|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 آب 2005 |
|
الخلاف الطائفي، ذَهَبَ.. مع التاريخ - 7
كتابات - أحمد الكاتب
تهافت نظرية ولاية الفقيه
هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟ وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟ وهل يوجد مفهوم حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟
أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.
الحلقة السابعة
تهافت نظرية ولاية الفقيه
ان الحديث عن "النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي" في "الغيبة الكبرى" هو فرع لثبوت "النيابة الخاصة" التي ادعاها "الوكلاء الأربعة" في فترة "الغيبة الصغرى". وان القول بذلك يبتنى على القول بوجود وولادة "الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" ووجود غيبتين له، وإذا لم نستطع التأكد من وجود هذا "الإمام" فان تلك النظرية تتلاشى بالطبع من باب الأولى.
ونظرا للغموض الذي لف موضوع الخلف للإمام العسكري، والحيرة التي عصفت بالشيعة الامامية الاثني عشرية، والشك الذي أحاط بدعاوى النيابة الخاصة عن الإمام الغائب، فان نظرية النيابة العامة لم تكن معروفة لدى الشيعة الامامية في بداية "الغيبة الكبرى" التي يقال أنها ابتدأت بعد وفاة "النائب الرابع : علي بن محمد الصيمري". بل ان الشيعة الأوائل (في القرن الرابع) اعتبروا النيابة العامة التي توازي الإمامة أو ولاية الفقيه متناقضة تماما مع نظرية الإمامة، لأنها تسقط شرطي العصمة والنص في الإمام، وإنما هي نظرية ظنية استنبطها بعض العلماء في وقت لاحق وطوروها عبر التاريخ ، ولم يكن لها وجود من قبل. وقد توفي الصيمري سنة 329هـ ولم يتحدث عن "النيابة العامة" ببنت شفة، ولو كان لها أي رصيد من الواقع لتحدث عنها "الإمام المهدي" - على فرض وجوده - بدلا من ان يترك الشيعة يتخبطون قرونا طويلة في ظلمات الحيرة .
ومن هنا فلم يعرف الشيخ الصدوق نظرية النيابة العامة ، ولم يشر إليها أبدا بالرغم من روايته لـ : ·توقيع إسحاق بن يعقوب عن العمري عن المهدي :" وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ". وذلك أما للشك بصحة " التوقيع " المروي عن مجهول هو (إسحاق بن يعقوب) واما لعدم دلالته على "النيابة العامة" خاصة وانه يتحدث عن الرجوع إلى الرواة في ظل "النيابة الخاصة" وفي أيام "السفير الثاني : العمري" . وإذا كانت النيابة الخاصة المتصلة - حسب الفرض - بالإمام المهدي محدودة وغير سياسية ، فكيف يمكن ان يفهم من "التوقيع" معنى اكبر وأوسع منها ؟.
لقد كان أول من تحدث عن تفويض الأئمة للفقهاء في مجال إقامة الحدود فقط هو الشيخ المفيد الذي جاء بعد الغيبة بحوالي مائة وخمسين عاما، وكان ذلك منه افتراضا اكثر منه قولا بيقين ، وقد انطلق في محاولته استنباط نظرية (النيابة العامة ) من الأحاديث السابقة (مقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة أبى خديجة وتوقيع إسحاق بن يعقوب) التي تعطي الإذن لرواة أحاديث أهل البيت بممارسة القضاء من دون الحاجة إلى إذن خاص من الأئمة.
وقد أثار التطور السياسي الكبير الذي حدث في تاريخ الشيعة في العهد الصفوي في القرن العاشر الهجري، والذي نقلهم من مرحلة "التقية والانتظار" إلى مرحلة إقامة الدولة في (عصر الغيبة) بعدما ادعى (الشاه إسماعيل الصفوي) النيابة الخاصة عن الإمام المهدي .. أثار ذلك التطور جدلا واسعا في صفوف الفقهاء وفتح الباب واسعا أمام القول بنظرية "النيابة العامة" وتعزيزها بقوة ، ثم تطويرها بعد ذلك نحو حكم الفقهاء بصورة مباشرة على يدي النراقي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري .
وقد اعتمد الإمام الخميني في قوله بنظرية (ولاية الفقيه) بصورة رئيسية على روايات عامة عن الرسول الأعظم (ص) مثل (الفقهاء ورثة الأنبياء و وحصون الأمة وخلفاء الرسول) واستنتج منها معنى الوراثة والخلافة السياسية والولاية التامة للفقهاء كما كانت للرسول الأعظم (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) حسب النظرية الامامية ، وقال:" كما ان الرسول الأعظم جعل الأئمة (ع) خلفاء ونصبهم للخلافة على الخلق أجمعين ، جعل الفقهاء ونصبهم للخلافة الجزئية... وتحصل مما مر ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين (ع) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم سلطانا على الأمة" .[1] و لذلك اعتبر الخميني الفقهاء اكثر من ( نواب للإمام المهدي الغائب ) وإنما أيضا : أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة ، وفي حال غيابهم ، وقد كلفوا بجميع ما كلف به الأئمة بالقيام به.[2] واعتبر - بناء على ذلك - ولاية الفقهاء على الناس مجعولة من قبل الله كولاية الرسول والأئمة من أهل البيت ، وأنها ولاية دينية إلهية.[3]
وقد رفض الإمام الخميني الأدلة "العقلية والنقلية" التي قدمها ويقدمها علماء الكلام الاماميون السابقون الذين كانوا يشترطون العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام ، و استخدم العقل في رفض نظرية الانتظار السلبية المخدرة التي تحرم إقامة الدولة في (عصر الغيبة) إلا للإمام المعصوم الغائب ، وضعّف عقليا الأحاديث "المتواترة" و التي كان يجمع عليها الاماميون في السابق ، والتي تقول:" ان كل راية ترفع قبل راية المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله" . وقد استخدم المقدمة الامامية الأولى في " ضرورة وجود إمام في الأرض" لينطلق منها إلى إثبات "ضرورة الإمامة في هذا العصر" .
وعلى أي حال فقد كانت نظرية "ولاية الفقيه" التي تحصر الحق في ممارسة السلطة في "الفقهاء" محل نقاش كبير بين العلماء الشيعة. وقد رفضها بعض العلماء المحققين كالشيخ مرتضى الأنصاري (1216 هـ - 1281هـ) الذي ناقش في (المكاسب) أدلة القائلين بالولاية العامة ، وأنكر دلالة الروايات العامة التي يتشبثون بها على الموضوع ، وحدد دلالتها في موضوع الفتيا والقضاء فقط ، وشكك في صحتها ودلالتها وقال:" لكن الإنصاف بعد ملاحظة سياقها (الروايات) أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالأنبياء أو الأئمة (ص) في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ... وان إقامة الدليل على وجوب إطاعة الفقيه كالإمام - إلا ما خرج بالدليل - دونه خرط القتاد" .[4] كما رفض السيد أبو القاسم الخوئي نظرية ولاية الفقيه المبتنية على نظرية (النيابة العامة) وقال: "ان ما استدل به على الولاية المطلقة في (عصر الغيبة) غير قابل للاعتماد عليه ، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في موردين هما الفتوى والقضاء... ان الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة" .[5]
-------------------------
[1] - الخميني، كتاب البيع، ص 485
[2] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 62 و75 و76
[3] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 51 - 52
[4] - الأنصاري، المكاسب، ص 173
[5] - الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى / كتاب الاجتهاد والتقليد |