|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
18 نيسان 2005 |
|
مستقبل الهوية ومصيرها بحث في النفس الإنسانية في ضوء القرآن والعلوم الحديثة والرياضيات الحلقة الثالثة كتابات - زهير الأسدي
الحركة الموجبة والسالبة للنفس مما لا شك فيه ولا نقاش أن الإنسان السوي يحب الكمال في مجال السعادة واللذة والراحة والجمال والعلم..الخ , وهذه حركة طبيعية فطرية ( موجبة) تتجه نحو الكمال (الله) حتى يلاقيه, (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيه) (الإنشقاق6)
أما أن يحب بعضهم الشقاء , الحزن, الألم , القبح , الجهل..الخ , فتلك حركة مرضية ( سالبة) تتجه نحو التسافل حتى يكون في دركاته ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (5 التين)
ولما كانت النفس الإنسانية في بداية نشأتها مفطورة على مقادير متكافئة من السالب والموجب ( الخير والشر) بدليل قوله (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )(الشمس8) فإن السؤال هو :
كيف تنشأ كل من الحركة الموجب والسالبة , وما هي مصادر الطاقة الأساسية التي تغذي كل منها ؟؟
للجواب أقول: طالما الطفل في يوم ميلاده لا يعلم شيئاً عن الحياة في مجال اللغة والفكر والتوجهات , وتتكون عنده تلك العناصر خلال مراحل النمو والتكامل فيتعلم اللغة ويكتسب العادات والتقاليد والأفكار من المحيط, فإن النفس تنمو وتتكامل كما ينمو ويتكامل جسد الإنسان ( وكل كائن حي) وهذا يعني أنها عملية تراكم مواد ( طاقة) مكتسبة من المحيط شيئاً فشيئاً خلال مراحل النمو والتكامل التي تمر بها النفس .
فمن خلال الاب وألام وبقية أفراد الأسرة والمجتمع يتعلم الطفل اللغة التي يتبادل بها المعلومات مع المحيط , فالذي يولد ويعيش في بيئة عربية يتكلم اللغة العربية , والذي يولد ويعيش في بيئة انجليزية يتلكم اللغة الانجليزية , وهكذا بقية اللغات واللهجات المحلية والعادات والتقاليد والقيم والأفكار والعقائد .
ولما كان ليس في عقل الطفل يوم ميلاده كلمة واحدة من أي لغة ( سوى لغة الصراخ التي يجيدها جميع أطفال العالم) فإن تعلم اللغة واكتسابها من المحيط إنما تكون عن طريق الإيحاء وباتجاه واحد من المحيط إلى الطفل, لان الطفل لا يستطيع إنتاج وتصدير أي فكرة للخارج ( المحيط) فقط يستلم منه ويقلد ما ترد إليه من معلومات لغوية ,حركية ,عاطفية , فكرية ونحو ذلك . ومع مرور الزمن تزداد حصيلة الطفل المعلوماتية عن طريق تراكم الوحدات الإيحائية الداخلة إلى نفسه , وكلما ازدادت معلوماته وأصبح قادراً على أنتاج أفكار وتصديرها إلى الخارج ( المحيط) كلما قل اعتماده على المحيط واكتفى بما عنده من معلومات , فالمادة اللغوية والفكرية التي كانت في المحيط أصبحت عنده في الداخل ( في نفسه- عقله) يستخرج منها ما يحتاج في سبيل تحليل المعلومات الواردة إليه أو التي يريد أنتاجها وتصديرها إلى الخارج ( المحيط) .
