الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

25  حـزيـران  2005

المهدي المنتظر... في ضوء القرآن والعلوم الحديثة والرياضيات - 2

كتابات - زهير الاسدي

(( دراسة علمية تتناول بالبحث والتحليل  مسألة المهدي المنتظر على ضوء ما جاء في القرآن الكريم و السنن الكونية ويقوم بتفسيرها على حسب العلوم الحديثة مثل الرياضيات والفيزياء والأحياء ونحو ذلك ))

 

الباب الثاني :المهدي في الدنيا والآخرة

 

 الفصل الأول:  المهدي قائم بأمر الله

 

والآن بعد أن عرفنا -من خلال الأحاديث الشريفة والمصادر الكثيرة التي ذكرناها في المباحث السابقة- هوية المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً, واتضح لنا أنه  ليس مسألة مذهبية تخص فئة دون غيرها, بل هو من الحقائق الموثقة في مصادر المسلمين على اختلاف اجتهاداتهم, أصبح من الضروري عرض تلك الحقيقة -التي استخلصناها من الأدلة النقلية المتواترة -على العقل والقرآن الكريم, فإن تعارضت ولم تتوافق معهما سوف نضرب بها عرض الحائط , وإن توافقت وتطابقت مع نصوص القرآن والأدلة العقلية نأخذ بها ونعتبرها من الحقائق المؤكدة التي لا يسلك الشك إليها من سبيل .

 

ولأجل ذلك نتناول أولاً مسألة أخرى- قد تكون غير مبحوثة من قبل- تتصل بهوية المهدي المنتظر بالبحث والتحليل, و المسألة هي :

 

ان المهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام ليس بمقام الإمام -الثاني عشر- الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً في الحياة الدنيا فحسب , بل هو بمقام القائم بأمر الله الذي بواسطته يحاسب الله الناس أجمعين في النشأة الأخرى الخالدة ( يوم القيامة).

 

 فكما هو المصمم من قبل السماء لأداء أهم وأخطر مهمة في الأرض - إظهار الإسلام على الدين كله وبسط العدالة الشاملة في الأرض- في الحياة الدنيا,  كذلك هو الذي يتولى أمر العدالة الشاملة في يوم الحساب, فهو- كما سيظهر خلال البحث- المرآة التي يظهر فيها الله للناس (في مقام الظاهر) في الدنيا والآخرة , أي  في  شخصه المقدس تتجلى أسماء وصفات وأفعال الله للناس في الدنيا والآخرة, فيكون واسطة لظهور الله في سبيل بسط العدالة الشاملة (في الدنيا) وحساب الناس أجمعين (في الآخر).

 

وفي سبيل بيان تلك المطالب نبدأ أولاً بتصوّر الحساب يوم القيامة , ثم بيان الضرورة التي تفرضها طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق , وعند استعراض الأدلة يظهر لنا ان حساب الناس يوم القيامة ينبغي أن يكون بواسطة بشرية وجودها ضرورة وجودية لا يمكن تحقق ولا حتى تصوّر الحساب دونها , ثم نشير إلى العلاقة الضرورية التي تؤكد أن الذي يبسط عدل الله في الأرض هو ذاته الذي بواسطته يتولى الله شأن العدالة والحساب في الآخرة .

 

 والمستحصل ان المهدي المنتظر عليه الصلاة والسلام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً  في الحياة الدنيا , هو ذاته الذي سيتولى مهمة العدالة الشاملة في الحياة الأخرى ,أي هو الواسطة الضرورية التي بها يحاسب الله الناس يوم القيامة, وستكون المصادر والبراهين التي تؤكد لنا تلك الحقائق من العلوم الحديثة والقرآن الكريم الذي هو (..تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)[1].

 

تصوّر الحساب يوم القامة:

 

مما لا شك فيه ولا نقاش في عقيدة المؤمنين بالله واليوم الآخر ان النشأة الأخرى من المحتوم الذي قرره وقدره الله سبحانه وتعالى , فجميع الرسالات المنزلة منذ آدم عليه السلام وحتى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد على حتمية الآخرة, وأن الحساب حق وأن الجنة والنار حق لا ريب فيه, فالاعتقاد بالآخرة والحساب من العقائد المحسومة التي لا شك فيها ولا اختلاف عند جميع المؤمنين بالله واليوم الآخر, ولكن تصوّر الحساب والكيفية التي يقف بها الناس أمام الله للحساب من الأمور التي قد تختلف الاجتهادات وتتنوع التصوّرات بشأنها.

