعني بالدرجة الأساس هيمنة اجتماعية واقتصادية دائمة (4) وقبولا بالأمر الواقع status quo . كما فرض الصمت على أفراد القبيلة المنتصرة أيضا ؛ إذ أن شيخها ومجلسها الحربي التقليدي قد جاءا بالنصر والغنائم إليها فمن الواجب الضمني أن يقبل أبناء القبيلة المنتصرة بطاعة قادتهم ، ولذلك تشيع عبارات ( يا عونك )  و (يا طويل العمر ) في المناداة اليومية . وما الرغبة في تطويل العمر إلا إعلانا عن القبول الدائم بالطاعة المستديمة ، وهي في مضامينها التاريخية تعود إلى العصور الإسلامية الوسيطة في السمع والطاعة وتوافقا مع الآية الكريمة : " قالوا سمعنا وأطعنا " وهي تحول بين من انتقال الطاعة من الله تعالى والرسول (ص) إلى طاعة ( ولي الأمر ) بغض النظر عما إذا كان عادلا أم لم يكن ؛ فالعدل يتأتى من القوي المنتصر دائما .

أبقت بريطانيا على الأنظمة الاجتماعية القائمة في مشرق العالم العربي ، وكان النظام الإقطاعي من ابرز المعالم التكوينية في تلك الحقبة ، فوطّدت علاقاتها مع المقاطعجية : وهي طبقة من الموظفين غير الحكوميين تتكون من الزعماء القبليين المحليين تناط بهم جباية الضرائب منذ القرن السادس عشر . وقد نتج عن تلك الستراتيجية تكريس وسائل الصمت العام على الرغم من تغيّر البناء السياسي الفوقي .

ولم تستطع أفكار الإصلاح العثماني أن تكون نوعا من الحراك الاجتماعي سواء في الدولة  العثمانية التركية المركزية أو في الولايات التابعة لها من القوميات غير التركية . وبقيت فكرة التسلط العثماني ووحدة الدولة العلية قائمة حتى سقوط الخلافة العثمانية وقيام الجمهورية التركية الحديثة . ويعود تفسير ذلك إلى اقتصار أفكار الإصلاح على نخبة معينة  من رجال الدواة والانتلجنسيا الضعيفة التأثير . ولذلك بدأ المعارضون للإصلاح العثماني الترويج لفكرة : أن الإصلاح سوف يحول الدولة إلى جانب الدول الأوربية التي دخلت ضدها الدولة العثمانية في حروب متعددة الجبهات ، فنظر أولئك إلى أوربا المسيحية(5) عدوا في كل المجالات ، لكنهم لم يتوانوا عن قبول الرشاوى والهبات الممنوحة لهم لتسهيل امتيازات البنوك الأوربية في الدولة العثمانية . ومن هنا فانهم قد ساهموا بقدر كبير في استمرار حالة الصمت في العالم الإسلامي . وهكذا تأسست لدى عموم الأغلبية الصامتة في الفترة العثمانية نوعا من ذهنية التحريم المتوارثة في عدم الخروج على ولاة الأمور باعتبارهم ملّاكا دائمين للحقيقة الكاملة للأمة الإسلامية ، وان الخروج على السلطان العثماني هو خروج على الأمة ودينها ، ومن ثمّ هو الكفر الذي يستحق مقترفه الموت بحدّ السيف . وعملت تلك الطبقة على النيل من أي بيئة ثقافية إصلاحية واستطاعت الاقتصاص من الرموز الإصلاحية أو نفيهم من الحياة العامة ليتسنى لهم الإبقاء على حالة الصمت العام(6 ) ليتكون في إثر ذلك شرخا كبيرا بين المعرفة والسلطة  لم تستطع كل محاولات الإصلاح الجادّة ردمه .

