|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
3 آب 2005 |
|
الخلاف الطائفي ، ذَهَبَ .. مع التاريخ - 6 كتابات - أحمد الكاتب الحلقة السادسة ثورة الامام الخميني هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟ وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟ وهل يوجد مفهوم حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟
أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.
الحلقة السادسة ثورة الامام الخميني
لم تصمد نظرية ( الحكم الملكي الدستوري) التي أقامها الفقهاء الشيعة في إيران طويلا ، فسرعان ما قام الشاه رضا بهلوي بانقلاب عسكري ، ونصب نفسه ملكا على إيران دون استشارة من الفقهاء المراجع ، بل قاد حملة شعواء ضد رجال الدين، وهذا ما دفع الفقهاء المراجع إلى مقاومته بشدة.
وفي سنة 1963 قاد الإمام الخميني انتفاضة ضد الشاه محمد رضا بهلوي ، انتهت بتسفير الإمام إلى العراق .. وهناك راح الإمام الخميني يلقي دروسه على طلبته ويطور نظرية سياسية جديدة تجمع بين نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي الغائب) و نظرية:(ولاية الفقيه) لينقل الفكر السياسي الشيعي من مرحلة إجازة الفقهاء للملوك للحكم باسمهم ووكالة عنهم إلى مرحلة جديدة هي حكم الفقهاء المباشر وممارسة مهمات الإمامة بصورة كاملة. وقد شكلت تلك الدروس القاعدة الفكرية التي قامت عليها الثورة الإسلامية وانتهت بتشكيل (الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) عام 1979.
الخميني ينقد نظرية الانتظار
رفض الإمام الخميني في البداية نظرية (الانتظار للإمام المهدي ) التي كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي حتى وقت قريب ، رفضا مطلقا ، واسقط بالأدلة العقلية الأحاديث التي كانت تحرم العمل السياسي في ظل (الغيبة) ، ولم يعبأ بها ، وكتب يقول :" بديهي .. ان ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي (ص) بل الضرورة مستمرة.. واعتقاد: ان الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية ، وبما ان تنفيذ الأحكام بعد الرسول (ص) والى الأبد من ضروريات الحياة ، لذا كان وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة ضروريا ، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج... فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل: ان ما كان ضروريا أيام الرسول (ص) وفي عهد الإمام أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا. ولتوضيح ذلك أتوجه إليكم بالسؤال التالي: قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي اكثر من ألف عام ، وقد تمر عليه ألوف السنين قبل ان تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، وفي طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس خلالها ما يشاءون؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام ؟ هل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟". وأضاف:"ان الذهاب إلى هذا الرأي أسوء في نظري من الاعتقاد بان الإسلام منسوخ ، فلا يستطيع أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يقول: انه لا يجب الدفاع عن ثغور الإسلام والوطن ، أو انه يجوز الامتناع عن دفع الزكاة والخمس وغيرهما ، أو يقول بتعطيل القانون الجزائي في الإسلام وتجميد الأخذ بالقصاص والديات ، إذن فان كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ الإسلام ، ويدعو إلى تعطيل أحكامه وتجميدها ، وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف". وخاطب الإمام الخميني الملتزمين بنظرية (الانتظار) قائلا :" لا تقولوا ندع إقامة الحدود والدفاع عن الثغور وجمع حقوق الفقراء حتى ظهور الحجة (الإمام المهدي) فهلا تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟!".
ثم استشهد على ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وقال :" ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر(ع) " . [1]
وبعد إثبات الإمام الخميني للحاجة المستمرة إلى الإمامة في ( عصر الغيبة ) وعدم جواز تجميدها انتظارا للإمام المهدي ، عقلا ونقلا ، توصل الى ضرورة إقامة الدولة بقيادة من تتوفر فيه خصائص الإمامة من العلم بالقانون والعدالة.
وتحدث الإمام الخميني عن التشابه بين الفقيه والإمام المعصوم فقال:" للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (ع) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ، ولا يعقل الفرق ، لأن الوالي - أي شخص كان - هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والأخذ للخراج وسائر الماليات والتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين... ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالأوامر التي للوالي ويجب إطاعتهم..فولاية الفقيه - بعد تصور أطراف القضية - ليست أمرا نظريا يحتاج إلى برهان ، ومع ذلك دلت عليها بهذا المعنى الواسع روايات".[2]
واعتبر الإمام الخميني الفقهاء أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة وفي حال غيابهم ، وقد كلفوا بجميع ما كلف الأئمة (ع) بالقيام به .[3]
وكان الإمام الخميني يؤمن نتيجة لبعض الروايات ان ولاية الفقيه ولاية دينية إلهية و يقول:" ان الله جعل الرسول (ص) وليا للمؤمنين جميعا ، ومن بعده كان الإمام وليا ، ونفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه " .[4] ويقول :" إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمر المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم ، ووجب على الناس ان يسمعوا له ويطيعوا ، ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) واميرالمؤمنين (ع) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة ...وقد فوض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوضه إلى النبي (ص) واميرالمؤمنين (ع) من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات وتعيين الولاة والعمال وجباية الخراج وتعمير البلاد ، غاية الأمر ان تعيين شخص الحاكم الآن مرهون بمن جمع في نفسه العلم والعدل". [5]
وكان يحصر الحق في إقامة الدولة في (عصر الغيبة) في الفقهاء فقط ، ويقول:" الفقهاء العدول وحدهم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام واقرار نظمه وإقامة حدود الله وحراسة ثغور المسلمين ، وقد فوض إليهم الأنبياء جميع ما فوض إليهم ائتمنوهم على ما أؤتمنوا عليه" .[6]
الولاية المطلقة = الديكتاتورية المطلقة
ونظرا لإيمان الخميني بأن ولاية الفقيه مستمدة من الله، فقد طرح بعد حوالي عشرة أعوام من إقامة (الجمهورية الإسلامية في إيران ) نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) التي لا تحدها حدود، وجاء في رسالة له الى رئيس الجمهورية:" ان الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم (ص) مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية... ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب ان تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام (ص) وان تصبح دون معنى ..لا بد ان أوضح : ان الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة ، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج... ان باستطاعة الحاكم ان يعطل المساجد عند الضرورة ، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع ان يعالجه بدون التخريب. وتستطيع الحكومة ان تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب ، إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام. وتستطيع ان تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام ، مادام كذلك. ان الحكومة تستطيع ان تمنع مؤقتا وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي - إذا رأت ذلك- ان تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية".[7]
وكانت هذه الرسالة تطورا كبيرا في نظرية :(ولاية الفقيه) باتجاه الشمولية والإطلاق ، وقفزة كبيرة في توسيع الولاية، وهي تتحدث عن صلاحيات مشابهة لصلاحيات الرسول الأكرم والأئمة المعصومين ، للفقيه بحكم منصب الولاية والسلطان. وقد توصل الإمام الخميني الى ذلك بالجمع بين نظرية (النيابة العامة) و نظرية (ولاية الفقيه) وتطويرهما بحيث تصبحان نظرية واحدة مطلقة.
------------
[1] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 25 -26
[2] - الخميني، كتاب البيع، ص 467
[3] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 75
[4] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 51 - 52
[5] - الخميني، كتاب البيع، ص 49
[6] - الخميني، الحكومة الإسلامية، ص 70 و 76
[7] - صحيفة كيهان، العدد رقم 13223 المؤرخ 16 جمادى الأولى 1408هـ
|