 

والسؤال هو : ترى ما هي الكيفية التي يقف بها الناس للحساب يوم القيامة ؟؟ وهل يرون الله ويسمعون كلامه تعالى مجده عند الحساب والمحاججة والاختصام بين يديه؟؟

 

الجواب : من المؤكد ان الله جل شأنه منزه تنزهاً تاماً ومطلقاً عن مجانسة مخلوقاته, فهو تعالى مجده –وعلى حسب قانون العلية- لا يباشر أمر الخلق بنفسه بل يوكل ذلك إلى مخلوقاته فيكونوا هم السبب الذي بواسطته ينفذ أمر الله في النشأة . فعلى سبيل المثال: الله هو الذي يحيي ويميت, ولكنه جل شأنه منزه عن مجانسة مخلوقاته فلا يباشر ذلك بنفسه ويقبض أرواح الناس بيده , بل أوكل ذلك  للملك عزرائيل والملائكة الذين معه لتولي أمر الموت وقبض أرواح الناس (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )[2] .

 

والله جل شأنه هو الذي يخلق ولكنه جعل لهذا الخلق أسباباً طبيعية فالناس يُخلقون بواسطة الآباء وعن طريق النطفة (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً..)[3] والمعنى ان التراب يتحوّل إلى مواد غذائية نباتية ثم حيوانية , ثم تكون نطفة في صلب الإنسان المتغذي بها , ثم تكون النطفة علقة وجنين نامي ثم يولد طفلاً مرشحاً لجميع الاحتمالات المعروضة في طبيعة الحياة التي ينمو ويتكامل فيها.

 

والله تعالى مجده هو الذي يحيي الموتى ويبعث من في القبور , لكنه متنزه عن مجانسة مخلوقاته فلا يباشر ذلك بنفسه ويحيهم فرداً فرداً بل جعل لذلك سبباً وهو النفخ في الصور, وقد أوكل أمر النفخ-كما تؤكد المصادر الإسلامية- للملك إسرافيل  (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)[4].

 

والله جل شأنه هو الذي يكتب في الغيب الأقدار والأرزاق والآجال وغيرها , ولكنه منزه عن ذلك ولا يباشر الكتابة بنفسه , بل أوكل ذلك إلى الخليفة التكويني ومن يقوم بأمره  (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ )[5] .

 

والله تعالى مجده هو العليم الحكيم الرحيم بالعباد الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور, ولكنه لا يباشر ذلك بنفسه, بل بواسطة الأنبياء والمرسلين الذين ينزل عليهم الكتب والرسالات بواسطة الملائكة ( الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )[6]

 

ولما كان الله تعالى مجده منزه عن مجانسة مخلوقاته في جميع الأمور التكوينية والاعتبارية كما يصرح هو في كتابه الحكيم, فإن الحساب يوم القيامة لا يمكن أن يباشره هو بنفسه, ومن المحال أن يظهر للناس بذاته ويكلمهم بصورة مباشرة , فقد أثبتت البراهين القاطعة استحالة ذلك ويؤيدها الذوق العقائدي السليم , فرؤية الله تعالى مجده أو سماع صوته عند الحساب محالة لعدة قرائن منها:

 

أولاً: ان ذلك يعني أحد أمرين: إما أن يرتقي الممكن إلى مرتبة الواجب ويتصف بالصفات الكمالية الوجوبية فيرى الله  ويسمع كلامه جهرة, وإما أن ينزل الواجب إلى مرتبة الممكن ويتصف بالصفات الناقصة الممكنة فيخضع للزمان والمكان كي يتسنى للناس رؤيته وسماع صوته, وكلا الأمرين باطل ومحال تحققه, يرفضه العقل و يأباه الذوق العقائدي السليم , فالصفات الكمالية الوجوبية منزهة وممتنعة عن النزول من علياءها المطلق إلى سفل الإمكان وقيد الماهية المحدد بالزمان والمكان , والممكن الناقص الفقير ممتنع عن تجاوز قيد الماهية وحدود الزمان والمكان, فكيف يمكن له بلوغ مقام المطلق والإحاطة به ؟؟  وهو تعالى مجده (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[7] ,  (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[8] .

