|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
30 تــمــوز 2005 |
|
الخلاف الطائفي، ذَهَب َ.. مع التاريخ - 2 كتابات - أحمد الكاتب
هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟ وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟ وهل يوجد مفهوم حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟
أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.
الحلقة الثانية: غيبة الشيعة
على رغم أن الشيعة الامامية الاثني عشرية كانوا يعيشون في القرنين الرابع والخامس، في ظل الدولة البويهية الشيعية، إلا انهم لم يستطيعوا إنتاج نظرية عصرية سياسية تلبي متطلبات الحياة ، وأصروا على تكريس نظرية (الانتظار) السلبية وترديدها في مختلف كتبهم الفكرية والفقهية. وحتى عندما قامت الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري ، فان قسما من الشيعة ظل يتمسك بموقف الانتظار السلبي للإمام الغائب المنتظر، كلازمة من لوازم نظرية (الإمامة الإلهية)، ويرفض الانخراط في الدولة الصفوية، بالرغم من تأييد الشيخ علي الكركي بناء على نظرية (نيابة الفقهاء العامة عن الإمام الغائب) والتي أجاز لنفسه على ضوئها إضفاء نوع من الشرعية على الدولة الصفوية. حيث كان ذلك القسم يرى في المحاولة الصفوية - الكركية انقلابا على أهم أسس النظرية الامامية ، من حيث اشتراط العصمة والنص في الإمام (الرئيس) واستلابا واغتصابا لدور الإمام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب).[1]
وتجلى ذلك الموقف السلبي من إقامة الدولة في (عصر الغيبة) في القرن الثالث عشر الهجري أيضا في موقف الشيخ محمد حسن النجفي صاحب (جواهر الكلام)، والذي عاصر الأيام الأخيرة للدولة العثمانية، ولكنه لم يفكر في الثورة عليها وإقامة دولة شيعية خاصة في العراق، رغم إيمانه بنظرية ولاية الفقيه الى درجة كبيرة، نظرا لأنه كان يؤمن "بعدم إمكانية إقامة الدولة في عصر (الغيبة) وإلا لظهرت دولة الحق وخرج الإمام المهدي، الذي لم يختف إلا بسبب الخوف على نفسه". ولذلك توصل النجفي الى ضرورة الانتظار، وعدم جواز إقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، بل عدم إمكانيتها. [2]
وقد انعكست نظرية الانتظار السلبي للإمام الغائب (الثاني عشر) على موقف الشيعة الامامية الاثني عشرية من :(قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مما أدى إلى نشوء ظاهرة الانسحاب السياسي عند قطاع واسع من الشيعة الامامية ، وضعف المشاركة الشعبية في التغيير الاجتماعي ، وقد تمثل ذلك بصورة جلية في إحجام عدد من الفقهاء الذين تسلموا زمام المرجعية الشيعية العامة عن خوض العمل السياسي أو التصدي للظلمة والطواغيت .[3]
كما انعكست نظرية (الانتظار) التي التزم بها أولئك العلماء ، أيضا ، على مسألة إقامة الحدود في (عصر الغيبة) ،حيث اشترطوا إقامتها بظهور الإمام المهدي الغائب.[4]
وكاد إجماع الشيعة الامامية الاثني عشرية ينعقد عبر التاريخ على حرمة الجهاد الابتدائي في (عصر الغيبة). فقد اشترط الشيخ الطوسي في :(المبسوط) في وجوب الجهاد : ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره ، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه ، أو حضور من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين ، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهرا ولا من نصبه الإمام حاضرا ، وقال: "ان الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، وان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما". واستثنى من ذلك حالة الدفاع عن النفس وعن حوزة الإسلام وجميع المؤمنين إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام.[5]
وإضافة الى تلك الجوانب السياسية التي علقها الفقهاء الذين آمنوا بنظرية (الانتظار) في عصر الغيبة، فقد علقوا أيضا الجوانب الاقتصادية التي ترتبط بالدولة ، كالزكاة والخمس والأنفال والخراج وما شابه.. إلا انهم لم يعطلوا قانون الزكاة بالمرة ، ولكنهم عطلوا بعض موارد صرفها ، وهي الموارد التي تتعلق بشؤون الدولة و (الإمام) فقد أجازوا لمن وجبت عليه الزكاة ان يتولى إخراجها من ماله وتوزيعها بنفسه ، وذلك عند فقد الإمام والنائبين عنه ، وتعذر إيصالها اليه . واسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم وسهم (سبيل الله) والعاملين عليها من مصارف الزكاة .[6]
ومع سقوط نظرية الدولة في الفكر السياسي الشيعي الاثني عشري ، وتحريم إقامتها في (عصر الغيبة) تعامل الفقهاء مع موضوع الزكاة من ثلاثة جوانب ، فأوجبوا الزكاة من ناحية ، وأمروا المكلفين بإخراجها وتوزيعها بأنفسهم لعدم وجود الإمام الشرعي ، من ناحية ثانية ، واسقطوا حصص العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والجهاد ، من ناحية أخرى .