ولما كانت جميع المعلومات التي في( نفس – عقل) الإنسان البالغ متأتية من المحيط ولم يولد مزوداً بها , فإن ذلك يعني أن الطاقة الفكرية التي تحرك الإنسان نحو اتجاه ( فكري- عاطفي – ديني ـ آيدلوجي) معين, كما الطاقة المادية التي يحصل عليها من الطعام في سبيل الحركة والتفكير , يحصل عليها يوميا وبجرعات متفاوتة النسبة وباستمرار , وعلى حسب تلك الجرعات الفكرية التي يتعاطاها الإنسان من المحيط يكون مخزونة منها وأتجاه حركته ( موجبة أو سالبة) فيكون الإنسان سوي يتحرك بنفس اتجاه حركة الكون الموجبة المتجه نحو الكمال والسعادة ( عالم الجنة) أو يكون إنسان غير سوي يتحرك بالاتجاه المعاكس المتجه نحو التسافل ( عالم الجحيم).
أما عن الحركة الموجبة في الإسلام , فإن التوصيات الإسلامية تأمر بضرورة الآذان والإقامة في إذني الطفل المولود حديثاً , وحينما فتشت عن الأسباب من وراء ذلك , وجدت أن نفس الطفل التي تولد بمقادير متساوية من السالب والموجب – الخير الشر- (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) إنما تكون في وضع متكافئ ومستقر أي بلا أي اتجاه نحو الموجب ( الخير) أو السالب ( الشر) وحينما يؤذنون ويقيمون في أذني الطفل ( الخالي من أي معلومة) إنما يدخلون طاقة فكرية موجبة , فيختل التوازن ما بين السالب والموجب وتصبح كمية الموجب اكبر من السالب على اعتبار الآذان والإقامة مادة موجبة , فتتحرك نفس الطفل -الضعيفة التي تتأثر بأي شيء - بالقيمة الموجبة الجديدة المضافة , فتكون نفس موجبة تتحرك نحو الاتجاه الموجب , وكأن الكلمات الإيحائية كانت قوة محركة دفعت بنفس الطفل الضعيف نحو الاتجاه الموجب , وهكذا تستمر الحركة وتزاد قوتها كلما دخلت معلومات موجبة إلى نفس –عقل الإنسان منذ ميلاده و خلال مراحل عمره وحتى الموت .
إن المجتمع الذي نحيا فيه والكتب والتي نقرأها والمحاضرات والخطب والأناشيد التي نسمها والمادة البصرية التي نشاهدها في الواقع والتلفزيون والأجهزة الأخرى , إنما تصدر إلينا مواد إنشائية تساهم في بناء عقولنا ومخزونات من طاقة فكرية وعاطفة وعقائدية تكون جزء من ذاتنا ونستخدمها في إنتاج مواد فكرية و عاطفية وعقائدية وأيدلوجية ننتجها ونصدرها للخارج عن طريق الحوار مع الناس والكتابة والتأليف والرسائل والخطب ونحو ذلك . فالطفل والصبي الذي كان في موضع استلام إيحاءات من الخارج يصبح مصدراً لها بعد ان ينضج وتتكون لديه المنظومة الكافية على الإنتاج .
الهوية إن أهم ما يجب ان يلتف إليه الإنسان هو أن يعلم بهويته الوجودية ويعتز بها ويحافظ عليها طوال حياته ويحميها من التشتت والضياع , وإن ما تراه من شذوذ جنسي وفكري وعاطفي وعقائدي عند الناس إنما نتيجة ضياع الهوية التي سببها معلومات سلبية وافدة على العقل من الخارج ( المحيط) .
فالطفل لا يعلم بهويته ولا يعرف هل هو ذكر ام أنثى , ولا يعرف حتى اسمه الشخصي , لأنه بلا معلومات أصلا عن هذه الأمور المميزة للهوية , وإنما يعرف تلك المعلومات حينما تأتيه من الخارج , كلما كانت تلك المعلومات صحيحة كانت هويته التي يعلم بها متطابقة للواقع البيولوجي والمعنوي ,والعكس صحيح .