 

ثانيا: ولما كان الله هو المطلق, فإن كل أسماءه وصفاته مطلقة بالضرورة, فكما رحمة الله مطلقة , كذلك لطافته  مطلقة بالضرورة , واللطافة المطلقة تعني ببساطة انه منزه تنزهاً تاماً ومطلقاً عن المادة , أي ان نسبة المادة إليه = صفر , ولهذا (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . وهكذا يتضح لنا ان رؤية الله ممتنعة ومحالة مطلقاً وكذلك سماع صوته جل شأنه .

 

وهذه الحقيقة التي أوضحناها إنما مقدمة ضرورية لبيان حقيقة الحساب وكيفيته يوم القيامة , كي نقول:

 

 كما ان الله لا يخاطب الناس مباشرة عندما ينزّل عليهم الكتب السماوية ليخرجهم من الظلمات إلى النور, بل جعل ذلك بواسطة الأنبياء والمرسلين من البشر أنفسهم, كذلك الله عند حساب الناس والقضاء بينهم بالقسط لا يباشره بنفسه, بل جعل لهذا الأمر واسطة بينه وبين الناس, وهذه الواسطة إنما ضرورة وجودية لا يمكن تحقق ولا حتى تصوّر الحساب يوم القيامة دونها. و للبساطة يمكن تشبيه الواسطة لظهور الله وأمره في النشأة حيث يتطلب الحساب التكليم والمحاججة والاختصام بالمرآة أو جهاز ( التلفزيون) الذي ينقل الصورة والصوت من جهة الصدور إلى جهة الوصول دونما حلول أو مجانسة , فأنت حينما تشاهد التلفزيون أو تنظر في المرآة لا ترى حقيقة المشهد المنظور بذاته, بل ترى صورة عنه , كذلك الأمر عند الحساب يوم القيامة يجب أن يكون بواسطة (مرآة) يتجلى الله فيها .

 

والسؤال هو :

 

 إ ذا كان الله تعالى مجده منزه عن مجانسة مخلوقاته لا يرونه ولا يسمعون صوته , فكيف يحاسبهم  ويحكم بينهم –بالعدل- يوم القامة ؟؟ هل يكون ذلك بواسطة ملك من الملائكة , أم مخلوق بشري مهمته القيام بأمر الله وبسط عدله ؟؟

 

للجواب نقول : بما أن الحساب مختص بالبشر فإن الواسطة ( المرآة) التي يظهر الله فيها للناس لحسابهم والحكم بينهم يوم القيامة ينبغي أن يكون من البشر أنفسهم , فكما يختار الله من البشر أنبياء ومرسلين واسطة لتبليغ رسالاته وتعليم الناس الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور , كذلك يختار الله من البشر واسطة ( مرآة) يظهر فيها ليكلمهم ويحكم بينهم بالعدل يوم الحساب وتوجد عدة قرائن تؤكد هذه الحقيقة.

 

1- بما أن البشر هم المعنيون بالحساب, والحساب يتطلب الحوار والمحاججة والاختصام, فإن الحساب لا يمكن أن يكون إلا بواسطة إنسان (خليفة الله) مهمته بسط عدل الله يكلم الناس ويكلموه ويختصمون عنده.

 

(قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً)[9]

 

2-لما كان الإنسان أشرف من جميع الملائكة وأعلى منزلة منهم عند الله بدليل قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)[10] دونما استثناء لآدم عليه السلام عند بث الروح فيه , فإن الله جل شأنه عند الحساب لا يظهر للناس ويكلمهم إلا بواسطة أشرف مخلوقاته( الإنسان) خليفته في الأرض وحامل الأمانة التي عجزت عن حملها جميع المخلوقات , ويؤكد هذه الحقيقة قوله : (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)[11]

 

3-أما عن الجن  المبتلون بالتكليف الشرعي والمحاسبة يوم القيامة , فشأنهم شأن الإنس , فكما يبعث الله لهم الأنبياء من البشر وليس من الجان , كذلك  حسابهم يوم القيامة يكون بواسطة الإنسان وليس من الجن , وللعلم الإنسان أعلى مرتبة من الجان والدليل على ذلك إن الله طلب من إبليس  – وهو من الجن – السجود لآدم مع الملائكة لكنه أبى واستكبر فحقت عليه لعنة الله إلى يوم الدين لمعصيته ذلك الأمر , ( إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ)[12] .

