|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
31 تموز 2005 |
|
الخلاف الطائفي، ذَهَبَ.. مع التاريخ - 3 كتابات - أحمد الكاتب
هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟ وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟ وهل يوجد مفهوم حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟
أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.
الحلقة الثالثة
إرهاصات النهضة الشيعية
إذن فقد أدت نظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) - كما رأينا في الحلقات السابقة - الى غيبة الشيعة الامامية أنفسهم عن مسرح الحياة السياسية ، وذلك بتحريم العمل السياسي وإقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، مما أدى بكثير من العلماء الى التراجع عن الفكر الامامي المتصلب والتخلي عن نظرية الانتظار المتشددة ، وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي فتح باب الاجتهاد.
وكان الاجتهاد محرما في الفكر الامامي الذي كان يحصر العمليات التشريعية الجديدة في (الأئمة المعصومين ) . ولذلك فقد كانت المدرسة الامامية القديمة اخبارية تحرم الاجتهاد خارج النصوص ، وظلت هكذا الى فترة طويلة بعد (الغيبة) ، وكان منتهى العمل (الاجتهادي) يدور داخل النصوص والترجيح فيما بينها ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد وما شابه ، وكانت فتاوى العلماء ، كعلي بن بابويه الصدوق ، مجرد نصوص روايات معتبرة لديهم .
ولكن بعد القول بغيبة (الأمام الثاني عشر) ومرور مدة طويلة على انقطاع الاتصال بـ :"مصدر العلم الإلهي" وحدوث مسائل جديدة تستوجب الإجابة عليها ، بدأ موقف الامامية من (الاجتهاد) يتطور .. ويتغير ، واضطروا لفتح باب الاجتهاد والقول بجواز القياس. وكان أول من قال بذلك في أواسط القرن الرابع هو الحسن بن عقيل العماني ، المعاصر للكليني . ثم جاء الشيخ المفيد في بداية القرن الخامس الهجري ليمارس (الاجتهاد) مع تلميذيه السيد المرتضى والشيخ الطوسي ويؤسسوا بذلك المدرسة الأصولية التي شقت طريقها في الحياة منذ ذلك الحين.[1]
وقد كان فتح باب الاجتهاد خطوة كبيرة للخروج من الأزمة ، وملأ الفراغ التشريعي الذي حدث للشيعة الامامية بعد وفاة الأمام الحسن العسكري وغيبة أو افتقاد الأمام الثاني عشر ، وذلك في ظل القول بحصر العمل التشريعي بالأئمة المعصومين الذين يرتبطون بمصادر العلم الإلهي الحقيقي ، وعدم جواز اللجوء الى الطرق الظنية والإمارات كالقياس والاجتهاد وما شابه ، لمعرفة الأحكام الشرعية . وقد أدى فتح باب الاجتهاد بالشيعة الى التحرر من نظرية (التقية والانتظار) و إعادة النظر في كثير من أبواب الفقه المعطلة بسبب نظرية (الغيبة) ، و ملاحقة التطورات والإجابة على المسائل الحادثة ، كما أدى الى حدوث تطورات جذرية في الفكر الامامي والتخلي عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الأمام ، والقول بجواز الحكومة لغير المعصوم أو وجوبها ، واستنباط نظرية (ولاية الفقيه) وغيرها من النظريات التي أعادت الشيعة الى مسرح الحياة.
والى جانب العمل العظيم الذي قام به الفقهاء الامامية في مطلع القرن الخامس الهجري ، وهو فتح باب الاجتهاد ، قاموا أيضا باستنباط نظرية أو فرضية كان لها دور كبير في مستقبل الفكر السياسي الامامي ، وهي:( فرضية النيابة الواقعية للفقهاء عن الأمام المهدي ). خاصة في مجال القضاء، حيث فتحت هذه الفرضية نافذة تطورت مع مرور الزمان وأدت الى تخلي الامامية عن شرط العصمة والنص في الإمام ، وبالتالي التخلي عن الالتزام بنظرية (التقية والانتظار للامام الغائب) والقول بنظرية (ولاية الفقيه) .