ومن البديهي أن للسلطة مهما كانت جوهرا وعرضا بظهر واضحا في أولئك الذين  يتملكون قيادتها من الغالبين ، فيصعب على الخاسرين أن إحداث خرق في الجوهر ، وما يقومون به من أعمال رافضة يصبّ غالبا في العرض ، فلا تجد لها تأثيرا مهما في تغيير البنى السابقة .

وبناء على تلك الوضعية فإنهم لن يستطيعوا نيل أية معرفة يمكن أن تؤهلهم إلى خرق الصمت على نطاق واسع ؛ وغالبا ما تكون تلك المعارف المتيسرة تلوى في النهاية لصالح الغالبين (7) في أفضل تقدير . ولذلك فإن مسائل كالشرعية واللاشرعية والقانون والفوضى والتقدم في السلم الاجتماعي      والتعبير عن الظلم والعنت الاجتماعيين ؛ هي قضايا تقررها النخبة الحاكمة بالدرجة الأساس ووفقا لمصالحها الآنية ، وتوافقا مع معارفها المتوارثة مما وضع الدولة والمجتمع في حالة سكون دائم يصعب الفكاك عنها . (8)  ومن هنا فإن نوعا من السايكلوجيا الاجتماعية قد وضع الخاسرين في حالة قبول مستمر بقدرهم المحتوم . وفي الواقع بأن النزعة القدرية استشرت منذ تولي القوى الأجنبية سدّة الحكم في بغداد في بدايات العصر العباسي الثاني ، لكنها أصبحت حقيقة يومية معاشه في الفترة العثمانية الأخيرة .

ونشأت في ظلّ السكونية الشرقية أعراف في تقديس القائم ، واتهام من يخرج عن  (العوايد = العادات والتقاليد ) منبوذا عن المجتمع ومطرودا منه ؛ ومن الملاحظ بأن القيم الإسلامية قد انحسرت إلى أقصى حدودها في التعامل الاجتماعي (*) . ومن الملاحظ في هذا المجال أن وصف الخرج عن السرب الاجتماعي ب ( الكاولي = الغجري ) في المدينة ، أو من ( الصلبة = غجر البدو ) وهذا يعني نزولا في السلم الاجتماعي . ويبدو أن بريطانيا في استعمارها للمشرق من العالم العربي بعد أن هيمنت على السواحل والمدن الواقعة فيه قد أسهمت بهذا القدر أو ذاك في شيوع القيم والتقاليد والعادات البدوية من خلال تحجيم التجارة المتنقلة واحتكار التعامل السلعي بها ، فقوض ذلك الأسلوب من إمكانية نمو مدن تقليدية أو ظهور طبقة تجارية تعمل على قيام نوع من الحراك الاجتماعي النسبي . وبناء على تلك الوضعية فقد تمّ طرد مستمر للقيم الحضارية المدينية وإحلال قيم البداوة التقليدية محلها ( 9) .

ويذكر الرحالة جيمس بكنغهام الذي زار العراق في عام 1816 م بأن الوضع الاجتماعي فيه سيئا للغاية ، وأفضل ما يقوم به الرجل في الريف العراقي ممن لا يجد عمل هو امتطاء صهوة جواده وقطع الطرق (10) ، وكان أهالي جنوب العراق على سبيل المثال يعيشون من طغيان الماء في فصل الربيع حيث تجفّ الأرض قليلا بما يعرف ب ( الدهلة ) وهي نشر البذور في الشقوق وهذا ما يعرف أيضا ب ( الكبش ) فتنمو البذور ليحصل نوعان من المحصول الشتوي ك الحنطة والشعير والدخن ومحصول صيفي ـ وهو ما يزرع في فصل الربيع والصيف كالذرة والسمسم وبعض الدخن ، وتسكن القلة من السكان في المدن والقصبات و القرى أما الأغلبية فهي تسكن بيوت الشعر التي تنقل على ظهور الإبل السيارة وقد يتخذ بعضهم صريفة من القصب أحيانا (11) .

