|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 آب 2005 |
|
الخلاف الطائفي، ذَهَبَ.. مع التاريخ - 8 الحلقة الأخيرة الفكر الديموقراطي يوحد السنة والشيعة
كتابات - أحمد الكاتب
هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟ وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟ وهل يوجد مفهوم حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟
أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.
الفكر الديموقراطي يوحد السنة والشيعة
ان إعطاء الفقيه العادل ، وهو بشر غير معصوم ومعرض للخطأ والانحراف ، صلاحيات الرسول الأعظم (ص) المطلقة وولايته العامة على النفوس والأموال ، والتطرف في ذلك إلى حد السماح للفقيه بتجميد القوانين الإسلامية الجزئية (الشريعة) - كما يقول الإمام الخميني وبعض أنصار ولاية الفقيه في إيران – يلغي الفوارق الضرورية بين النبي المعصوم المرتبط بالسماء وبين الفقيه الإنسان العادي المعرض للجهل والهوى والانحراف ، وهذا ما يتناقض تماما مع الفكر الامامي القديم الذي رفض مساواة أولي الأمر (الحكام العاديين) في وجوب الطاعة لهم كوجوب الطاعة لله والرسول ، وذلك خوفا من أمرهم بمعصية والوقوع في التناقض بين طاعتهم وطاعة الله.. ومن هنا اشترط الفكر الامامي العصمة في "الإمام" - مطلق الإمام - ثم قال بوجوب النص ، وانحصار النص في أهل البيت وفي سلالة علي والحسين إلى يوم القيامة. فإذا أعطينا الفقيه الصلاحيات المطلقة والواسعة التي كانت لرسول الله (ص) وأوجبنا على الناس طاعته ، وهو غير معصوم ، فماذا يبقى من الفرق بينه وبين الرسول؟.. ولماذا إذن أوجبنا العصمة والنص في الإمامة وخالفنا بقية المسلمين وشجبنا اختيار الصحابة لأبي بكر مع انه كان افقه من الفقهاء المعاصرين ؟
ومادام الفقيه إنسانا غير معصوم فانه معرض كغيره للهوى وحب الرئاسة والحسد والتجاوز والطغيان ، بل انه معرض اكثر من غيره للتحول إلى اخطر دكتاتور يجمع بيديه القوة والمال والدين، وهو ما يدعونا إلى تحديد وتفكيك وتوزيع صلاحياته اكثر من غيره ، لا ان نجعله كالرسول أو"الأئمة المعصومين" ، فانه عندئذ سيتحول إلى ظل الله في الأرض ، ويمارس هيمنة مطلقة على الأمة كما كان يفعل الباباوات في القرون الوسطى .
الدور السياسي للامة
وقد كان لتطور نظرية (ولاية الفقيه) على قاعدة نظرية (النيابة العامة عن الإمام المهدي ) المرتكزة على نظرية (الإمامة الإلهية ) أثر كبير على طبيعة النظرية ونموها في جانب واحد هو جانب السلطة ، دون جانب الأمة ، حيث اصبح للفقيه من الصلاحيات ما للإمام (المعصوم) وما للنبي الأعظم (ص) واصبح الفقيه ( منصوبا) و (مجعولا ) و (معينا ) من قبل (الإمام المهدي) و (نائبا ) عنه ، كما كان (الإمام المعصوم) منصوبا ومجعولا من قبل الله تعالى ، وبالتالي فانه قد اصبح في وضع (مقدس) لا يحق للامة ان تعارضه أو تنتقده أو تعصي أوامره أو تخلع طاعته ، أو تنقض حكمه .
ومن هنا فقد اتخذت فتاوى العلماء وآراؤهم الاجتهادية الظنية صبغة دينية مقدسة ، ووجب على عامة الناس غير المجتهدين " تقليد" الفقهاء والطاعة لهم سواء في التشريع أو التنفيذ أو القضاء ، وحرمت عليهم مخالفتهم .