هكذا فعل ابن حمزة في (الوسيلة الى نيل الفضيلة )، وهكذا قال ابن إدريس في (السرائر) وهكذا أفتى المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن في (شرائع الإسلام ) و (المختصر النافع) والمقداد بن عبد الله السيوري الحلي في :(كنز العرفان في فقه القرآن).
وبالرغم من رعاية المحقق الكركي للدولة الصفوية الشيعية ، وإعطاء الشاه (طهماسب) الإجازة في الحكم نيابة عنه باعتباره نائبا عن الإمام المهدي ، إلا انه التزم بنظرية :(التقية والانتظار) واسقط في (جامع المقاصد) سهم المؤلفة قلوبهم والساعي والغازي حال الغيبة ، إلا مع الحاجة الى الجهاد.
أما في موضوع الأنفال التي ينص القرآن الكريم على أنها لله وللرسول، فيعتقد الشيعة الامامية أنها للإمام القائم مقامه من بعده، خالصة له كما كانت خالصة للرسول (ص) في حياته ، ولا يحق لأحد ان يعمل في شيء من الأنفال إلا بأذن الإمام العادل ، فمن عمل فيها بأذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللإمام الخمس. ولما كان (الإمام العادل) في المصطلح الامامي يعني : (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى ) وانه منذ وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هـ هو (الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري ) الذي ولد سنة 255 هـ وغاب بعد ذلك الى اليوم ، فانه يصبح : المالك الحقيقي للأنفال ، وكذلك المالك الحقيقي للخمس، وهو قانون خاص غير الزكاة يفرضه الشيعة على المغانم والأرباح أيضا، ويعتقدون ان عليهم تقديمه لله وللرسول وللإمام ولليتامى والمساكين وأبناء السبيل من بني هاشم ، وان سهم الله والرسول وذي القربى يجب تقديمه للإمام (الذي يمثل ذوي القربى ) والذي هو اليوم (الإمام المهدي المنتظر ) كما يجب إعطاؤه الأسهم الثلاثة الأخرى: اسهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، لكي يوزعها على الأصناف الثلاثة من بني هاشم. [7]
وقد أدى الالتزام بنظرية (الانتظار) الى الوقوع في أزمة حادة في موضوع الخمس والأنفال في (عصر الغيبة) ، فمن جهة : ان الإمام المهدي هو الشخص الوحيد صاحب الخمس والأنفال ، والذي يحق له استلامها وتوزيعها ، ومن جهة أخرى : لا سبيل الى الوصول اليه لأداء حقوقه ، كما لا توجد أية نصوص منه في مسالة توزيعها والتصرف فيها في ظل الغيبة. ومن هنا فقد احتار الفقهاء في حكم الخمس والأنفال ، وقال الشيخ المفيد في :(المقنعة):" قد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة ، وذهب كل فريق منهم الى مقال: فمنهم من يسقط فرض إخراجه ، لغيبة الإمام ، وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار . و بعضهم يوجب كنزه ، ويتأول خبرا ورد :( ان الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام ، وانه (ع) إذا قام دلّه الله على الكنوز فيأخذها من كل مكان). وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستصحاب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر ، فان خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصّى به الى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم الى الإمام ، ثم ان أدرك قيامه .. وإلا وصّى به الى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط الى ان يظهر إمام الزمان . وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم ، لأن الخمس حق لغائب لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء اليه فوجب حفظه الى وقت إيابه ، والتمكن من إيصاله اليه أو وجود من انتقل بالحق اليه ، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند ذلك سقوطها ، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك ، ويجب حفظها بالنفس أو الوصية الى من يقوم بإيصالها الى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف". وأضاف:"إنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ اليه من صريح الألفاظ ". [8]
