الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

19  تــمــوز  2005

هل قتل عمر فاطمة الزهراء؟ - 3

كتابات - احمد الكاتب

 تلعب أسطورة "قتل عمر لفاطمة الزهراء بعد اقتحام بيتها وإحراق باب دارها بالنار وعصرها وراء الباب واسقاط جنينها " التي تنتشر في الأوساط الشعبية الشيعية منذ قرون ، دورا سلبيا في إثارة الفتنة بين المسلمين الذين يصدق بعضهم الأسطورة فيتخذ موقفا سلبيا من الخليفة الأول أبي بكر والخليفة الثاني عمر بن الخطاب "انتصارا" للسيدة فاطمة الزهراء، بينما يعتبر معظم المسلمين الرجلين وخصوصا عمر بن الخطاب نموذج الإمام العادل، وهكذا ينشأ الصدام بين المسلمين وتتعمق العداوة والبغضاء فيما بينهم، ولذلك يجدر بنا إلقاء الضوء على هذه الأسطورة لنرى كيف نشأت وكيف انتشرت؟ ومتى ؟ ومن كان وراءها؟ وماذا كان موقف أئمة أهل البيت والشيعة في القرون الأولى من عمر بن الخطاب وأبي بكر (رضي الله عنهما)؟

 

3

 

محاولة إعادة كتابة التاريخ

 

   وعلى أي حال وبناء على تلك الشبهة، جاء فيما بعد من نسج على منوالها، وبدأ يختلق الروايات على لسان أهل البيت، ويتلاعب بالتاريخ، ويدس ما يريد في صفوف الشيعة باسم التقية، ثم جاء من جمع تلك الروايات فنسبها الى الشيعة وهم منها براء.

   وأعاد أولئك الغلاة قراءة التاريخ الاسلامي وكتابته من جديد، فأضافوا اليه من عند أنفسهم ما لم يحدث أبدا، واختلقوا أساطير تاريخية زرعت الحقد والعداوة والبغضاء على الصحابة الطاهرين، وتركت أثرا سلبيا على وحدة المسلمين النفسية على مدى التاريخ. وكان من الأمور التي ضخموها موضوع (فدك) التي أفاء ها الله على رسوله يوم خيبر بلا قتال، فأعطاها لابنته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وعندما تولى أبو بكر الخلافة استرجعها منها باعتبارها من الأموال العامة، ولكن الزهراء قالت ان النبي أعطاها لها منحة، فطالبها بالشهود، فجاءت بزوجها الامام علي وأم أيمن فشهدا لها، ولكن أبا بكر رفض الحكم لها برجل وامرأة وطالبها بمزيد من الشهود، فانصرفت فاطمة غاضبة.[16]

  والى هنا فالقصة مما يجمع عليه المؤرخون، وهي، كما هو واضح، قصة خلاف قضائي شخصي لا يحمل معنى عدائيا ضد الزهراء، وقد راجع الامام علي (عليه السلام) في أيام حكمه القاضي شريح في دعوى بسرقة درع له ضد ذمي، ولم يكن معه شهود، فحكم القاضي للذمي، ولم يغضب الامام علي من ذلك. ولكن الغلاة أضافوا على تلك القصة خطبا مزعومة وموهومة قالوا ان السيدة فاطمة ألقتها في المسجد ضد أبي بكر والمهاجرين والأنصار، وذمتهم فيها كثيرا. ويوجد نسخ عديدة لهذه الخطب المتناقضة، وكلها منقولة عن كتب مجهولة من القرن الثالث والرابع والسادس، بلا أسناد متصلة، أو رواية موثوقة.[17]

 

قصة إحراق بيت فاطمة

وربما كانت قصة "كبس بيت الامام علي من قبل عمر من أجل إجباره على بيعة أبي بكر، وما رافق ذلك من تهديد بحرق بيت فاطمة على من فيه، أو قيامه بحرق باب البيت وضرب الزهراء وعصرها وراء الباب، وإسقاط جنينها  (محسن) والتسبب في وفاتها" من أهم القصص الأسطورية الخطيرة التي لعبت عبر التاريخ وتلعب اليوم دورا كبيرا في تأجيج الخلافات بين الشيعة والسنة، بعد زوال معظم أسباب الخلافات التاريخية. ولذلك فان من الضروري التوقف عند هذه القصة – الأسطورة، والبحث في ظروف نشأتها وعرضها على التحليل المخبري والجنائي للتأكد فيما اذا كانت تتمتع بأية مصداقية أو حقيقة تاريخية.