ومن المعلوم ان القضاء يعتبر من أهم أعمال الدولة ، ولما كان الشيعة الامامية يحصرون الدولة الشرعية في الدولة التي يقودها (الامام المعصوم المعين من قبل الله) فانهم قد حرموا ممارسة القضاء لغير الإمام المعصوم ، ولكنهم رووا عدة روايات تجيز للفقهاء الشيعة ممارسة ذلك بالنيابة عن (الأئمة المعصومين). مثل:
1 - مقبولة عمر بن حنظلة عن الأمام الصادق (ع) التي يقول فيها :"انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما".
2 - مشهورة أبى خديجة عن الأمام الصادق أيضا :"انظروا آلي رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فتحاكموا اليه" .
وقد تم استعارة هذه الأذونات العامة الصادرة في عهد حضور الأئمة ، والحكم بجواز ممارسة القضاء في عهد (الغيبة) للفقهاء من الشيعة ، وذلك للتشابه بين الحالتين وهو عدم سيطرة الأئمة وممارستهم للحكم ، وحل الشيعة الامامية بذلك مشكلة القضاء في عصر الغيبة.
وقد استنبط الشيخ المفيد من تلك الروايات :( فرضية النيابة الواقعية عن الامام المهدي). فقال في كتاب:(المقنعة ، كتاب الحدود) :"ان الأئمة قد فوضوا اليهم (الفقهاء) النظر في القضاء مع الإمكان " وأضاف:" ومن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له وكان أميرا من قبله في ظاهر الحال ، فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل (صاحب الأمر) الذي سوغه ذلك وأذن له فيه دون المتغلب من أهل الضلال" .[2]
وهكذا قال فقهاء آخرون كالمقدس الاردبيلي ( - 993 هـ) والشيخ جعفر كاشف الغطاء ( - 1227 هـ) والشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266 هـ) بضرورة افتراض النيابة عن الإمام الثاني عشر الغائب لدى تولي القضاء، وكانت آراؤهم هذه في باب الحدود متميزة عن آرائهم في الأبواب الأخرى التي كانوا يلتزمون فيها بنظرية :(التقية والانتظار) ، وكانت وسيلة كبرى ساعدتهم على الخروج من سائر المرافق الأخرى ، وكانت " فرضية النيابة الحقيقية" التي اقترح بعض العلماء افتراضها عند إجبار الحاكم الظالم للفقيه أو لغيره على إقامة الحدود ، قاعدة أساسية لتطوير نظرية (النيابة العامة) و (ولاية الفقيه) فيما بعد.
وإذا كانت نظرية :(التقية والانتظار) تحرم الثورة والدولة في عصر الغيبة ، وتحدد - تبعا لذلك - قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمراتب الدنيا القلبية والإعلامية ، وترفض استخدام القوة المؤدية إلى الجرح أو القتل في غياب دولة (الإمام المهدي) الشرعية الوحيدة الممكنة .. فان الالتزام بهذه النظرية في عصر الغيبة ولمدة طويلة كان يبدو صعبا جدا ، ومن هنا فقد تخلى الشيعة عمليا وتدريجيا عن نظرية :(التقية والانتظار) وأخذوا يبنون دولهم المستقلة هنا وهناك . وكان لا بد ان يطور الفقهاء قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويخففوا من الشروط التعجيزية التي تحول دون تنفيذه . وربما كان أول من حاول الخروج من كهف الغيبة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السيد المرتضى الذي نقل عنه الطوسي في:(الاقتصاد) قوله بجواز ممارسة القتل والجرح في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عصر الغيبة بلا حاجة إلى استئذان الإمام.
