الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

آب  2005

الخلاف الطائفي ،  ذَهَبَ.. مع التاريخ - 4

كتابات - أحمد الكاتب

 

تطور النظريات السياسية الشيعية في (عصر الغيبة)

هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟

وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟

وهل يوجد مفهوم  حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟

 

    أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.

 

الحلقة الرابعة

تطور النظريات السياسية الشيعية في (عصر الغيبة)

 

     لقد كانت تلك محاولات جريئة للخروج من أزمة :(الانتظار للإمام المهدي) التي وقع بها الامامية، نتيجة قولهم باشتراط العصمة والنص في الإمام ، وافتراض وجود الإمام المعصوم الغائب . وقد نجحوا فيها نجاحا كبيرا حيث استطاعوا فتح باب الاجتهاد والسماح بتنفيذ الحدود وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الخمس والزكاة وإجازة أو إيجاب صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) ، تلك الأمور التي جمدوها في البداية انتظارا لخروج (الإمام المهدي) "الحاكم الشرعي الوحيد الذي يحق له إقامة الدولة الإسلامية".

 

   وقد كانت تلك المحاولات متفرقة ومتدرجة بابا .. بابا ، وجزءا .. فجزءا .. ولكنها لم ترقَ لتعالج المشكلة من جذرها ، حيث لم تبحث موضوع (الإمامة ) و ( الغيبة) من الأساس. ومع ذلك فقد حاول العلماء تطوير نظرية سياسية بديلة عن الإمامة والإمام المهدي ، وذلك بافتراض النيابة الواقعية أو الحقيقية عن الإمام الغائب في مجال الحدود. وقد تطورت هذه النظرية البسيطة الافتراضية التي ولدت في بداية القرن الخامس الهجري لتصبح نظرية سياسية متكاملة في نهاية القرن الرابع عشر تحت اسم (ولاية الفقيه).

 

  نظرية : (النيابة الملكية )

 

   وبينما كانت نظرية (النيابة العامة) تنمو ببطء وبصورة جزئية ومحدودة ، على أيدي علماء الحلة وجبل عامل في القرن السابع والثامن الهجريين ، كان الواقع الشيعي السياسي يتطور بعيدا عن الفكر الإمامي.. حيث انفجرت ثورة (السربدارية) في نيسابور ، وأقامت دولة دامت خمسين عاما من سنة 738هـ الى سنة 782هـ ، كما قام الشيعة بتأسيس دول لهم في مازندران وخوزستان وجنوب العراق.

 

   ثم انفجرت حركة جديدة في تبريز على أيدي الصفويين  بقيادة  إسماعيل بن صفي الدين بن حيدر الذي أعلن قيام الدولة الصفوية  سنة 907 هـ ، الا انه كان يفتقد الى نظرية سياسية شيعية شرعية. حيث لم تكن نظرية النيابة العامة للفقهاء الافتراضية، قد تطورت بعد الى مستوى إقامة الدولة.

 

   وعندما أراد الصفويون التحرك العسكري لإقامة دولة خاصة بهم.. وجدوا نظرية الانتظار غير معقولة ولا واقعية ، وتشكل حجر عثرة أمام طموحهم وتحركهم.. وبالرغم من انهم كانوا منذ فترة قد أعلنوا التمسك بالمذهب الامامي الاثني عشري ، إلا انهم في الحقيقة لم يستوعبوا نظرية (الإمامة الإلهية) التي تشترط العصمة والنص في الإمام ، وحولوها الى نظرية تاريخية ، ورفضوها عمليا .. حيث أجازوا لزعمائهم وهم غير معصومين ولا منصوص عليهم من الله ، ان يستولوا على الملك ويقوموا بمهام الإمامة تماما كما فعل الأمويون والعباسيون والعثمانيون . و لم يصعب عليهم الالتفاف على نظرية الانتظار وتجاوزها.

 

 واختلفت تجربة الدولة الصفوية في مرحلتها الأولى (أيام الشاه إسماعيل بن صفي الدين) عن التجارب السياسية الشيعية السابقة كالدولة البويهية والسربدارية والمرعشية والمشعشعية ، في ان هذه التجارب كانت دولا سياسية بحتة ، أي غير أيديولوجية ، بينما حاولت الدولة الصفوية تقديم نفسها كدولة عقائدية ومرتبطة بالأئمة الاثني عشر بصورة روحية غيبية. ولذلك فإنها كانت تشكل تطورا انقلابياً في الفكر السياسي الشيعي ، نقل الشيعة من نظرية الانتظار السلبية الانعزالية الى سدة الحكم والسلطنة. وقد طور الشاه إسماعيل ، أو تطور على يديه ، فكر سياسي جديد حاول الالتفاف على فكر (التقية والانتظار) فادعى الشاه ذات يوم انه اخذ إجازة من (صاحب الزمان : المهدي المنتظر ) بالثورة والخروج ضد أمراء التركمان الذين كانوا يحكمون إيران ، وبينما كان ذات يوم مع مجموعة من رفقائه الصوفية خارجين للصيد في منطقة تبريز ، مروا بنهر ، فطالبهم بالتوقف عنده وعبر هو النهر بمفرده ودخل كهفا .. ثم خرج متقلدا بسيف ، واخبر رفقاءه انه شاهد في الكهف ( صاحب الزمان ) وانه قال له:" لقد حان وقت الخروج وانه امسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض وشد حزامه بيده ووضع خنجرا في حزامه وقال له:" اذهب فقد رخصتك".[1]