وقبل أن نقوم باستعراض "الأدلة" التي يقدمها المدعون ضد الشيخين، والتي يصنفونها عادة الى أدلة "سنية" و"شيعية". لا بد أن نشير الى عدة نقاط:

1- أن المسلمين في القرون الثلاثة الأولى لم يكونوا يعرفون الانقسام الطائفي الحاد، حيث لم يكن اسم "أهل السنة" يطلق الا على مجموعة صغيرة من "أهل الحديث" ولم يكن اسما عاما على طائفة مقابل "الطائفة الشيعية". حيث كان يوجد تداخل كبير بين تيارات الشيعة المختلفة من محبي أهل البيت من الزيدية والإمامية والمعتزلة وأهل الحديث، من العلويين والعباسيين وغيرهم، بصورة يصعب فيها إطلاق وصف شيعي أو سني على أي شخص، فضلا عن إطلاقه على عامة الناس. ولعل أبرز مثل على ذلك هو الامام الشافعي الذي اعتبر بعد وفاته أنه إمام من أئمة أهل السنة، بينما كان يتهم في حياته بأنه شيعي أو رافضي. وكذلك المؤرخ الطبري، الذي صُنِّف مؤخرا على أنه شيعي، بينما كان المتطرفون من أهل السنة، أي الحنابلة، يتهمونه بالتشيع والرفض. وفيما اعتبر الإمامية أئمة أهل البيت، أئمة خاصين بهم، كان عامة "أهل السنة" يعتبرونهم أئمة لهم ويوالونهم ويحبونهم.

2- ولا بد أن نشير الى نقطة أخرى مهمة، وهي أن التاريخ يحتوي على روايات متواترة حول أمور معينة، يحصل لمن يقرأها مجتمعة القطع واليقين على أمر معين، في حين  يحتوي أيضا على إشاعات وأساطير ، وروايات تسمى بروايات الآحاد، وهي روايات أقرب الى الإشاعات، وتنقل بصور غامضة ومتناقضة وبلا أسناد، أو عبر رجال كذابين أو غير ثقاة أو كتب غير معروفة ولا معتبرة، وهذه الظاهرة معروفة في التاريخ كما في العقيدة والفقه والسياسة والقضايا القانونية الشخصية. والموقف منها هو الشك والرفض والتمسك بالأمور اليقينية الثابتة بالتواتر والإجماع حسب القاعدة الأصولية المعروفة:"لا تنقض اليقين بالشك".

3- أما النقطة الثالثة، فهي ضرورة قراءة التاريخ قراءة ظاهرية طبيعية، وتجنب التفسيرات التعسفية والقراءات الباطنية المقلوبة، التي قام بها الغلاة، للتاريخ ولأقوال أئمة أهل البيت، وقلبوا من خلالها الأبيض الى أسود، والأسود الى أبيض، وذلك باسم "التقية" التي كانوا يستخدمونها كغطاء لتمرير أقوالهم ونظرياتهم المغالية المضادة لفكر وأقوال أهل البيت، حتى وصل بهم الأمر الى أن ينكروا وفيات عدد من الأئمة ، أو ينسبوا اليهم أولادا لم يولدوا ولم يعرفوا أثرا لهم.