 

(وَإِذْ قُلنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[13]

 

وعلى هذا فإن نوع الجن الذي طلب منهم السجود لآدم عليه السلام أقل مرتبة من الإنسان ولا يمكن أن يتولى أحد منهم الحساب يوم القيامة , بل  نوع الإنسان ( المنحدر من آدم ) الذي سجد له الملائكة كلهم أجمعون , هو الأقرب إلى الله من حيث الكمال, وهكذا يظهر لنا –بوضوح- ان الإنسان الكامل هو المرشح الوحيد لـ أن يتجلى الله فيه ليكون الواسطة التي يحاسب بها الله الناس يوم القيامة.

 

 

 

مناقشة البراهين

 

بعد أن قدّمنا البراهين –الأساسية- الواضحة , التي تؤكد على أن مهمة الحساب يوم القيامة يجب أن يتولاها الإنسان الكامل ( خليفة الله) الذي حمل الأمانة من دون المخلوقات, على اعتبار ان الله منزه تنزها تاماً ومطلقاً عن مجانسة مخلوقاته, نتناول في هذه الوريقات تلك البراهين بالنقد والمناقشة .

 

 

 

من الثابت والمؤكد عند المؤمنين ان النشأة الأخرى ضرورة وجودية لظهور هوية الله فيها , وأن الحساب في تلك النشأة حق لا ريب فيه , وأن الواسطة( المرآة) التي يظهر الله فيها للناس لحسابهم وبسط عدله ضرورة وجودية لا يمكن تحقق أو تصور الحساب دونها , ودليل الضرورة هو استحالة رؤية الله وسماع صوته مباشرة , فلا بد من واسطة بشرية لهذا الأمر, كما الأنبياء واسطة بشرية لوصول كلام الله ( علم الله) إلى الناس.

 

 

 

ولما كان البعث من بعد الموت حق, وعدل الله حق, والحساب بالثواب والعقاب حق , وهو عام شامل للناس أجمعين , وكان الحق المتعالي هو الوجود الصرف والكمال المطلق المنزه تنزهاً تاماً ومطلقاً عن مجانسة مخلوقاته (غير خاضع لحيثيات الزمان والمكان), فإن بسط العدل وحساب الناس أجمعين بالثواب والعقاب ينبغي أن لا يباشره الله جل شأنه بنفسه , بل يكون بواسطة خليفته الكامل التام القائم بأمره وباسط عدله, ولبيان هذا الأمر بمزيد من التفصيل ينبغي التذكير أولاً بأن هناك الكثير من الآيات القرآنية التي تشير إلى ظهور الله للناس-بعضها في الدنيا- وتكليمه إياهم وحسابهم يوم الحساب ( القيامة), نذكر منها :

 

(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)[14]

 

(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[15]

 

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[16]

 

 

 

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[17]

 

(قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ *مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ )[18]

 

 (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[19]

 

في الآيات أعلاه –وغيرها كثير- إشارات واضحة إلى أن الناس سوف ( يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ ) وهذا – كما سيأتي بيانه- سيكون في آخر الزمان, أي في الحياة الدنيا بدليل قوله: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) . حيث (يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) في الدنيا المفطورة على النقص, أما في الآخر فتظهر كل الحقائق الخافية, وعندئذ تأتي كل آيات ربك غير منقوص منها شيء.

 

والآيات تقول: ان الله تعالى مجده لا ينظر إلى فئة من الناس ولا يكلمهم ولا يزكيهم يوم القيامة, وبقية الناس ينظر إليهم ويكلمهم عند الوقوف أمامه للحساب, , وبعض الآيات ظاهرها يشير إلى مجيء الله وحضوره في المكان نحو قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)[20],  و هناك فئة من الناس ينظرون إليه (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).

 

 والسؤال هو :هل تكليم الله  للناس يوم القيامة عند الحساب يكون بصورة مباشرة من حضرة قدس الحق تعالى مجده ؟ أم بواسطة القائم بأمره الذي اختاره لهذا الغرض؟؟

 

الجواب على هذا السؤال بات واضحاً وأكيداً لكثرة البراهين القاطعة التي تؤكد تنزه الله جل شأنه عن مجانسة مخلوقاته , فمن المحال أن يظهر للناس ويكلمهم بذاته سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة, لأن الظهور والتكليم يعني خضوع المطلق للمكان والزمان أي افتقار الخالق لمخلوقاته, ورؤية ذات الله أو سماع صوته جهراً تعني الإحاطة به ( إحاطة المخلوق المقيد بقيد الزمان والمكان بالله المطلق) وهذا محال كما هو بيّن وتؤكده البراهين القاطعة.