فالطفل الذكر إذا ما تربى مع مجموعة ذكور في البيت والمدرسة والمجتمع , فإنه يكتسب منهم هويته الذكورية ويظهر ذلك من خلال أدوات اللعب التي يختارها وطريقة لبسه و حركاته وسكناته وطريقة تفكيره ..الخ
أما الشذوذ بأنواعه , الجنسي, الفكري, العقائدي ,الخ , فسببه معلومات إيحائية خاطئة تدخل إلى نفس – عقل الإنسان خلال مراحل النمو والتكامل . فالطفل الذكر على سبيل المثال إذا ما تربى وسط مجموعة من الإناث وقضى معهن وقتا طويلاً في اللعب والتربية , فانه يكتسب هوية أنثوية دونما ان يشعر أو يشعر ذويه بذلك,إنها إيحاءات أنثوية تأتيه وتدخل عقله من خلال حركات البنات وطريقة لعبهن وكلماتهن وطريقة تفكيرهن تتراكم في نفسه – عقله شيئاً فشيئاً ,حتى تصبح جزء من هويته فيشعر بانه أنثى أو لديه ميول أنثوي تتعين درجته على حسب تلك الجرعات الإيحائية التي دخلت هويته ( نفسه- هويته) من خلال اللعب والمعاشرة مع البنات .
والبنت الصغيرة إذا ما تربت وسط مجموعة من الصبيان ومارست معهم اللعب وقضت معهم وقتا طويلاً في اللعب والتربية, فإنها سوف تكتسب طبيعة ذكورية ضمن هويتها عن طريق الإيحاء الوافد إليها من حركات وسكنات الأولاد وطريقة لعبهم وكلماتهم التي يداولونها , فتشعر أن هويتها ذكر او لديها ميول ذكوري تتعين درجته على حسب تلك الإيحاءات التي وفدت إلى هويتها ( نفسها –عقلها) . ولا يشترط أن تكون مراحل الطفولة الأولى هي السبب الوحيد في تغيير الهوية بل النفس الإنسانية تتأثر بالإيحاءات الخارجية في جميع المراحل وطوال وجودها في نشأة الحياة الدنيا .
بنفس هذه الكيفية يكون الشذوذ الفكري والعقائدي والنواقص الأخرى التي تحرك الشخصية نحو الاتجاه المعاكس للفطرة الطبيعية للإنسان , إنها طاقة معنوية ( فكرية , عقائدية, فكرية, عاطفية) ترد إلى العقل من الخارج ( المحيط) عن طريق الكتب , المحاضرات, الأغاني , وسائل الإعلام ,,الخ تتراكم شيئاً فشيئاً في ذهن الإنسان حتى تصبح جزء من شخصيته , ولما كان الطفل يولد بلا إي معلومة أو معرفة او ميول , فإن شخصيته العلمية والعقائدية والعاطفية , عبارة عن إيحاءات متراكمة وافدة إليه من المحيط , فكما جسد الإنسان عبارة عن مجموع خلايا جاءت من المحيط عن طريق الغذاء , كذلك شخصية الإنسان عبارة عن مجموعة إيحاءات متراكمة جاءت إليه من المحيط.
الإيحاءات الغنائية الخطرة إن نسبة كبيرة من شخصية الإنسان تتكون عن طريق اللذة والجمال والتذوق الفني للإبداعات, فهذه تعتبر من أعظم نقاط الضعف والقوة في آن عند الإنسان , لأن النفس بطبيعتها تحب اللذة وتطلبها وكذلك الجمال وموضوعاته . وهذا الحب إنما قبول مواد إيحائية محمولة بقالب اللذة والجمال , والقبول يعني الترحيب بما يدخل ويتراكم في النفس ويصبح جزء منها, على العكس من الرفض الذي يعتبر عملية طرد للمواد الإيحائية.
