|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
18 تــمــوز 2005 |
|
هل قتل عمر فاطمة الزهراء؟ -2 كتابات - احمد الكاتب تلعب أسطور قتل عمر لفاطمة الزهراء، وما رافقها من اقتحام بيتها واحراق باب دارها وعصرها واسقاط جنينها، التي تنتشر في بعض الأوساط الشعبية الشيعية منذ قرون، دورا سلبيا في إثارة الفتنة بين المسلمين الذين يصدق بعضهم الأسطورة فيتخذ موقفا سلبيا من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، انتصارا للسيدة فاطمة الزهراء، بينما يعتبر كثير من المسلمين عمر بن الخطاب نموذج الامام العادل، وهكذا ينشأ الصدام بين المسلمين وتتعمق العداوة والبغضاء فيما بينهم، ولذلك يجدر بنا القاء ضوء على هذه الأسطورة لنرى كيف نشأت؟ وكيف انتشرت؟ ومتى؟ ومن كان وراءها؟ وماذا كان موقف الشيعة في القرون الأولى وكذلك موقف أهل البيت عليهم السلام من الخليفة عمر بن الخطاب؟
2- الشيعة بين الغلاة وأهل البيت
أجل.. ان التاريخ يسجل: أن الأجيال الأولى من الشيعة، وخاصة في القرن الأول الهجري قالت: "إن عليا كان أولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده ، و أشجعهم وأورعهم وأزهدهم" . وأجازوا مع ذلك إمامة أبى بكر وعمر وعدوهما أهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا: "إن عليا سلم لهما الأمر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك، ولا يسع منا أحدا إلا ذلك، وان ولاية أبى بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه ".[8] بينما قالت فرقة أخرى من الشيعة :" إن عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس أن يولوا عليهم غيره إذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ، أحبّ ذلك أو كرهه، فولاية الوالي الذي ولوا على أنفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عز وجل ، وطاعته واجبة من الله عز وجل".[9]
وقال قسم آخر منهم :" إن إمامة علي بن أبى طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر أمره".[10]
ولكن ما أن انتهى القرن الهجري الأول، وتعرض الشيعة الى ضغوط سياسية شديدة ومجازر وملاحقات وتعذيب على أيدي الأمويين، حتى نشأ لدى فريق صغير منهم نوع من التطرف والغلو، كما يحصل في أي تيار يتوسع شعبيا ويتعرض لضغوط مماثلة، فنشأت نظرية الإمامة الالهية، التي تحصر الحق في الحكم والخلافة في أهل البيت، ولا تكتفي بالقول أنهم أولى وأحق من غيرهم، وعادت الى الوراء لتقول بأن النبي الأكرم (ص) قد عين الامام عليا خليفة من بعده ونص عليه، وان الإمامة تنحصر في ذريته الى يوم القيامة. وقد انعكست هذه النظرية سلبا على مبدأ الشورى والخلفاء الراشدين الذين اعتبرتهم النظرية "غاصبين" للخلافة من الامام علي.
وقد ظهرت هذه النظرية أول ما ظهرت في الكوفة، أثناء ثورة الامام زيد بن علي على هشام بن الحكم سنة 122، وأدت الى انشقاق "الرافضة" عن الحركة الشيعية العامة.
ولنستمع الى الطبري وهو يحدثنا عن هذه القصة من البداية، حيث يقول:
- اجتمعت إليه (الى زيد) جماعة من رءوسهم ، فقالوا : رحمك الله ! ما قولك في أبي بكر و عمر؟ قال زيد : رحمهما الله و غفر لهما ، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما و لا يقول فيهما إلا خيراً ، قالوا : فلم تطلب إذاً بدم أهل هذا البيت، إلا أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم ! فقال لهم زيد : إن أشد فيما ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه و سلم من الناس أجمعين ، و إن القوم استأثروا علينا ، و دفعونا عنه ، و لم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً ، قد ولوا فعدلوا في الناس ، و عملوا بالكتاب و السنة . قالوا : فلم يظلمك هؤلاء (الأمويون) ! و إن كان أولئك لم يظلموك ، فلم تدعوا إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين ! فقال : و إن هؤلاء ليسوا كأولئك ، إن هؤلاء ظالمون لي و لكم و لأنفسهم ، و إنما ندعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، و إلى السنن أن تحيا ، و إلى البدع أن تطفأ ، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم ، و إن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل . ففارقوه و نكثوا بيعته ، و قالوا : سبق الإمام ـ و كانوا يزعمون أن أبا جعفر محمد بن علي أخا زيد بن علي هو الإمام ، و كان قد هلك يومئذ ـ و كان ابنه جعفر بن محمد حياً ، فقالوا : جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه ، و هو أحق بالأمر بعد أبيه ، و لا نتبع زيد بن علي فليس بإمام . فسماهم زيد "الرافضة". وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مروا إلى جعفر بن محمد بن علي ، فقالوا له : إن زيد بن علي فينا يبايع ، أفترى لنا نبايعه؟ فقال لهم : نعم بايعوه ، فهو والله أفضلنا و سيدنا و خيرنا فجاءوا ، فكتموا ما أمرهم به .[11]