إن تفسير استمرار الأغلبية الصامتة في أوضاع الصمت الدائم لم يخرق إلا إبان التحديات الكبرى التي واجهت الأمة وبخاصة في حالات اجتياح الجيوش الأجنبية كما حدث في عام 1920 وانطلاق ثورة العراق الوطنية الكبرى . وقد بقيت الأغلبية في العراق لا تشارك في صنع الأحداث إلا في جوانب محدودة مما فسح المجال واسعا أمام فئات قليلة أن تتحكّم في مصير البلاد كالنخبة السياسية الملكية 1921- 1958 والعسكرتاريا 1958- 2003م . ولذلك يتوجب علينا أن نتناول أوضاع الأغلبية الصامتة في العراق من خلال تحديد ردود أفعالها بازاء العديد من الانعطافات السياسية الداخلية بخاصة . وإذا كان من الصعب تاريخيا المقارنة بين مرحلتين تاريخيتين مختلفتين فإن من الضروري التعرف إلى نقط التشابه في سلوك الأغلبية الصامتة في كلا المرحلتين . ومن هنا فإن من الضروري أن ندرس ظاهرة الصمت العام في العراق من خلال النظر إلى طبيعة تكوّنها النفسي الذي تأصّل على مدى آلاف السنين في عمق النفسية للإنسان العراقي .

 

سايكلوجيا الأغلبية الصامتة في العراق

 

يتجذر الصمت العراقي إلى حقبة ما قبل سقوط بغداد عام 1258م بعد الاجتياح المغولي لها حيث دشن الغزو المغولي بداية عهد ظلامي كبير في العراق أتسم بالتخلف الفكري والثقافي وانحطاط في القيم والمعارف في آن ، وكان بديلا بائسا عن عهود الرقي الحضاري والفكري التي بلغت أوجها في القرن الرابع الهجري العباسي ، فلحق بنظام الرّي أفدح الخسائر وأسوأ ألوان التخريب فزحفت الصحراء على الأراضي الخصبة وعمت الفيضانات المدمرة حتى عاد العراقيون إلى طرق بدائية جدّا في الزراعة ، كما دمر نظام الري الذي يعد بمثابة الجهاز العصبي  للحضارة الإسلامية في العراق .( 12)    

وتوقّف العطاء الفكري الخلاق للمجتمع العراقي القديم ، وكذاك شكل الدولة الموحّد ، مما أدخل العراق في آتون من الضعف الشامل والدائم وكذلك سريان موجة التفكك للبنيان السياسي والاجتماعي ، وما أعقبه من تقويض للقوى الاجتماعية الفاعلة فيه . ثمّ جاءت خيول المغول والتتار لتجهز على ما تبقى من إنجازات حضارية تمثلت في إحراق وهدر معظم النتاج الثقافي للعراقيين القدماء ؛ ناهيك عن تدمير المدارس والربط والزوايا التي أسهمت إلى حدّ بعيد في الإبقاء على أسس التعليم الإسلامي التقليدي باعتبارها آخر خطّ دفاعي للحضارة العراقية الإسلامية آنذاك . ولم تكن الأغلبية من السكان صامتة حياتيا كما هو شأنها الآن إذ فرض المغول والتتار ومن لحق بهم بعد ذلك من الأقوام الرعوية الهمجية من خلال حملات الإفناء الجماعية التي شنت عليهم . 

ومارست الأغلبية دورا سلبيا في التشكّل السياسي للعراق الحديث؛ ويعود سبب ذلك إلى ضعف الوعي السياسي لديها وهيمنة قوى جاهلة نسبيا على الحياة السياسية ارتبطت على هذا النحو أو ذاك بقوى الاستعمار البريطاني (13) . كما أسهم رجال الدين الشيعة التقليديون بعد ثورة 1920 في إذكاء روح الصمت الشيعي على الرغم من كونهم يمثلون الأغلبية من السكان ، وذلك من خلال فتواهم في إبعاد الشيعة عن المشاركة في الحكم . وتمخض عن تلك السياسة السلبية أن أنيطت المناصب الحكومية الأساسية بغيرهم ؛ ويعد هذا الموقف من أسوأ الحالات المكبلة للصمت العام .