وبما ان (الأئمة المعصومين ) - حسب نظرية الإمامة الإلهية - معينون من قبل الله تعالى ، وان لا دور للامة في اختيارهم عبر الشورى ، ولا حق لها في مناقشة قراراتهم أو معارضتها ، وان الدور الوحيد المتصور للامة هو الطاعة والتسليم فقط ، فقد ذهب أنصار مدرسة ولاية الفقيه المنصوب والمجعول والنائب عن ( الإمام المهدي ) إلى ضرورة طاعة الأمة وتسليمها للفقيه ، ولم يجدوا بعد ذلك أي حق للامة في ممارسة الشورى أو النقد أو المعارضة أو القدرة على خلع الفقيه ، أو تحديد صلاحياته أو مدة رئاسته .
وقد ذهب الإمام الخميني في رسالته الشهيرة إلى رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنائي عام (1408هـ / 1988م) إلى قدرة الفقيه الولي على فسخ الاتفاقيات الشرعية التي يعقدها مع الأمة ، من طرف واحد ، إذا رأى بعد ذلك ان الاتفاقية معارضة لمصلحة الإسلام أو مصلحة البلاد ، وأناط بالحاكم وليس بالأمة تحديد المصلحة العامة.
وقد كان للتطور التدريجي الطويل الذي امتد اكثر من ألف عام أثره أيضا على طبيعة نظرية (ولاية الفقيه) من حيث عدم التكامل والشمول في البحث ، واقتصار النظرية على الجانب الرئاسي وإهمال الدور السياسي للامة .
وفي الحقيقة .. ان أساس المشكلة في هذه المسألة المهمة يعود إلى الدمج بين نظرية (النيابة العامة) المستنبطة من بعض الأدلة الروائية الضعيفة وبين نظرية (ولاية الفقيه) المعتمدة على العقل وعلى ضرورة تشكيل الحكومة في ( عصر الغيبة ) بعيدا عن شروط العصمة والنص الإلهي والسلالة العلوية الحسينية ، وان الخلط بين هاتين النظريتين ، أو تطوير نظرية (النيابة العامة ) إلى مستوى إقامة الدولة أدى إلى جعل الفقيه بمثابة الإمام المعصوم أو النبي الأعظم وإعطائه كامل الصلاحيات المطلقة ، وإلغاء الفوارق بين المعصوم وغير المعصوم ، بالرغم من قابلية الأخير للجهل والخطأ والانحراف ، وهو ما يتناقض مع أساس الفلسفة الامامية القديمة حول اشتراط العصمة في الإمام .
الشورى .. وولاية الأمة على نفسها
بغض النظر عن مناقشة تفاصيل نظرية "ولاية الفقيه" فانها تشكل ثورة جذرية على نظرية الإمامة، وذلك لأنها لا تشترط العصمة ولا النص ولا السلالة العلوية الحسينية في الإمام، وتكتفي بالفقه والعدالة، وكذلك تشكل ثورة على نظرية "الانتظار للإمام المهدي" وان كانت تدعي النيابة العامة عنه، وهو ما أدى إلى نهضة الشيعة في العصر الحديث ، وقيامهم بتأسيس (الجمهورية الإسلامية ) في إيران .
وإذا كان الفكر الامامي القديم يرفض الشورى، فان الفكر السياسي الشيعي المعاصر يقوم على الشورى، ويقبل حتى النظام الديموقراطي الحديث. وهو ما يعني تحوله جذريا، وتخليه عملياً عن نظرية "الإمامة الإلهية" التي كانت تشكل عقدة خلافه مع بقية الشيعة والمسلمين.
ولو كان الفكر السياسي الامامي يقبل بنظرية (الشورى) من قبل أو يؤمن بنظرية (ولاية الفقيه) لما كان بحاجة إلى افتراض وجود (ولد للإمام العسكري) بالرغم من عدم وجود أدلة علمية تثبت ذلك. ولما كان بحاجة بعد ذلك إلى القول بنظرية (الانتظار) ثم افتراض (النيابة الواقعية) أو (النيابة العامة) لحل إشكالية تحريم إقامة الدولة في (عصر الغيبة). أما وقد آمن الفكر السياسي الشيعي المعاصر بنظرية (ولاية الفقيه ) فهو مطالب بإقامتها على أساس (الشورى) وحق الأمة في السيادة على نفسها وإدارة شؤونها بنفسها. وليس على أساس فرضية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي). بل ان الفكر السياسي الشيعي مطالب اليوم بإعادة النظر في فرضية "وجود محمد بن الحسن العسكري" التي تفرعت عن نظرية (الإمامة الإلهية ) وحتمية وجود (الإمام المعصوم المعين من قبل الله ) . فلو قلنا بإمكانية إقامة الدولة الإسلامية تحت قيادة الفقيه العادل أو المؤمن العادل، فانه لا تبقى أية حاجة إلى افتراض وجود "إمام معصوم" غائب لا يتفاعل مع الأمة.