4- وهناك نقطة رابعة، هي ضرورة تجنب الاعتماد على  تشكيل الصورة التاريخية بالافتراض والتخمين، إذ يلاحظ أن  بعض من يكتب في التاريخ، يقوم بافتراض كثير من الأمور التي لم تقع ولم يسجلها التاريخ، ولا يوجد لديه أي دليل عليها، اعتمادا تصورات معينة، أو ادعاء حذفها من التاريخ ومنعها من التدوين، وهو ما يعني محاولة كتابة التاريخ على مجرد الافتراض  والخيال، دون العلم واليقين.

 

ميزان القوى القبلية عند بيعة أبي بكر

  من المعروف ان خلافا سياسيا مؤقتا حدث بين الصحابة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وان الأنصار بادروا الى سقيفة بني ساعدة لتعيين رئيس عليهم قبل ان يلتحق بهم بعض المهاجرين فيناقشوهم ويقنعوهم بانتخاب أبي بكر، الذي كان من أصغر قبائل قريش وهي تيم، ولم يكن معه من رجال قريش الا أبو عبيدة  ابن الجراح وعمر بن الخطاب، الذي كان ينتمي هو الآخر لقبيلة ضعيفة، هي عدي، وهذا ما أدى الى توقف البطون الكبرى من قريش كبني عبد مناف وأمية وأسد وبني زهرة وبني مخزوم، عن بيعة أبي بكر لفترة، ثم بايعوه.

    يقول ابن قتيبة الدينوري: ان بني هاشم اجتمعت عند بيعة الانصار الى علي بن ابي طالب... واجتمعت بنو امية الى عثمان واجتمعت بنو زهرة الى سعد وعبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد مجتمعين، فلما اقبل عليهم ابو بكر وابو عبيدة وقد بايع الناس ابا بكر قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى؟ قوموا فبايعوا ابا بكر فقد بايعته الأنصار".[18]

   وكان من بين الرافضين في البداية زعيم قريش أبو سفيان، حيث ذهب الى الإمام علي يحرضه ضد ابي بكر قائلا:" أرضيتم يا بني عبد مناف ان تلي عليكم تيم؟!" ثم عرض عليه ان يبايعه: "أمدد يدك أبايعك، فلأملأنها عليه خيلا ورجلا". وأيده في ذلك العباس بن عبد المطلب الذي قال لعلي أيضا:"امدد يدك أبايعك وآتيك بهذا الشيخ من قريش (يعني ابا سفيان) فيقال: عم رسول الله بايع ابن عمه، ويبايعك أهل بيتك، فلا يختلف عليك من قريش اثنان، والناس تبع لقريش". ولكن الامام علي رفض الاستجابة لهما، دون ان يخفي امتعاضه من بيعة ابي بكر.[19]

    ويبدو من خلال قول العباس لعلي، الذي يتضمن تحليلا للواقع السياسي وتنويها بدور قريش وبني عبد مناف، ان سيطرة أبي بكر على الأمور لم تتم ببيعة السقيفة مباشرة، إذ لم يحضَ بصوت الأكثرية من المسلمين، أو من قريش، وانما بقيت بيعته معلقة حتى بايعه بنو هاشم وبنو أمية وبنو زهرة، ولو كان علي قد استجاب لدعوة العباس وأبي سفيان لكان قلب الأمر على أبي بكر والأنصار، لأنه كان يحظى بأكبر وأقوى الأصوات، ولكنه أحجم عن المنافسة وانسحب من أمام أبي بكر، خوفا من إحداث شقاق بين المهاجرين، أو بينهم وبين الأنصار، وفتح بذلك الباب أمام استقرار نظام أبي بكر.

  يقول الطبري:"حدثنا أبو صالح الضرار ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : أما اني سمعت رسول الله يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال . واني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها علي ليلاً...فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفيت .

  قال معمر : فقال رجل للزهري : أفلم يبايعه على ستة أشهر ! قال : لا ؛ ولا أحد من بني هاشم ؛ حتى بايعه علي . فلما رأى على انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر : أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، قال أبو بكر : ولله لآتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ! قال : فانطلق أبو بكر ، فدخل على علي ، وقد جمع بنى هاشم عنده ، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ، ولا نفاس عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً ، فاستبددتم به علينا . ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم . فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر . ثم قال علي : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ، ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر ، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه . قالت : فأقبل الناس إلى علي فقالوا : أصبت وأحسنت ، قالت : فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الحق والمعروف" .[20]

   وهذا ما يؤكدا أيضا المسعودي في (مروج الذهب)[21] وابن الأثير في (الكامل في التاريخ) حيث ينقل عن الزهري قوله: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة، رضي الله عنها، فبايعوه.[22] وكذلك ابن أبي الحديد الذي يقول: وأما الذي يقوله جمهور المحدثين وأعيانهم، فإنه عليه السلام امتنع من البيعة ستة أشهر، ولزم بيته، فلم يبايع حتى ماتت فاطمة عليها السلام، فلما ماتت بايع طوعاً. [23] وينقل عن صحيحي مسلم والبخاري: أنه لما ماتت فاطمة عليها السلام، خرج من بيته فبايع أبا بكر، وكانت مدة بقائها بعد أبيها عليه الصلاة والسلام ستة أشهر.[24]

   ومع بيعة الامام علي لأبي بكر بعد ستة أشهر من وفاة الرسول (ص) طويت صفحة الخلاف بين الامام علي وإخوانه من السابقين والمهاجرين والأنصار، وعم الود والحب والتقدير والتعاون في سبيل الله والدفاع عن الاسلام، الى حد تزويج الامام علي ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب.[25] وتسمية ثلاثة من أبنائه باسم أبي بكر وعمر وعثمان.

   ذلك الأمر الذي يؤكده الموقف الشيعي الإيجابي من الشيخين وعموم الصحابة، والثابت عبر الروايات المتواترة من الشيعة والسنة، والذي قدمناه في الصفحات الآنفة قبل قليل.

   ولكن بعض الروايات تقول إن الامام علي أخذ يقاوم أبا بكر وانه أركب فاطمة على حمار وراح يدور بها في طرقات المدينة ليلا، استجلابا لدعم الأنصار له، وانه اعتصم مع الزبير وعدد من المهاجرين في بيته وحملوا السلاح استعدادا للمقاومة[26]، مما دفع أبا بكر الى أن يرسل عمر الى فاطمة الزهراء ليهددها بإحراق البيت عليهم أو يخرجوا للبيعة، وان الامام علي قد أُجبر على بيعة أبي بكر.[27]

   ولكن الميزان العام لمعادلة القوى ، والجو العام لتطور الأحداث يستبعد الرواية السابقة التي تتحدث عن ممارسة العنف في أخذ البيعة لأبي بكر، فاذا كان أبو بكر قد ترك سعد بن عبادة ولم يجبره على البيعة، فقد كان أضعف من أن يجبر الامام علي على البيعة، وأبعد من أن يأمر باقتحام داره وجلبه بالقوة، أو يسمح لأي أحد بتهديده بإحراق بيته عليه، وهو ما تقوله الأسطورة التي نشأت في القرون التالية، وحملت بين طياتها تفاصيل أسطورية أخرى أبعد ما تكون عن الحقيقة. مثل ضرب عمر للزهراء وحرق باب بيتها فعلاً، والتسبب في إسقاط جنينها (محسن) أثناء الهجوم على بيتها، والعياذ بالله.

  وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تقاوم هذه الأسطورةُ الروايةَ الأولى علميا؟ وهل هي رواية متواترة؟ أم هي خبر آحاد؟ أو إشاعة سخيفة؟ وهل هي مسندة بشكل متصل؟ أم مقطوعة ومرسلة وغامضة ومتناقضة ومجهولة؟ وهل هي قديمة ومعروفة في الأجيال الأولى؟ أم نظرية حادثة في العصور المتأخرة؟

والى الحلقة الرابعة غدا بإذن الله تعالى

ahmad@alkatib.co.uk