وقد واجهت هذه النظرية رد فعل رافض من قبل أهل البيت عليهم السلام، والشيعة الأوائل قبل غيرهم. فقد قال الامام محمد الباقر (ع) لجابر الجعفي: يا جابر بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. ويزعمون أني أمرتهم بذلك. فابلغهم أني الى الله منهم بريء. والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت الى الله بدمائهم. لا نالتني شفاعة محمد أبدا إن لم اكن استغفر لهما وأترحم عليهما. وقال لتلميذه سالم: يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فانهما كانا إمامي هدى رضي الله عنهما. وقال لمن سأله عن حلية السيف: لا بأس به فقد حلى ابو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه. وعندما تعجب السائل وقال: وتقول الصديق؟ وثب الامام الباقر وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة.[12]
وكانت حركة الغلو في أئمة أهل البيت قد نشأت في بعض أوساط الشيعة، بقيادة بيان بن سمعان التميمي والمغيرة بن سعيد وبشار الشعيري وأبي الخطاب، الذين كانوا يدعون الألوهية لأئمة أهل البيت، أو النبوة لهم، أو لأنفسهم، ويكفرون أبا بكر وعمر ومن لم يوال عليا، ولكن أئمة أهل البيت كانوا يردون على هؤلاء الغلاة بشدة وغضب ويطردونهم من صفوف الشيعة ويلعنونهم ويتبرأون منهم. وقد خاطبهم الامام الصادق قائلا: "تقربوا الى الله، فانكم فساق كفار مشركون" وقال لأحد أصحابه: اذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري وقل له:" يا كافر يا فاسق أنا بريء منك". وعندما دخل عليه بشار يوما صاح به:" اخرج عني لعنك الله. والله لا يظلني وإياك سقف أبدا". فلما خرج قال:"ويحه.. ما صغَّر الله أحد تصغير هذا الفاجر. والله اني لعبد الله وابن أمته". وقال الإمام الصادق عن المغيرة بن سعيد:" لعن الله المغيرة بن سعيد، ولعن الله يهودية كان يختلف اليها يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق، فوالله ما نحن الا عبيد، خلقنا الله واصطفانا، ما نقدر على ضرر ولا نفع الا بقدرته، ولعن الله من قال فينا ما لا نقول في انفسنا". وأعلن الامام :" من قال إننا أنبياء فعليه لعنة الله ، ومن شك في ذلك فعليه لعنة الله".[13]
ولم يكن من الصعب على الحركة الشيعية أن تتخلص من أولئك الغلاة "الكفار" الذين خرجوا بأقوالهم ليس عن التشيع فقط وانما عن الدين الاسلامي بادعاء الألوهية أو النبوة لأئمة أهل البيت، ولكن المشكلة كانت أصعب مع بعض الغلاة السياسيين الذين اعتقدوا بنظرية "النص" وتعيين النبي للامام علي وأهل البيت خلفاء من بعده، والتي انعكست سلباً على الخلفاء الراشدين الذين جاءوا عبر الانتخاب والشورى، قبل الامام علي، حيث كان هؤلاء الغلاة أو "الرافضة" يعتقدون باغتصاب أبي بكر وعمر للخلافة من علي، ولذلك كانوا يتبرءون منهما. وكان بعض المتطرفين منهم يذهبون الى القول بردة معظم الصحابة الذين يزعمون: "أنهم عرفوا النص ثم خالفوه"، أو القول بنفاقهم.
وكان هذا بالطبع قولا فضيعا ومتطرفا جدا، ولكنه لم يكن ليشمل عامة الشيعة، ولا عامة الامامية الذين قال كثير منهم بوجود النص الخفي وليس الصريح على الامام علي، وقالوا نتيجة لذلك بأن الصحابة "أخطأوا" عندما لم ينتخبوا الامام علي يوم السقيفة. ولم يقولوا بردتهم ولا نفاقهم ولا كفرهم، والعباذ بالله. ولكنهم على أي حال لم يقولوا ما قالوه كيداً للاسلام أو بغضا للصحابة الذين نصروا الاسلام، وانما بناء على شبهة قائمة على تأويلات وأحاديث ضعيفة أو مختلقة صدقوها، تماما كما اشتبه الأمر على الخوارج الذين كفروا الامام علي.
وفي الحقيقة ان نشوء نظرية الإمامة الإلهية لأهل البيت، وتحوّلها الى عقيدة دينية، أو أصل من أصول الدين، لدى الشيعة الامامية، أوقعهم في أزمة تاريخية وعداء نظري مع الشيخين، وانفصال واقعي عن ثقافة أهل البيت وتاريخ الشيعة الأوائل الذين كانوا يكنون حبا واحتراما كبيرين لهما.
وهذا ما كان يؤدي بهم الى الاصطدام مع ثقافة أهل البيت المعلنة والإيجابية تجاه الصحابة والشيخين، حيث كانوا يضطرون لتمرير أقوالهم تحت ستار "التقية". ولكن أهل البيت عليهم السلام كانوا يتصدون لتلك الدعاوى المتطرفة بشدة. وقد قال الامام الصادق لرجل جاءه وقال له: إن لي جارا يزعم انك تبرأ من ابي بكر وعمر، فغضب منه الامام وقال:" بريء الله من جارك. وإني لأرجو ان ينفعني الله بقرابتي من ابي بكر". وعندما سأله سالم بن ابي حفصة عن الشيخين، أجابه:" يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما. فانهما كانا أمامي هدى رضي الله عنهما..أيسب الرجل جده؟ أبو بكر جدي. لا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة ان لم اكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما".[14] وروى الامام الصادق حديث جده الامام أمير المؤمنين عن إخوانه الطيبين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، وإذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب".[15]
|