كان المتعلمون في الدولة العراقية الحديثة يشكلون ½ % من مجموع السكان في أكبر تقدير ، وبلغ الجهل بالدين أشدّه قبيل الاحتلال البريطاني للعراق حتى أفتى بعضهم بتحريم الأكل بالملعقة والجلوس على المائدة ! ( 14) . ثمّ أصبح الدين من وجهة نظر أولئك العلماء مقتصرا على تحرير الرسائل الفقهية و مناظرات الكلام والعبادات وحصر الاجتهاد فيه ، ولم يعمل إلا نزر قليل منهم في ميادين المعاملات إلا في وقت تأخّر إلى بداية العهد الجمهوري حينما بدأت الأفكار اليسارية تكون خطرا ماثلا على عقيدة المسلمين التقليدية . وهكذا اصبح الدين قوة هامشية في عموم العمل السياسي في العراق في حين كان الإسلام واحدا" من أهم  المحركات الأساسية لثورة العشرين . وقد دفع النظام الإقطاعي وقانون العشائر(**) الذي أسهم في إرساء نوع من الرؤية التقليدية الثابتة لحلّ قضايا الصراعات الاجتماعية ، كما أسهمت الانتخابات الشكلية في العهد الملكي إلى استمرار سايكلوجيا الصمت لدى الأغلبية الساحقة من أبناء الأمة العراقية . ويمكننا أن نجمل بعض ملامح تلك السايكلوجيا من خلال اللاوعي الجمعي للأغلبية الصامتة على النحو التالي :

أولا : الثبات

 

وهي صفات رافقت جميع الأمم و الشعوب قبل انبثاق الثورة الصناعية ، وتتمثل في محاولة كبح جماح التغيير السياسي و الاجتماعي والعمل على إبقاء القوى الاجتماعية المهيمنة لأطول مدّة في سدّة القرار السياسي .

 

ثانيا : الخوف

 

وهو نوع من الشعور الجمعي في رفض الأفراد والجماعات لمبدأ المغامرة ( الوقوع في التهلكة ) والحفاظ على الحياة في أحلك الظروف كالمجاعات والطواعين والحروب ؛ ولا   الشخصية أو القبلية باعتبار الحالة الأخيرة ضرورة لاستمرار وضع الحفاظ على الجماعة والخوف من ضياعها أيضا .  

 

ثالثا : الولاء للفرد

 

ينحدر هذا المفهوم من المواريث الدينية والقبلية على حدّ سواء . فلم يسجل العراقيون خروجا على سلطة الملك الهاشمي الحجازي على الرغم من قيامهم بعدد من الانقلابات العسكرية قبل ثورة 14 تموز / يوليو 1958 . وهكذا فإن نسف الولاء للفرد ( = الأب + شيخ العشيرة (الآغا ) + القائد السياسي ) قد قدّم مناخا كاملا للأغلبية الصامتة .

 

 رابعا : الإتّباع             

 

وهي أنساق انقسامية دينية وقبلية وأسرية تحافظ على تثبيت خيوط اجتماعية مختلفة في اتجاه من ألتراتب للحيلولة دون خروج الأفراد عنها ، وتعد بمثابة الخيوط المسيطرة على تحركات الأفراد ونشاطاتهم المختلفة والتي تظهر في سلوكهم العام .  

 

خامسا : الترقّّب

 

يتخذ من الترقّب صفة لازمة للأفراد والجماعات العراقية ،وهي نتاج طبيعي عن فقدان الإرادة في صنع الأحداث . وقد يقود الترقّب إلى تطور مهم في محاولة خرق الصمت ، لكن حالة الترقّب القصيرة الأجل لا يمكن أن تحقّق الهدف على العموم ، ولذلك فإن الترقب الطويل الأجل ربما يؤدي إلى كسر حاجز الخوف .