والإسلام يوصي بربط الجمال بمظاهر العبادة لأهمية ذلك بتكوين النفس المؤمنة الراغبة في العبادة , نحو (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(الأعراف32)
ولما كانت النفس الإنسانية مصدرها الله ( نفخت فيه من روحي) وهو تعالى مجده رب الكمال والجمال واللذة والسعادة ( الجنة), فإن الحركة الطبيعية للنفس السوية هي ان تنجذب نحو الله في مقامات الجمال , اللذة , السعادة, العشق ونحو ذلك , وان أي حركة بالاتجاه المعاكس تعبر شذوذ عن الفطرة الإنسانية السليمة ( مرض).
ولو فتشنا في الواقع عن مظاهر الحركة الشاذة للنفس المريضة التي تحب الألم والعذاب والحزن الأهانة ونحو ذلك من المظاهر السلبية التي قد تتصف بها أنفس البعض وبدرجات متفاوتة , فإننا سوف نجد الكثير من الشواهد المعلومة بوضوح والتي قد نتفكر بها مليا ونعمل عليها دراسات علمية , أو نمر عليها مرور الكرام , وبهذه المناسبة أشير إلى بعض أخطر النماذج الواقعية التي قد تصادفنا في حياتنا اليومية وهي الأغاني التي يستمع إليها البعض برغبة أو بدونها , لكي يستفيد منها القارئ ويحصن نفسه وعائلته وأطفاله من لوثاتها حفاظاً على سلامة الفطرة .
أذكر أنني في بغداد - أيام حكم الطاغية هدام - حينما كنت أذهب إلى عملي وإلى الجامعة كنت أمر بالكثير من الإيحاءات النفسية السالبة التي يفرضها البعض على الناس من خلال الأغاني في سيارات الأجرة والمحلات العامة والمقاهي والشوارع وبياعي العصير ( الشربت) والأسواق والمطاعم دونما قصد منهم , اصعد إلى سيارة الأجرة أجد السائق قد شغل المسجل أو الراديو والمطرب المغوار يصرخ ( أحرگ بروحي حرگ وبناري أچوّة.. ) وها هنا أشارة واضحة إلى حب الألم والنار والعذاب... أمر في الشوارع أجد أصحاب المحلات قد شغلوا المسجل ومنه تنبعث إيحاءات من نوع ( .. حيل أسحن گليبي سحن أو غرگني بالهم والحزن ) وهذه ايضاً اشارة واضحة إلى حب بل استجداء الألم والحزن والدموع ... أدخل إلى كفتريا أو مقهى لمقابلة صديق اتخذه نقطة مكانية لموعد اللقاء , أجد صاحب المقهى يفرض على زبائنه ذوقه السالب من خلال المطرب الذي يبعث أيحاءات من نوع ( حبك نار مش عايز أطفيها ولا اخليهة دقيقة تمر ما بحسش فيهة.. نار يا حبيبي نار )
انظر كيف يتلذذ الشاعر الذي كتب الأغنية بعذاب النار إلى درجة انه لا يريد ان يطفيها ولا يريد ان تمر دقيقة واحدة من عمره دون أن يشعر بها . وهذه الأغاني - وغيرها كثير – تشير بوضوح إلى حركة شاذة للنفس التي أنتجت ( أنجبت ) تلك الكلمات , إنها ببساطة شخصية مصابة بمرض الاتجاه السالب (المازوشية) الذي من مظاهره التلذذ بالعذاب والألم والحزن الأهانة , ولا احد يتلذذ بالنار والعذاب إلا الشيطان الرجيم الذي يعصي الله ويغوي العباد على علم وعن سابق تصور وتصميم , لعنة الله عليه.