 

وادعى بعد ذلك انه شاهد الامام علي بن أبى طالب (ع) في المنام وانه حثه على القيام وإعلان الدولة الشيعية. وذلك في محاولة للتحرر من نظرية الانتظار.  وبناء على ذلك فقد كان الشاه إسماعيل يعتبر نفسه " نائب الله وخليفة الرسول والأئمة الاثني عشر وممثل الأمام المهدي في غيبته". [2]

 

    وقد كان بروز التجربة الصفوية نتيجة الفراغ السياسي الذي كان يهيمن على الشيعة في ظل نظرية الانتظار السلبية الانعزالية ، في تلك الأيام.

 

   ولما كانت دعاوى الشاه إسماعيل بالنيابة والخلافة عن الإمام المهدي الغائب خطيرة، ومنافسة لدور الفقهاء الشيعة، فقد تصدى له الشيخ المحقق علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي  الذي طور نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الأمام المهدي) من نظرية جزئية محدودة غير سياسية .. الى نظرية سياسية متقدمة، وادعى بأنه نائب الإمام المهدي وانه صاحب الحق الشرعي الوحيد في الحكم. واستطاع ان يؤثر على الشاه طهماسب بن إسماعيل فيدفعه للتسليم بمكانته كنائب عام عن الإمام المهدي، وطلب الإجازة منه لممارسة السلطة.[3]

 

  وقد لقي تحالف الشيخ الكركي مع الدولة الصفوية معارضة شديدة من قبل عدد كبير من العلماء كالشهيد الثاني والمقدس الاردبيلي والشيخ إبراهيم القطيفي والملا محمد أمين الاسترابادي والملا محمد طاهر القمي ، وغيرهم من الفقهاء ، وذلك لأن نظرية (النيابة العامة) لم تكن قد تطورت لتحل محل نظرية:(الإمامة الإلهية) وإنما كانت لا تزال محدودة وجزئية ، وتقتصر على الفتيا وتنفيذ بعض الأمور الاجتماعية والاقتصادية والعبادية.

 

 ومع ذلك فان نظرية (إجازة الملوك ) لم تمنح نظام الحكم الشرعية الكاملة ، حيث ظل الفقهاء يعتبرون الملوك غاصبين لحق الإمامة الخاص بالأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى، وظل عامة الفقهاء حتى الذين تعاونوا مع الدولة الصفوية أو خليفتها: القاجارية ، متأثرين بنظرية (الانتظار) في عدة جوانب . وهذا ما أدى لاحقاً الى تطورات مختلفة لدى الفقهاء والملوك من اجل تطوير الفكر السياسي وحل عقدة الشرعية المزمنة في الفكر السياسي الشيعي في ظل (الغيبة) .

 

    ومع تطور الواقع السياسي الشيعي، ووجود الشك بصحة نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي) بادر بعض الفقهاء الى الدعوة الى بناء نظام سياسي مدني معقول، فاقترح  السيد محمد باقر السبزواري ( 1018هـ - 1090 هـ ) تأسيس نظام ملكي مستقل ، وحاول الالتفاف على نظرية الغيبة والانتظار التي تشترط العصمة والنص في الإمام فقال:"لا يخلو زمان من حجة ، ولكن في بعض الأوقات يغيب عن أبصار الناس لأسباب ومصالح ، ولكن العالم ليس بعيدا عن ألطافه وبركاته... ونحن الآن في هذه الدورة من الغيبة إذا لا يوجد سلطان عادل وقوي يدير العالم ويحكمه ، فان الأمور تنتهي الى الفوضى والهرج والمرج وتصبح الحياة غير قابلة للتحمل بالنسبة لكل شخص ، لذلك لا بد للناس من الخضوع تحت سيطرة ملك يحكم بالعدل ويتبع سيرة وسنة الإمام".[4]

 

ahmad@alkatib.co.uk

 

www.alkatib.co.uk

 

 

--------------------------

 

[1] - تاريخ الشاه إسماعيل، ص 88، طبع مركز تحقيقات فارس إيران وباكستان، إسلام آباد. وعالم آراي صفوي، ص 64

 

[2] - راجر سيوري، إيران في العصر الصفوي، ص 26 و29

 

[3] - يقول السيد نعمة الله الجزائري في صدر كتابه (شرح غوالي اللئاليء):" لما قدم الشيخ الكركي آلي اصفهان وقزوين في عصر السلطان العادل طهماسب مكّنه من الملك والسلطان وقال له: أنت أحق بالملك لأنك النائب عن الأمام ، وإنما أكون من عمالك ، أقوم بأوامرك ونواهيك وقد أعطى الكركي الشاه طهماسب إجازة لحكم البلاد بالوكالة عن نفسه باعتباره نائبا عن الأمام المهدي ، ولقبه الشاه بنائب الأمام وعينه (شيخا للإسلام) . ولمزيد من التفصيل راجع: المبحث الثاني من الفصل الثالث من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي للكاتب.

 

 

 

[4] - حميد عنايت، تفكير نوين سياسي إسلام، ص239