عملت التكوينات  آنفة الذكر وأخرى أقل أهمية على نشؤ نوع من التفكير التبريري في عدم المشاركة في صنع الأحداث أو التدخّل العملي لحرف اتجاهها على الأقل .ثمّ أصبحت ظاهرة النقد وسيلة للتخلص من ضغوط المعرفة المتراكمة ، في حين غاب البديل الذي يرافق أية عملية نقدية ، لكن هذه الحالة بقيت محصورة في شرائح محدودة اجتماعيا قامت بتأسيس حركات وطنية وبخاصة بعد عودة بعض الشخصيات السياسية المنفية بعد ثورة 1920 ونشرت جريدة الاستقلال مطالبهم في 9 شباط 1921في إطلاق حرية الصحافة والحريات العامة ورفع المحاكم العسكرية و الانتخاب الحرّ المباشر وغيرها من المطالب (15) . وعلى الرغم من تلك الجهود التي حاولت التعبير عن تطلعات الأغلبية وما تمخض عنها في إصدار أول دستور ( قانون أساسي ) للعراق ، واعتبار العراق ملكية دستورية نيابية مقيدة بالقانون (16)  إلا أن الملك فيصل الأول لم يلتزم بروح ونصوص الدستور العراقي  وعد تصريحه في 10/ 9/ 1925 في عدم التدخل في شؤون الدولة والحكومة أمرا إعلاميا فحسب ؛ حيث كان الملك فيصل نزاعا إلى تركيز السلطات بيده ، وكانت بريطانيا تشجعه على ذلك .(17)

وبدأت النخبة المتعلمة عملا متواصلا في التركيز على الهوية العراقية ، وظهر عدد من المفكرين العراقيين من أمثال : ابو الثناء الآلوسي ، أحمد الصافي النجفي ، محمد محمود القشطيني ، محي الدين الكيلاني ، عبد الفتاح ابراهيم ،  محمود شكري الآلوسي ، جميل صدقي الزهاوي ، الأب انستاس الكرملي ،معروف الرصافي ، محمد رضا الشبيبي ، كاظم الدجيلي ، فرنسيس جبران ، رزق الله غنيمة ، شكري الفضلي ، خيري الهنداوي ، رزوق غنام ، عبد الرحمن البنا ،ابراهيم منيب ،سليمان الدخيل ، عبد الحسين الأزري ، حسن غصيبة ، صادق الأعرجي ، عبد اللطيف ثنيان ، رشيد الصفار ، عبد اللطيف الفلاحي ، داود السعدي ، كامل السامرائي ، سلمان الشيخ داود ، محمد االهاشمي ،رشيد الهاشمي ، رؤوف عيسى ، ابرلهيم صالح شكر ،عطا امين ، روفائيل بطي ، عبد الغفور البدربي ، يعقوب سركيس ،روفائيل بابو أسحاق ، يوسف حبي ، محمد بهجت الأثري ، محمد حسين الشبيبي ، هبة الدين الشهرستاني ، توفيق سمعان ، عبد الرزاق الحسني ، فهمي المدرس ، ميخائيل تيسي  ، إبراهيم حلمي  ، عبد الكريم العلاف ، عبد الأحد حبوش وغيرهم .. 