وقد أدت هذه الحيرة والغموض في موضوع الخمس في (عصر الغيبة) الى ظهور عدد من الأقوال الغريبة المنافية للعقل والقرآن من قبيل إسقاط الخمس أو دفنه في الأرض أو إلقائه في البحر أو عزله والوصية به الى يوم ظهور المهدي ، وهو الرأي الذي اختاره المفيد وفقهاء آخرون عبر التاريخ، بينما ذهب فقهاء آخرون الى تحليل الخمس وإباحته للشيعة في (زمان الغيبة)..[9]
وكانت صلاة الجمعة هي المعقل الأخير الذي تأثر بنظرية (الانتظار) وذلك في أعقاب سقوط الدولة البويهية في أواسط القرن الخامس الهجري. ولم يكن ليحدث في أمر هذه الصلاة العظيمة من جديد لولا التفسير الذي راج عند بعض الفقهاء الامامية، حول كلمة:"الإمام" أو "الإمام العادل" حيث حصروا معناها بـ :"الإمام المعصوم" . ولما كانوا يقولون : ان الإمام المعصوم غائب في هذا العصر ، وان من شروط إقامة صلاة الجمعة حضور الإمام أو إذنه ، فقد قال أولئك الفقهاء بافتقاد أحد شروط صلاة الجمعة ، وهو إذن الإمام المعصوم المهدي المنتظر. ونتيجة لذلك قالوا بحرمة أو بعدم وجوب صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) . [10]
وقد سار كثير من الفقهاء اللاحقين بعد ذلك ، والى يومنا هذا ، على خطى أولئك العلماء الذين اشترطوا العدالة في الإمام وفسروا كلمة (الأمام العادل) بالإمام المعصوم (المهدي المنتظر) ، وانتهوا الى تعطيل صلاة الجمعة في عصر الغيبة ، انسجاما مع نظرية (الانتظار) التي تحرم إقامة الدولة الإسلامية لغير الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى.
--------------------
[1] - وكان يقود ذلك التيار الشيخ إبراهيم القطيفي ، الذي أفتي بحرمة صلاة الجمعة خلافا للشيخ الكركي الذي أفتى بإباحتها. و ألف رسالة خاصة في حرمة الخراج في الرد على الشيخ الكركي ، اسماها :( السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج ) وأيده في ذلك المقدس الاردبيلي الذي كتب (تعليقات على خراجية المحقق الثاني) .
[2] - حيث قال في كتاب القضاء من (جواهر الكلام):" لم يأذنوا (الأئمة) لهم (للفقهاء) في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليها كجهاد الدعوة المحتاج الى سلطان وجيوش وأمراء ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه ، وإلا ظهرت دولة الحق".
[3] - راجع المبحث الثالث من الفصل الأول من الجزء الثالث من (تطور الفكر السياسي الشيعي) ، الموقف من عملية الإصلاح الاجتماعي
[4] - راجع المبحث الرابع من الفصل الأول من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي، الموقف من إقامة الحدود. وقد قال الشيخ الطوسي في :(النهاية ص 284) :" أما إقامة الحدود .. فليس يجوز لأحد إقامتها إلا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى أو من نصبه الإمام لإقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال" .
[5] - الطوسي، المبسوط، ص 281، لمزيد من التفصيل راجع المبحث الخامس من الفصل الأول من الجزء الثالث من كتاب التطور .
[6] - لمزيد من التفصيل راجع المبحث السادس من الفصل الأول من الجزء الثالث من كتاب التطور، الموقف من الزكاة
[7] - راجع: الطوسي، النهاية ، ص 265
[8] - المفيد، المقنعة، ص 46
[9]- لمزيد من التفصيل راجع المبحث السابع من الفصل الأول من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي . وراجع أيضا: جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي، كتاب الخمس، ص 156 و 164
[10] - لمزيد من التفصيل راجع المبحث الثامن من الفصل الأول من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه. |