وقد تبعه بعد ذلك حمزة بن عبد العزيز الديلمي (سلار) و محمد بن إدريس ، صاحب (السرائر) والعلامة الحلي ويحيى بن سعيد، والمقدس الاردبيلي ، والشيخ محمد حسن الفيض الكاشاني، وآخرون.
ومع تبلور نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي ) أو (ولاية الفقيه) فقد قوي القول بجواز القتل والجرح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بإذن الفقيه الولي أو" نائب الإمام".
هذا في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما في موضوع الجهاد الابتدائي ، فانه بالرغم من تحرر الفقهاء الشيعة الامامية من نظرية :(التقية والانتظار) خلال القرون الأخيرة وفي كثير من المجالات ، فان الموقف العام ظل سلبيا ولم يحدث تطور يذكر إلا في السنوات الأخيرة . ولم أجد من يتحدث عن جواز الجهاد في عصر الغيبة سوى السيد محمد الحسيني الشيرازي الذي كان يقول بنظرية (ولاية الفقيه) .[3]
وقد تقدم الشيعة الامامية الاثنا عشرية خطوة أخرى الى الأمام، على طريق التحرر من نظرية انتظار الإمام الغائب (الثاني عشر)، وذلك عبر تطوير حكم الخمس من الإباحة الى الوجوب. وقد تم الانسحاب من القول بالإباحة في وقت مبكر ، خطوة .. خطوة ..
وكانت الخطوة الأولى هي القول بوجوب الخمس في عصر الغيبة ، مع القول بدفنه أو الاحتفاظ به حتى ظهور المهدي ، أو الايصاء به بعد الموت من واحد إلى واحد حتى يوم الظهور.
وكانت الخطوة الثانية هي القول بتسليم الخمس إلى الفقهاء للاحتفاظ به حتى ظهور الإمام المهدي. ثم القول بجواز قيامهم بتوزيعه بأنفسهم على المحتاجين.
وقام الشيخ حسن الفريد ( 1319 – 1417هـ) بثورة في باب الخمس عندما سلب حق الخمس من الإمام المهدي لغيبته وعدم قيامه بمهام الإمامة ، وقال بضرورة قيام واحد من الناس باستلام الخمس وتوزيعه من باب الحسبة ، لأنه من الأمور الحسبية التي لا محيص عن وقوعه في الخارج ولم يعين للقيام به في غيبة الإمام شخص أو صنف خاص .[4]
ومع تطور نظرية ولاية الفقيه كان لا بد ان يتطور حكم صلاة الجمعة، ويتغير من التحريم الى الوجوب أو الجواز. فقد حاول عدد من الفقهاء التحرر من نظرية (الانتظار) التي كانت تشترط إذن الإمام المعصوم الغائب، والعودة الى القرآن الكريم الذي يأمر بإقامتها بصورة مطلقة ولا يشترط لذلك أية شروط ، ولا يربطها بالإمام (المعصوم) الغائب .
ورغم ادعاء ابن إدريس الحلي :إجماع الشيعة الامامية على تحريم إقامتها في عصر الغيبة. فقد قام عدد من الفقهاء بنقض الموقف السلبي منها، وربما كان المحقق الحلي أول من حاول الخروج من نظرية (الانتظار) في باب صلاة الجمعة ، حيث قال باستحباب إقامتها عند إمكانية الاجتماع.[5] وكسر بذلك حاجز الإجماع المدعى على التحريم .
ومع بروز نظرية (نيابة الفقيه العامة ) في القرن السابع والثامن الهجريين، وجد بعض العلماء فيها مخرجا للهروب من نظرية (الانتظار) فقالوا بجواز إقامة الفقهاء للجمعة باعتبارهم نوابا عامين للإمام المهدي. وهو ما مهد السبيل أمام فقهاء آخرين ليقولوا بالوجوب، خاصة بعد قيام الدولة الصفوية في بلاد فارس.