وإذا لم نقل بفرضية وجود الإمام الغائب ، فإننا لسنا بحاجة إلى افتراض (النيابة الخاصة أو العامة) .. ومن ثم فإننا لا نعطي الفقيه من الصلاحيات والسلطات اكثر من دوره الطبيعي الاستشاري، ولا نجعل منه شخصية مقدسة في الفتوى والحكم كشخصية الرسول الأعظم محمد (ص) أو (الأئمة المعصومين) .
وإذا تحررنا من نظرية (النيابة العامة)، بعد وضوح ضعفها وعدم صحتها لعدم وجود (المناب عنه : الإمام المهدي ) وعدم ثبوت ولادته ، فإننا يمكن ان نقيم أساس الدولة على قاعدة (الشورى) وولاية الأمة على نفسها ، بمعنى ان يكون الإمام منتخبا من الأمة، ونابعا من إرادتها، ونائبا عنها، ومقيدا بالحدود التي ترسمها له، وملتزما بالصلاحيات التي تعطيها له. وذلك لأن الأدلة العقلية تعطي للامة حق اختيار الحاكم ليحكم بالنيابة عنها ، كما تعطيها الحق في ان تهيمن على الإمام وتشرف عليه وتراقبه وتحاسبه وان تعطيه من الصلاحيات بقدر ما تشاء وحسبما تشاء ، وذلك لأن منبع السلطة في غياب النص الشرعي وعدم وجود الإمام المعين من قبل الله تعالى هي الأمة الإسلامية . حيث لا تعطي الأدلة العقلية الحاكم العادي (غير المعصوم) القابل للخطأ والصواب والانحراف والهدى ، من الصلاحيات المطلقة مثلما تعطي للرسول المرتبط بالله عبر الوحي ، ولا تساويه أبدا مع (الإمام المعصوم) .
لذا نعتقد ، في هذه المرحلة من تطور الفكر السياسي الشيعي ، ومن اجل إعادة تصحيح الفكر السياسي الشيعي وبناء علاقات اكثر ديموقراطية بين الأمة والإمام ، ان من الضروري جدا بحث موضوع وجود وولادة (الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) وإعادة النظر في الأدلة الفلسفية والنقلية والتاريخية التي تحدثت عن ذلك .. وكذلك إعادة النظر في نظرية الإمامة الإلهية التي تقوم على العصمة والنص وحصر الحق في الحكم في السلالة العلوية الحسينية.
وخصوصا إذا علمنا ان نظرية الإمامة لم تكن نظرية أهل البيت السياسية، وإنما كانت من صنع المتكلمين الذين اندسوا في صفوف الشيعة في القرن الثاني الهجري، والذين كانوا يخشون من نسبتها الى الأئمة علنا خوفا من رفضهم، ولذلك كانوا يغلفونها بغطاء من دعاوى التقية، وان نظرية أهل البيت السياسية كانت تقوم على الشورى وحق الأمة في اختيار أئمتها، وانهم لم يعرفوا مطلقا شخصا باسم (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) لأنه ببساطة كان شخصية افتراضية وهمية لا حقيقة لها. تم اختلاقها بعد وفاة الإمام الحسن العسكري.
وإذا كان الشيعة اليوم قد تخلصوا عمليا من نظرية الإمامة ومن فرضية وجود الإمام الثاني عشر، بعد رحلة طويلة من الحيرة والعذاب استمرت ألف عام، وعادوا الى فكر أهل البيت الأصيل: الشورى ، فلا بد ان يتخلصوا نهائيا من كل مخلفات ورواسب نظرية "الإمامة" المثالية والوهمية.
وفيما يلي قراءة جديدة لنشوء نظرية الإمامة، ولازمتها : فرضية وجود الولد للإمام العسكري، قراءة تلاحظ التباين السافر بين فكر أهل البيت وأقوالهم وأعمالهم، وبين نظريات المتكلمين الاماميين وافتراضاتهم المناقضة للعقل والقرآن الكريم.
|