وما بين سيارة أجرة وأخرى ومحل وآخر وسوق وآخر تصطدم بالكثير من المظاهر المرضية التي تفرض على الناس والمستطرقين من خلال أغاني من نوع (( آني اللي أجرحت أيدي بديّة ) (چذاب دولبني الوكت بمحبتك, چذاب) ( خاين يا چذاب عندي وياك أعتاب ) و .. و ألخ . فالشخص الجدير بالمحبة عند هؤلاء المرضى الذين يكتبون تلك الأغاني ويتلذذون بها هو الذي يكون بهذه الصورة ( خائن , كذاب, متكبر لا يلقي السلام – فات ما سلم عليّ ـ يجرح , يعذب , مغرور , ظالم , لا يلتزم بالمواعيد .. ألخ ) تلك هي الصفات المحبوبة عندهم والتي تستحق المحبة والتغني بها, بينما الشخص السوي ينفر من أؤلئك الأشخاص ( الخائن , الكذاب, المغرور , المتكبر ....الخ ) ولا يتشرف ان يقول لأحد منهم حبيبي أو يكتب عنه قصيدة أو يتغنى به .
لا تظن أن تلك الأغاني تمر عليك مرور الكرام بعد سماعها ولو عنوة , بل تؤثر على سامعيها بدرجات تتناسب طردياً مع كمية الجرعات المأخوذة , حيث تنفذ إلى النفس الباطنة وتصير تدور وتسبح مع أفكاره في مناسبات كثيرة , وقد تخرج إلى سطح تفكيره ويصير يدنن ويتغنى بها دون ان يدرك السبب, وها هنا تكمن الخطورة حيث أنه يعيد إنتاج تلك المادة المرضية من حب العذاب والألم والحزن والخيانة والظلم دون أن يدري وقد يتلذذ بها , لأن اللحن محبب إلى النفس و أن المطرب قد برع في إيصالها فنيا للسامع.
وفي هذه الحالة تكون كلمات الأغنية كما الفيروسات والجراثيم , صدرت من نفسية الشاعر المصاب بالمازوشية (حب الألم والعذاب) الذي أنتجها وصدرها للآخرين بواسطة المطرب الذي مارس دور الناقل للعدوى , وهذا السامع المسكين استلم تلك الجرعة من الفيروسات الفكرية واحتضنها فترة من الزمن ثم أخذت تظهر عليه أعراض ذلك المرض من خلال التغني بتلك الأغاني والاستمتاع بها . وهكذا يتم نقل الكثير من الأفكار سواء كانت أيجابية أو سلبية إلى الناس دون أن يشعرون .
أنا شخصيا كنت أنفر بشدة من تلك الإيحاءات غير السوية التي يفرضها البعض – دونما قصد- من خلال تلك الأغاني وكنت أسجل ملاحظاتي عنها , واذكر أنني كتبت دراسة علمية عنها عام 1990 ( جامعة بغداد ) مع توصيات بضرورة إدخال الشعراء والكتاب دورة تثقيفه في الصحة النفسية ليطلعوا على تلك الأمراض التي يروجونها إلى المجتمع من خلال الأغاني والإشعار دون أن يشعرون ,و للحد من انتشار تلك الأمراض وحفاظاً على الصحة النفسية للمجتمع .
منذ يومين , سمعت مقطعاً من أغنية عراقية على قناة الشرقية في غاية البشاعة والخطورة , اخطر من تلك الت يتقول (( أحرگ بروحي حرگ وبناري أچوّة.. ) ) ولأنني بطبعي انفر من الأغاني لم أتمكن من سماع إلا هذا المقطع الذي يقول ( ظالم ظالم ظالم.. حبيبي أكبر ظالم ) إنها ببساطة دعاية مجانية أو مدفوعة الثمن للظالمين , و قد تكون دعوة فنية إلى حب الظالمين بقصد او بدونه .
والسؤال هو : من ذلك الظالم الذي تروج له الأغنية , هل هو كل ظالم على الإطلاق .. أم هو صدام حسين , أم الأحتلال , ام عملاء الأحتلال أم ماذا . ومن هذا المريض الشاذ الذي يحب الظالم ويتغنى به؟؟
فكما هو معلوم ان الظلم يمثل حركة سالبة شاذة غير سوية , و أن أي إنسان يحتفظ بأبسط مقومات الإنسانية يرفض الظلم ويحاربه , (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )(آل عمران57)
ولما كان الله لا يحب الظالمين والنفس الإنسانية مصدرها الله , فإن الإنسان السوي السليم الفطرة يكون كما الله لا يحب الظالمين ولا يتعاطف معهم, ويقابل هذا فإن أي إشارة سواء كانت صريحة – كهذا الذي يتغنى بحبيبه الظالم- او مبطنة تعتبر علامة فارقة تشير إلى مرض نفسي وسلوك غير سوي تمارسه النفس التي أنتجت تلك المظاهر .