و حاول الشهيد الثاني ( - 965 هـ) ان يتحرر من عقدة (إذن الأمام) في وجوب صلاة الجمعة ، وان يحصر ذلك في زمان حضور الإمام ، وان يسقط ذلك في عصر الغيبة ، من الأساس ، وانتقد في رسالة له حول ضرورة صلاة الجمعة، حالة التقليد الأعمى وتهديم الدين بالشبهات ، وشنّ هجوما عنيفا على الذين يتهاونون في صلاة الجمعة ، واشتكى بحرقة وحسرة من القائلين بتحريمها ، وقال:" اتفق علماء الإسلام في جميع الإعصار وسائر الأمصار والأقطار على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان في الجملة ، وإنما اختلفوا في بعض شروطها … ومع ذلك فالحث على فعلها والأمر به بضروب التأكيد في الكتاب والسنة لا يوجد مثله في فريضة البتة".[6]
وهكذا قام الشهيد الثاني بخطوة كبيرة نحو الأمام في سبيل التحرر من نظرية : (الانتظار) ، وذلك بتحليله أو إيجابه إقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة حتى لغير الفقيه.
و منذ إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران، بدء الشيعة الامامية الاثنا عشرية يقيمون صلاة الجمعة هنا وهناك بشكل واسع.
--------------------
[1] - للمزيد من التفاصيل راجع المبحث الأول من الفصل الثاني من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي للكاتب .
[2] - لمزيد من التفصيل راجع المبحث الثاني من الفصل الثاني من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي، للكاتب .
[3] - للمزيد من التفصيل راجع المبحث الثالث من الفصل الثاني من الجزء الثالث من كتاب تطور الفكر السياسي الشيعي.
[4] - حيث قال في ( رسالة في الخمس ص 83-86):"ان مقتضى القاعدة سقوط النصف الذي هو للإمام (ع) إذ لا ريب انه إنما استحق ذلك بحق الرئاسة والإمامة ، ولذا ينتقل هذا الحق بموته إلى الإمام الذي يقوم بعده بالإمامة لا إلى ورثته ، فإذا غاب عن الناس ولم يقم بالإمامة انتفت رئاسته خارجا ، وينتفي حقه بانتفاء موضوعه". وأضاف:"لا إشكال في وجوب إيصال نصف الخمس الذي للإمام (ع) إليه أو إلى وكيله في زمان الحضور ... وبعد غيبته ان قلنا بـ : ( ولاية الفقيه) على الإطلاق ونيابته العامة عن الإمام ، كان للفقيه الولاية على ذلك ، وان لم نقل بولايته إلا في باب القضاء والإفتاء فلا بد ان يقوم به واحد من باب الحسبة لأنه من الأمور الحسبية التي لا محيص عن وقوعه في الخارج ، ولم يعين للقيام به في غيبة الإمام شخص أو صنف خاص ، وليس من الوظائف التي يقوم بها آحاد الناس ، بل من الأمور التي لا بد ان يقوم بها الحاكم .. فان .. الفقيه الجامع للشرائط هو الذي ينبغي ان يقوم به وانه القدر المتيقن ممن يصح منه القيام به وتوزيع الخمس على أهله ، فلا بد ان يقوم به الفقيه .. من باب الحسبة ، وان شئت قلت : ان للفقيه الولاية على صرف الخمس على أهله ، ولكن ولايته على ذلك لم تستفد من الكتاب والسنة بل من دليل الحسبة والضرورة .. يعني : ان الضرورة الدينية هي التي كشفت كشفا قطعيا عن ولايته على ذلك .. ومما ذكرنا يمكن ان يستكشف : ان له ولاية التحليل إذا اقتضت الضرورة ذلك فيما لم يشمله أخبار التحليل .
[5] - المختصر النافع ، ص 36
[6] - لمزيد من التفصيل راجع المبحث السادس من الفصل الثاني من الجزء الثالث من كتاب التطور. |