 

 فكما استحالة الرؤية وحضور ذاته تقدس وتعالى في المكان كذلك استحالة تكليمه للناس , لأن التكليم على حسب الذي يألفه الناس يعني سماع الصوت , والصوت لا يصدر إلا عن جسم فصوت الكلام المألوف لنا إنما يكون من اهتزاز الأوتار الصوتية التي في الحنجرة , وهذا الصوت لا يكون مسموعاً إلا إذا انتقل خلال وسط مادي, فالصوت الذي تسمعه من أحدهم أو من الآلات إنما يكون محمولاً عبر ذرات الهواء , وهذا ما أثبتته التجارب العلمية الحديثة , حيث وضعوا جرس كهربائي في صندوق زجاجي مفرغ من الهواء وقاموا بتشغيل الجرس فيه , فوجدوا أنهم يشاهدون اهتزاز عتلة الجرس دونما سماع الصوت , وخرجوا بنتيجة مفادها: ان الصوت لا يصدر إلا عن جسم ولا ينتقل إلا من خلال وسط مادي .

 

 

 

و لما كان الصوت لا يصدر إلا عن جسم  ولا ينتقل إلا بواسطة المادة, فالكلام المسموع عبارة عن معنى محمول في وسط مادي , ولما كان الحق تعالى مجده منزه تنزهاً تاماً ومطلقاً عن المادة فمن المحال أن يصدر عنه صوت يكلّم به الناس لأن ذلك يعني التجسيم والخضوع للمكان والزمان . فإذا كان الإنسان لا يرى الهواء وهو مادة ,فكيف يرى الله المنزه عنها( المادة) تنزها تاماً مطلقاً؟

 

 

 

 ولما استحال على الله مجانسة المادة وخضوعه للزمان والمكان (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[21], فلن يبقى إلا القول :بأن  ظهور الله للناس أو تكليمه إياهم ( سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة) إنما يكون بواسطة  أشرف مخلوقاته وهو الإنسان الكامل , وسيظهر خلال البحث انه القائم بأمر الله (المهدي المنتظر ) عليه الصلاة والسلام  الذي يتولى مهمة العدالة الشاملة في الدنيا والحساب يوم القيامة .

 

 

 

الباب الثاني : المهدي في الدنيا والآخرة

 

 الفصل الثاني : كلام الله حقيقة إطلاقية

 

 

 

ما دمنا في معرض الحديث عن تكليم الله لمخلوقاته ينبغي أن نشير إلى أن تكليم الله جل شأنه لموسى عليه السلام, لم يكن تكليماً مباشراً كما نتكلم نحن مع بعضنا البعض , بل خلق الله الصوت خلقاً فسمعه موسى من مصدر مادي وهو الشجرة , وخلق الصوت كما هو معلوم لا يعني المجانسة, فكما خلق الناس وخلق الموجودات الأخرى لا يعني المجانسة, كذلك ذات الله جل شأنه منزهة عن المجانسة عند خلق الصوت لموسى عند تكليمه إياه .

 

ما يقال عن البشر يقال عن الملائكة أيضاً, فالله جل شأنه كما هو منزه عن مجانسة الناس والمباشرة بتكليمهم, كذلك منزه عن مجانسة الملائكة وتكليمهم , على الرغم من انهم مخلوقات ( غيبية ) غير ظاهرة لنا في عالم الطبيعة والشهود, إلا أنهم مخلوقين من مادة لطيفة ( اقل كثافة من مادة عالم الطبيعة الظاهرة), فمن المؤكد أنه لا يوجد موجود في الوجود منزه تنزها تاماً و مطلقاً عن المادة إلا الحق تعالى مجده وهذا التنزيه يوجب امتناع المجانسة مع المخلوقات سواء كانت غيبية أو شهودية ,طالما يرجع الجميع إلى اصل مادي مقيد بالزمان والمكان , فالمجانسة تعني خضوع الكامل المطلق للزمان والمكان وقيدهما ومحدداتهما , وهذا محال على الله تعالى كما هو بين ومؤكد بالبراهين .