ولكي الفت نظر القارئ إلى خطورة هكذا أغاني التي تدخل إلى النفس دونما استئذان عم طريق الجمال, اطلب منه أن ينتبه إلى الإعلانات التجارية التي تروج إلى السلع الاستهلاكية عن طريق الأغاني أو غيرها .. حيث الدقيقة الواحدة للإعلان تكلف عشرات الآلاف من الدولارات , وطبعا التاجر صاحب السلعة يفكر بالأرباح قبل كل شيء , فكم يا ترى يربح التاجر من وراء تلك الأعلانات بحيث يدفع على الدقيقة الواحدة عشرات الآلاف من الدولارات ؟؟
ولزيادة الإيضاح أذكر هنا حادثة واقعية تبين خطورة الإعلانات التجارية والأغاني المروجة لها وتأثيرها على النفس .
في التسعينيات افتتح أحدهم مطعماً بالقرب من ساحة بيروت في بغداد , وكنت كل يوم– تقريبا- أمر بالقرب من هذا المطعم مرتين على الأقل خلال ذهابي إيابي من العمل , وكنت أرى زبائن قليلون جداً في هذا المطعم , وأحياناً بلا زائن .
فجأة ظهر إعلان في التلفزيون يروج لهذا المطعم , وبعد يومين أو ثلاثة صرت أشاهد العشرات مزدحمين في داخل وخارج المطعم ينتظرون دورهم في التشرف بالجلوس أو الوقوف في هذا المطعم الذي ظهر على شاشة الوجود , وقد دفعني الفضول ( العلمي) للاطلاع على بضاعة هذا المطعم الذي يتكالب الناس عليه بازدحام كبير , لم استطع في بادي الأمر الدخول إلى الداخل لشدة الزحام , وحينما دخلت وجدت الناس يفقدون كرامتهم وراحتهم النفسية( يتعصبون ويتشاجرون) والجسدية أيضاً و كذلك أناقتهم الظاهرة في الملابس ومكياج النساء الذي رايته يسيل مع العرق المتصبب على وجوههن,, وأن كمية الطعام المقدمة قليلة جداً والسعر باهض للغاية , وأن الزحام لم يترك وقتاً للعمال للاعتناء بترتيب قطع الطعام بذوق فكانت عشوائية ومقززة , ونفس الزحام جعل الأوساخ في المطعم والأطعمة تبدو واضحة للجميع ..ولا ادري بأي ذوق كانوا يتزاحمون ويأكلون ؟؟
وفي تلك اللحظات كنت أتساءل أي قوة سحرية أثرت على هؤلاء البشر وجعلتهم ينقادون هكذا ( بصورة غير آدمية) إلى هذا المطعم ويتحملون كل تلك البهذلة والمعاناة ؟؟ وأين كانوا قبل أن يظهر الإعلان عن هذا المطعم في التلفزيون ؟؟
من خلال اطلاعي عن قرب على هذه الظاهرة ( العجيبة) استطيع ان اجزم أنه ليس الطعام هو الهدف أو الدافع الذي جعلهم يتدافعون ويفقدون راحتهم و كرامتهم ويتعصبون خلال الزحام فهو لم يكن متميزاً بل كان غير نظيف ومقزز, بل الدعاية التلفزيونية هي السبب الذي جعلهم ينقادون هكذا ويتحملون كل تلك المعاناة والبهدلة من أجل ان يقترن حضورهم في هذا المطعم مع الدعاية التي ظهرت على شاشة التلفزيون, فحب الظهور وتكميل النفس هو الذي دفعهم إلى التزاحم إلى ذلك المطعم الذي ظهر كما لو كان شاشة الوجود, وهم بذلك يريدون من يظهروا كما ظهر هو على شاشة الوجود من خلاله اقترانهم بالمطعم الذي ظهر .