وحاولت الحركات السياسية اليسارية السرّية إحداث حراك اجتماعي في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية ، لكنها افتقرت إلى الوسائل الفاعلة لاختراق الأغلبية الصامتة ؛ ومع ذلك فإنها أحدثت تغييرا مهما في النظر إلى قضاياها الملحة والآنية . وكان لاجتياح بريطانيا للعراق مرة أخرى في عام 1941 اثر كبير في خلخلة البنى التقليدية التي درجت عليها الأغلبية الصامتة وبخاصة ما رافق أحداث الحرب العالمية الثانية 1939- 1945 م من مجاعات وتدهور اقتصادي للإنتاج المحلي ، ثمّ بلورت تلك الأوضاع المتسارعة نوعا من التفكير بالتفرد الجماعي الأولي ، ومنحت اللغة ـ تجاوزا ـ صفة القومية ؛ بل وتكاد أن تكون الصفة الوحيدة أحيانا مما دعا بعض الجماعات القومية والعرقية وحتى الطائفية أيضا أن تطفو على سطح الأغلبية الساكنة لنعبّر عن ذواتها الخاصة تارة وعن تطلعاتها المعزولة عن روح الجماعة العراقية تارة أخرى .وكانت تلك النخب السياسية تحديدا لا تمتلك مشروعات اجتماعية واضحة وحتى يطال الوضع النخب اليسارية والتقدمية التي نشطت أيما نشاط بعد الحرب العالمية الثانية بخاصة وظهور الاتحاد السوفيتي السابق كقوة عظمى ترعى التحرّر في بلدان العالم الثالث التي تقع في ظلّ القوى الاستعمارية الغربية . ووجهت إلى المجتمع العراقي خطابات جريئة في الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والتمايز القومي ؛ وهي موجهة إلى مجموعات سكانية محددة منه : عموديا إلى طبقات العمال والفلاحين ، وأفقيا   إلى القوميات والأقليات العرقية . وقد سجّل الحزب الوطني الديمقراطي ، وكذلك الحزب الشيوعي العراقي

إمكانية متواضعة في تحريك الأغلبية في عام 1948 ضدّ معاهدة جبر _ بيفن(18) لكن تلك الأحزاب على العموم لم تمتلك برامج واضحة للحراك الاجتماعي وكانت نشاطاتها السياسية ـ في جلّها ـ ردود أفعال بازاء قضايا تظهر على السطح السياسي وليس إيجاد قضايا اجتماعية بعينها ؛ ومن هنا فقد خلت برامجها السياسية من البرنامج الاجتماعي المحدد والدقيق مما أسقطها أسيرة التنظيرات البحتة أحيانا والتي لم تسهم بالقدر الكافي في تحريك الأغلبية ووضع تلك الأحزاب في مأزق تاريخي .

ولم تستطع مجموعات الحركات الوطنية والقومية في العراق أن تكون نوعا من الارتداد إلى الذات العراقية البحتة لتنشيٌ لها قاعد ة اجتماعية صلبة يمكن من خلالها إحداث حراك اجتماعي ، ومن ثمّ الارتقاء بالعقل العراقي إلى مستوى أعلى في التفكير وبما يتجاوز المكونات العاطفية للجماعات العرقية التي تدعو أحيانا إلى الانفصال .

عبرت شرائح اجتماعية مهمة في المدن العراقية الكبرى عن نفسها ولأول مرة منذ ثورة العراق الكبرى عام 1920 عن نفسها بوضوح تام في وثبة كانون 1948مستغلة الانفراج السياسي الجزئي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية . وسجلت الذاكرة العراقية أياما مجيدة لمختلف طبقات وشرائح المجتمع العراقي ، كم ظهرت المرأة العراقية ولأول مرة على الساحة السياسية معبرة عن مواقفها الوطنية من جديد منذ عام 1920 حينما دأبت على تحشيد الرجال في المعارك التي خاضوها ضدّ الإنكليز فكون ذلك الأمر صدمة حقيقية للأغلبية الصامتة بكل أطيافها ، ومن الملاحظ  تاريخيا أن مظاهر الرفض الوطني قد اتخذت تمظهرات شعبية على وجه الخصوص . وتمثلت بالدرجة الأساس بالطلبة  الذين لم يألوا جهدا عن المطالبة بحقوق الأغلبية العراقية التي خرج قسم منها عن صمته .

كانت تظاهرات أعوام 1954 وتظاهرات رفض حلف بغداد 1955 ونصرة الجزائر وشجب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من أهم المدد في التعبير عن الأغلبية بعد الثورة الوŸ