كما في هذا الإعلان الذي اثر بصورة أكيدة وفعالة على الناس, كذلك في الأغاني وكل عمل فني أو أدبي أو أكاديمي انه دعاية لشيء ما , درجة تأثيره تتناسب طردياً مع المهارة الفنية والعلمية التي تصوغه والوسيلة التي يظهر بها والمكان الذي يحتضنه . فمثلاً وجود قطعة أثرية عادية جداً ( ما تسوه درهم) في متحف مثل اللوفر أهم عند البعض , من كنوز أهم حضارة معروضة في متحف متواضع مثل( علاوي الحلة) . وهكذا ظهور مطعم أو سلعة متواضعة في التلفزيون أهم عند البعض من غيره وإن كان أفضل وأعظم .
والشيء الملفت للنظر هو أن بعد سقوط النظام في بغداد , انقلب الذوق العام في الشارع العراقي إلى الضد مما كان عليه, فأينما تذهب تسمع إما قرآن أو محاضرة أو خطبة أو نشيد إسلامي ونحو ذلك بالإضافة إلى الملصقات الجدارية التي تتضمن قيم إيمانية وثورية واضحة, مما يعني أن ذلك الذوق السلبي السخيف الذي كان يفرض على المجتمع العراقي آنذاك في الأغاني المريضة ومن خلال سائق التاكسي وسيارة الأجرة وأصحاب المحلات والمقاهي , قد يكون للنظام السابق يد في فرضه وتعميه على الناس وبمجرد ان زال النظام زالت معه تلك المظاهر الفاسدة .
والدين الإسلامي حينما يحرم الاستماع إلى بعض الأنواع من الأغاني إنما لأجل حماية الإنسان والحفاظ على آدميته , والحيلولة دون انقياده الأعمى وراء الإيحاءات السلبية التي قد تدفع بالضحية ( الإنسان ) إلى مزالق خطيرة دون أن يشعر . فالكثير من الناس يصابون بإمراض نفسية بسبب الإيحاءات التي تأتي من الأغاني والأعمال الفنية والنتاجات الفكرية التي تتسلل إلى النفس بطريقة محببة وتصبح جزء من الذوق الشخصي للضحية الذي يواضب على التعاطي مع تلك النتاجات وقد يعجب بها أو يحفظها عن ظهر قلب ويرددها من حين إلى آخر .
فإذا كنت وحدك , وخطر ببالك أن تردد أغنية قديمة قد سمعتها منذ سنوات برغبة منك أو بدونها , وإذا وجدت نفسك تردد مقطع من أغنية أو نشيد دونما مناسبة تستدعي ذلك , فأعلم أن ذلك يشير بوضوح إلى أنك كنت ضحية في ذلك الوقت وأن تلك المادة التي ترددها لم تذهب إلى العدم بل رسخت في أعماق نفسك وها هي تظهر إلى سطح وعيك وتخرج منك على الرغم منك .
إن تلك الأمثلة التي أشرت إليها لا تنحصر على الغناء والأعمال الفنية فحسب, بل تشمل جميع أنواع الإيحاءات التي تنفذ إلى نفسك دون أن تشعر بها في وقتها , أنها تصبح جزء من ذوقك ومعرفتك و علمك وصناعة قرارك , انها ببساطة جزء من هويتك الشخصية التي تراكمت شيئاً فشيئاً من خلال المادة الإيحائية الوافدة من المحيط .
وتلك المواد الإيحائية التي تراكمت فيك وفي أعماق وعيك فيها الايجابي الذي تعلمته من المدرسة والجامعة والكتب |